Print this page

النمو الاقتصادي بين استهلاك محفز وواردات كابحة

أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن الطلب الداخلي

واصل لعب دور المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، في وقت ما تزال فيه الواردات تمثل أحد أبرز العوامل الضاغطة على الميزان التجاري وعلى توازنات الاقتصاد الوطني.
بيّنت المعطيات أن حجم الطلب الداخلي، الذي يشمل نفقات الاستهلاك والاستثمار، ارتفع بنسبة 5.2 %، مساهماً إيجابياً بـ5.64% في نسبة النمو الاقتصادي المسجلة والبالغة 2.6 %. ويؤكد ذلك أن الاستهلاك والاستثمار ما يزالان يمثلان الركيزتين الأساسيتين لدفع النشاط الاقتصادي وتحريك الدورة الاقتصادية، خاصة في ظل ضعف مساهمة بعض القطاعات التصديرية وتباطؤ الاقتصاد العالمي.
وفي تفاصيل الحسابات الوطنية، يبرز الطلب الداخلي كأهم عنصر في تطور الناتج المحلي الإجمالي مقارنة ببقية المكونات، بما يعكس اعتماد الاقتصاد التونسي بدرجة كبيرة على الاستهلاك المحلي كمحرك للنمو. غير أن هذا المنحى يطرح في المقابل تحديات تتعلق بارتفاع الحاجة إلى التوريد لتغطية الطلب المتزايد على السلع الاستهلاكية والمواد الأولية والتجهيزات.
ويفسر ذلك الارتفاع اللافت للواردات بنسبة 9.3 %، مقابل زيادة الصادرات بنسبة 4.2 % فقط، وهو فارق ساهم في تعميق التأثير السلبي للمبادلات الخارجية على النمو. فقد أشار المعهد الوطني للإحصاء إلى أن صافي المبادلات الخارجية ساهم سلباً بـ3.08 % في نسبة النمو، بما يعكس استمرار اختلال التوازن بين نسق التوريد والتصدير.
وتبرز هذه المعطيات العلاقة المباشرة بين تنامي الطلب الداخلي وارتفاع الواردات، إذ يتطلب تنشيط الاستهلاك والاستثمار توفير كميات إضافية من السلع والمواد التي يعتمد جزء مهم منها على الأسواق الخارجية، سواء تعلق الأمر بالمواد الاستهلاكية أو مستلزمات الإنتاج. ويؤدي ذلك بدوره إلى الضغط على الميزان التجاري وعلى احتياطي العملة الأجنبية، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية محلياً وعالمياً وارتفاع كلفة التوريد.
وفي هذا السياق، تبرز إجراءات ترشيد الواردات كأحد الخيارات المطروحة للحد من تفاقم العجز التجاري وتقليص الضغط على المالية الخارجية. غير أن هذا التوجه يظل رهين تحقيق توازن دقيق بين الحد من الواردات غير الضرورية والمحافظة في المقابل على نسق التزود بالمواد الأولية والتجهيزات الضرورية للإنتاج والاستثمار، حتى لا يتحول الضغط على الواردات إلى عامل كبح للنمو الاقتصادي.
كما تطرح هذه التطورات مجدداً إشكالية هيكل النمو في تونس، القائم أساساً على الاستهلاك أكثر من اعتماده على التصدير والإنتاج ذي القيمة المضافة العالية، وهو ما يجعل النمو الاقتصادي عرضة لتقلبات الميزان التجاري وارتفاع كلفة التوريد، خاصة في الفترات التي تشهد ضغوطاً تضخمية وارتفاعاً في الأسعار العالمية للطاقة والمواد الأساسية.

المشاركة في هذا المقال