في معرض الفنانة التشكيلية ليلى القاسمي ريشة ترسم العالم باللون والضوء

بينما يغرق العالم في تفاصيل يومية متسارعة

اختارت التشكيلية التونسية ليلى القاسمي أن تُعيد ترتيب المشهد من خلال "بوصلة الخيال". ففي معرضها الجديد "حكايا ألف ليلة وليلى"، الذي يحتضنه فضاء "كونسبت ستور" بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، تقدم القاسمي ما يمكن اعتباره "بيانا فنيا" حول قدرة الرسم على بعث الروح في الموروث السردي.
المعنى خلف اللون
لا يكتفي المعرض بتقديم تجربة بصرية، بل يطرح تساؤلا جوهريا حول هوية التشكيل التونسي المعاصر. بالنسبة للقاسمي، اللون ليس مجرد طلاء على قماش، بل هو لغة دلالية، فالأزرق الذي يغمر مساحاتها ليس لونا باردا، بل هو "ذاكرة بحر" توحي بالعمق والسكينة، بينما تعمل الألوان الحارة كنبضات قلب تكسر رتابة اللوحة وتمنحها ديناميكية خاصة. إن هذا المزيج بين الهندسة والتكوينات العضوية يعكس سعي الفنانة لخلق توازن بين صرامة العقل وحرية الروح.
شهرزاد العصرية
في قلب هذه الأعمال، تحضر المرأة بوصفها محورا وجوديا. القاسمي لا ترسم المرأة كـ "أيقونة" ساكنة، بل كـ "حكاءة" تحمل مفاتيح الألغاز. إنها "شهرزاد" التي تخرج من صفحات الكتاب لتصبح مرآة لعصرنا، بآلامه وأحلامه. هنا، تتحول اللوحة إلى فضاء لتفكيك الغموض، حيث الشخصيات النسائية التي تظهر في أعمالها تبدو وكأنها تختزل حكايات لم تروَ بعد، تاركةً للمتلقي مساحة واسعة للتأويل وإسقاط تجاربه الخاصة.
الفن كفعل تغيير
لا يمكن فصل المعرض عن شخصية ليلى القاسمي كفاعلة ثقافية، فترؤسها لجمعية "ذاكرة وحنين" وتجاربها السابقة في دمج الشعر بالموسيقى واللون (مثل "أجراس وألوان")، تؤكد أن مشروعها الفني هو جزء من منظومة ثقافية شاملة. هي ترى في الفن أداة "مقاومة" ضد السطحية؛ فعندما تقرر الفنانة استحضار "ألف ليلة وليلى"، فهي لا تبحث عن النوستالجيا، بل تبحث عن "الدهشة المفقودة" في واقعنا اليومي.
حوار مع اللوحة
يخرج زائر معرض القاسمي بشعورٍ مختلف، فالفن اصبح حوارا داخليا. لقد نجحت ليلى في تحويل "كونسبت ستور" إلى محراب صغير للجمال، يُذكّر كل من يدخله بأن الخيال لا يزال هو الملاذ الأخير للإنسان.
إن "حكايا ألف ليلة وليلى" ليست محطة في مسيرة ليلى القاسمي فحسب، بل هي دعوة لإعادة اكتشاف الجمال الكامن في ما وراء الأشياء، وتأكيد على أن الفرشاة، حين تلامس وجدان الفنان الصادق، تتحول إلى قلم يكتب سيرة العالم باللون والضوء.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115