رئيس الجمهورية قيس سعيد إعفاء وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة من مهامها، وتكليف وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري بتسيير الوزارة بصفة وقتية، القرار، الذي صدر فجر الثلاثاء، جاء دون توضيح رسمي للأسباب، وهو ما زاد من حالة الغموض، مما فتح باب التأويلات حول خلفياته وأبعاده، قرار الإعفاء ربطه العديد بالجدل الدائر داخل مجلس نواب الشعب وخارجه حول مشاريع قوانين تتعلق بقطاع الطاقة، وخاصة ما يعرف بـ"لزمات" إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة.
تزامن القرار مع اجتماع رفيع المستوى انعقد بقصر قرطاج أول أمس بإشراف رئيس الجمهورية، وحضور رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ومشكاة سلامة الخالدي وزيرة الماليّة وعصام الأحمر وزير الشّؤون الاجتماعية ورياض شوّد وزير التّشغيل والتّكوين المهني، ويتنزّل هذا الاجتماع في سلسلة من اللّقاءات التّي عقدها رئيس الدّولة للنّظر في تطبيق أحكام الفصل 15 من قانون الماليّة للسّنة الجارية والمتعلق بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص وجرايات المتقاعدين بعنوان سنوات 2026 و2027 و2028.
ملف الانتدابات..نحو منصة جديدة
أكد رئيس الجمهوريّة في مستهلّ هذا الاجتماع على أنّ الدّولة التّونسية ماضية قدما في سياستها الاجتماعية في كلّ المجالات، كما هي ماضية أيضا في مكافحة كلّ جيوب الردّة والعمالة والفساد. كما أسدى رئيس الدّولة تعليماته باستكمال إعداد المنصّة الخاصة بفتح باب انتداب المعطّلين عن العمل ممّن طالت بطالتهم اعتمادا على مقاييس تقوم على العدل والإنصاف. وأشار رئيس الجمهوريّة في هذا السّياق إلى الوضع غير الطبيعي الذي تشهده الإدارة اليوم نتيجة للانتدابات التي وقعت بناء على الولاءات وعلى خلاف الصّيغ القانونية وممّن اعتقدوا أنّ الدّولة غنيمة وأنّ السلطة مصالح وامتيازات، وأكثر من ذلك يعملون على تأجيج الأوضاع بكلّ الوسائل والطّرق.
السيادة الوطنية وشعارات الثورة
وخلص رئيس الدّولة في نهاية هذا الاجتماع إلى القول "أنّنا نشير إلى القمر ليلة التمام وهو السّيادة التّونسية وشعارات ثورتها الشّغل والحرية والكرامة الوطنيّة، ولا تعنينا السبّابة التّي تشير إليه. لا تعنينا لا السبابة ولا الإبهام لأنّهما حين يتلامسان يشيران إلى الصّفر أو إلى مجموعة من الأصفار للإيهام بالعناق أو على العكس بالفراق، والشّعب يعلم كلّ التفاصيل وهو المخوّل وحده لتفكيك الدّوائر المفرغة وفضح الغرف المظلمة وطلاسم التّصريحات الكاذبة والمتاجرين بالأوهام هذا فضلا عما يسمّى بالوقفات والتّدوينات والبرامج المدفوعة الأجر في الدّاخل والخارج على السّواء المفضوحة أهدافها والسّخيفة مراميها".
إعفاء دون ذكر الأسباب
تضمن البلاغ أيضا رسائل سياسية قوية، حيث أكد رئيس الجمهورية أن السيادة الوطنية وشعارات الثورة، الشغل والحرية والكرامة الوطنية، تبقى فوق كل اعتبار. كما اعتبر أن بعض التحركات والتصريحات، داخل البلاد وخارجها، تهدف إلى التشويش، مؤكدًا أن الشعب التونسي "يعلم كل التفاصيل" وهو المخول لتقييم الأوضاع، وفي ختام البلاغ، أعلنت رئاسة الجمهورية عن إعفاء وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة من مهامها وتكليف وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري بتسيير شؤون الوزارة بصفة وقتية، ولم يتضمن البلاغ أي توضيح رسمي لأسباب هذا القرار، كما لم يعلن عن تعيين وزير جديد في نفس المنصب.
ثلاث أولويات رئيسية
عكس بلاغ رئاسة الجمهورية تركيزا واضحا على ثلاث أولويات رئيسية، الملف الاجتماعي أي الزيادة في الأجور وجرايات المتقاعدين، وإصلاح الإدارة والانتدابات وإعادة ترتيب المشهد الحكومي جزئيا عبر الإعفاءات، كما حمل البلاغ رسائل سياسية قوية في ظل سياق وطني يتسم بتصاعد الجدل حول عدد من الملفات الحساسة، خاصة في المجالين الاقتصادي والطاقة في علاقة خاصة بمشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة. فقد حذر المرصد التونسي للاقتصاد من مخاطر قد تمس السيادة الوطنية والتوازنات المالية،
فتح نقاش وطني واسع
كما عبر الاتحاد العام التونسي للشغل عن رفضه لهذه المشاريع بصيغتها الحالية، معتبرا أن المسألة تتجاوز الجانب التقني لتلامس جوهر السيادة الاقتصادية، ودور الدولة في إدارة الثروات الوطنية. وأكدت المنظمة النقابية أن الانتقال الطاقي يجب أن يكون خيارا سياديا خالصا، محذرة من أن يتحول إلى مدخل لتعميق التبعية الاقتصادية، خاصة في ظل الشراكات الدولية غير المتكافئة. وفي ختام بيانه، دعا قسم الدواوين والمنشآت العمومية إلى مراجعة عميقة لهذه المشاريع، وفتح نقاش وطني واسع حولها، مع تمكين مختلف القوى الحية من إبداء آرائها، مؤكداً أن القضايا الإستراتيجية لا تدار في الغرف المغلقة، بل تبنى عبر حوار وطني شامل. كما جدد التزامه بمواصلة دوره كصوت نقابي "صلب"، منحاز للسيادة الوطنية، مدافع عن القطاع العام، ورافض لكل أشكال التفريط، بما يضمن لتونس قراراً حراً ومؤسسات قوية وخيارات عادلة.
وقفة احتجاجية أمام البرلمان
وكانت الجامعة العامة للكهرباء والغاز، التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، بالتنسيق مع عدد من النواب، قد نظمت وقفة احتجاجية أمس أمام مقر البرلمان وذلك تزامنا مع الجلسة العامة المخصصة للنظر في مشاريع قوانين خاصة بإسناد لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة. وقال كاتب عام الجامعة العامة للكهرباء والغاز، فتحي المسلمي في تصريحات إعلامية إنهم متمسكون برفض هذه المشاريع باعتبارها تمس من السيادة الطاقية ومن الأمن القومي للبلاد.
تتقاطع هذه التطورات الأخيرة من الإعفاء الحكومي إلى ملفات الأجور والانتدابات والطاقة، لتعكس مرحلة دقيقة تمر بها البلاد، وهناك من يعتبر قرارات الرئاسة محاولة لامتصاص الغضب واحتواء الجدل، وبالنسبة لقرار الإعفاء قد يكون تمهيدا لإعادة ترتيب الفريق الحكومي، خاصة في ظل غياب تعيين بديل مباشر للوزيرة المقالة.