Print this page

رغم التوقعات بارتفاع إنتاج الحبوب: استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك

تؤرّق التبعية الغذائية تونس بسبب تقلبات الأسعار العالمية

خاصة في ما يتعلق بالحبوب التي تُعدّ مادة استراتيجية أساسية في الاستهلاك اليومي. وقد أظهرت التوترات الجيوسياسية، على غرار اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، مدى هشاشة السوق العالمية للحبوب، حيث شهدت الأسعار ارتفاعًا غير مسبوق واضطرابات في سلاسل التوريد، ما انعكس مباشرة على كلفة التوريد وعلى ميزانية الدولة وعلى القدرة الشرائية للمواطنين. في هذا السياق، يبرز رهان تقليص الواردات وتعزيز الإنتاج الوطني كخيار استراتيجي للحد من هذه التبعية.

وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عن توقعات واعدة لموسم الحبوب 2025-2026، مرجّحة أن يتجاوز الإنتاج الأولي لهذا الموسم تقديرات الموسم الفارط ليصل إلى أكثر من 20 مليون قنطار. ويُعدّ هذا التحسن مؤشرًا إيجابيًا في اتجاه تعزيز العرض المحلي من الحبوب.
غير أن قراءة هذه الأرقام في ضوء الاستهلاك المحلي تُظهر أن التحدي لا يزال قائمًا. فالاستهلاك الوطني من الحبوب، وخاصة القمح اللين الموجه لصناعة الخبز، يفوق عادة حجم الإنتاج المحلي في السنوات العادية، ما يفرض على الدولة اللجوء إلى الاستيراد لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. وبالتالي، فإن حتى مع تسجيل موسم جيد يتجاوز 20 مليون قنطار، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل يظل مرتبطًا بحجم الطلب الداخلي الذي يتسم بالارتفاع والاستقرار النسبي مقارنة بالإنتاج المتقلب.
وتكمن الإشكالية الأساسية في الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، إذ إن حاجيات السوق المحلية من الحبوب تفوق في أغلب السنوات القدرة الإنتاجية الوطنية، سواء بسبب محدودية المساحات المزروعة أو تذبذب المردودية المرتبط بالعوامل المناخية، خاصة الجفاف. هذه الفجوة تُجبر الدولة على تغطية النقص عبر التوريد من الأسواق العالمية، ما يجعل الأمن الغذائي الوطني مرتبطًا بشكل مباشر بتقلبات الأسعار الدولية وتوازنات العرض والطلب في الخارج.
وعليه، فإن تحسين الإنتاج الفلاحي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتقليص التبعية الغذائية بشكل جذري، ما لم يُرافق بسياسات موازية تشمل ترشيد الاستهلاك، وتطوير القيمة المضافة للقطاع الفلاحي، والاستثمار في الري والتقنيات الحديثة. فالفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تبقى العنصر الحاسم الذي يحدد مدى استمرار اعتماد تونس على الأسواق العالمية في تزويدها بالحبوب، وبالتالي مدى تأثرها بتقلبات الأسعار الدولية.

 

المشاركة في هذا المقال