والذي تحلّ فيه إندونيسيا ضيف شرف، تم تنظيم لقاء فكري متميز يوم الجمعة 24 أفريل حول كتاب" من جاكرتا إلى قرطاج"، للدبلوماسي والمناضل التونسي الراحل الرشيد إدريس. وتأتي هذه الندوة ضمن سلسلة ندوات تعقدها سفارة اندونيسيا بتونس في الجناح الاندونيسي في معرض الكتاب الدولي بمشاركة كتاب وباحثين لقدموا شهاداتهم ورؤيتهم حول تطوير العلاقات بين جاكرتا وتونس .
افتتح السفير الإندونيسي بتونس زهيري مصراوي اللقاء مشيدا بعمق العلاقات التاريخية بين تونس وإندونيسيا، والتي تعود إلى ما قبل استقلال البلدين، مؤكداً على دور الرشيد إدريس في تعزيز هذه الروابط. والكلمة الأهم التي مست الحضور كانت مقولة السفير مصراوي بأن العلاقات بين تونس وجاكرتا خسرت الكثير برحيل الدبلوماسي الرشيد ادريس ووفاته عام 2009 . الا ان الرسالة التي خطها ادريس ستظل باقية لتؤسس لمستقبل زاهر أكثر من أي وقت مضى ، وما اختيار اندونيسيا كضيف شرف معرض الكتاب الدولي بتونس الا تأكيد على عمق الجسور التي تربط البلدين.
مسيرة دبلوماسية وثقافية
وخلال اللقاء تم التأكيد على أن هذا الكتاب يتجاوز كونه سيرة ذاتية ليصبح فضاءً للوساطة الثقافية. واستعرض المشاركون مسيرة رشاد إدريس المهنية والدبلوماسية، واصفين إياها بالرحلة التي بدأت من أحياء "باب سويقة" لتصل إلى كبرى عواصم العالم (القاهرة، جاكرتا، واشنطن)، وصولا إلى منصة الأمم المتحدة.
وشارك في النقاش أيضاً الباحث هشام الحاجي، الذي ركز على البعد التاريخي والجيوسياسي للكتاب، معتبرا أن رحلة رشاد إدريس من جاكرتا إلى قرطاج لم تكن مجرد مسافة جغرافية، بل مسار فكري وإنساني لتقريب الشعوب.
كتاب "من جاكرتا إلى قرطاج" للراحل الرشيد إدريس ليس مجرد سيرة ذاتية، بل هو جسر ثقافي ممتد عبر القارات. الرشيد إدريس، هذا المناضل الذي حكم عليه الاستعمار بالإعدام، تحول إلى واحد من أبرز بناة الدبلوماسية التونسية الحديثة. وفي كتابه هذا، يأخذ القارئ في رحلة تبدأ من أزقة باب سويقة، تمر عبر القاهرة وجاكرتا وواشنطن، وصولاً إلى أروقة الأمم المتحدة، ليعود دائماً إلى قرطاج كرمز للهوية والانتماء."
محاور الكتاب
تحدث الرشيد ادريس في كتابه صفحات من النضال التونسي وركز على كيفية
تحول الفكر التحرري من المطالبة بالاستقلال إلى بناء مؤسسات الدولة والدبلوماسية. كما يسرد الكتاب بدايات الاهتمام التونسي بالعمق الآسيوي، وكيف كانت إندونيسيا محطة ملهمة للرشيد إدريس في فهم تطلعات شعوب الجنوب.
ويؤكد الكاتب أن الدبلوماسية ليست مجرد بروتوكولات، بل هي "رحلة من الفكر إلى التعبير"، ومن الدفاع عن قضايا الوطن إلى الانفتاح على الإنسانية.
ويبرز الكتاب الحنين الدائم لتونس، وكيف ظل الكاتب وفيا لجذوره رغم إقامته في كبرى عواصم العالم.
يروي الرشيد إدريس رحلته إلى إندونيسيا وباكستان في الخمسينيات، بتكليف من الحزب الدستوري الجديد للتعريف بالقضية التونسية. يصف انبهاره بالنهضة الآسيوية وكيف وجد في جاكرتا عمقاً استراتيجياً وتضامناً شعبياً ورسمياً كبيراً مع تونس. هذا الجزء يوثق لبدايات الدبلوماسية الشعبية التونسية في الشرق الأقصى.
وينتقل الكاتب لتوثيق مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث ساهم في تحرير الدستور وإعلان الجمهورية. يستعرض مهامه كدبلوماسي رفيع المستوى، خاصة في واشنطن ثم مندوباً دائماً لتونس في الأمم المتحدة (1970-1976). في هذا المحور، يحلل الكاتب كيفية إدارة العلاقات الدولية في ظل الحرب الباردة، ويبرز دور تونس كصوت معتدل ومؤثر في الدفاع عن القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
يؤكد ادريس أن الانتقال من جاكرتا إلى قرطاج ليس مسافة بالكيلومترات، بل هو مسار من "الفكر إلى التعبير". يدافع في هذا المحور عن قيمة الكتاب والقراءة، ويرى أن الثقافة هي الأداة الوحيدة التي تمنح الدبلوماسي والسياسي عمقاً إنسانياً يتجاوز المصالح الآنية.
وأكد المشاركون في الندوة بان الكتاب هو شهادة تاريخية تثبت أن قرطاج لم تكن يوماً منغلقة على نفسها، بل كانت دائماً منفتحة على العالم، وأن رحلة الرشيد إدريس من أقصى الشرق في جاكرتا كانت في جوهرها بحثا عن كرامة تونس وسيادتها في المحافل الدولية
من هو الرشيد ادريس؟
ولد سنة ولد في 27 جانفي 1917 بحي باب سويقة العريق بمدينة تونس.
تلقى تعليمه في المدرسة الصادقية، حيث نال "الدبلوم الصادقي"، وهو المحضن الذي شكل وعيه الوطني الأول.
انخرط مبكراً في العمل الوطني، وألقي القبض عليه لأول مرة عام 1936 إثر مشاركته في مظاهرة ضد الاستعمار الفرنسي وهو لا يزال شاباً.
انتمى إلى الحزب الحر الدستوري الجديد وكان عضواً فاعلاً في ديوانه السياسي تحت رئاسة الحبيب ثامر.
آمن بقوة الكلمة، فأسس وكتب في عدة صحف وطنية منها: "تونس الفتاة"، "إفريقيا الفتاة"، و"الشباب".
أُلقي القبض عليه عام 1942، ثم غادر تونس سرا عام 1943 باتجاه إيطاليا هرباً من البطش الفرنسي، وصدر في حقه حكم بالإعدام غيابياً عام 1946.
تنقل بين إيطاليا، ألمانيا، فرنسا، وإسبانيا، حتى استقر في القاهرة عام 1946، حيث ساهم في تأسيس مكتب المغرب العربي ولجنة تحرير شمال إفريقيا، وكان يمثل الحزب في مصر وباكستان وإندونيسيا.
بعد الاستقلال عاد لتونس عام 1955، وتولى إدارة جريدة "العمل"*. انتُخب عضواً في المجلس القومي التأسيسي عام 1956.
فيما يتعلق بمأسسة الفكر أسس عام 1981 جمعية الدراسات الدولية وأصدر مجلة "دراسات دولية" التي لا تزال مرجعاً للباحثين.
عُيّن عام 1991 رئيساً لـ *الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية في تونس.
ترك الرشيد إدريس إرثاً غنياً يمزج بين التوثيق التاريخي والرؤية الأدبية، منها:
"من باب سويقة إلى منهاتن" (1980).
"من جاكرتا إلى قرطاج" (1983) وهو المرجع الأهم لعلاقات تونس بآسيا.
"الفانوس في الفجر" (1981).
"في طريق الجمهورية" (مذكرات صدرت عام 2001).
توفي الرشيد إدريس في 5 سبتمبر 2009 عن عمر ناهز 92 عاماً، قضاها وفياً للقلم والمبدأ. وصفه رفاقه بأنه "الرجل الذي لم ينقطع عن الكتابة يوماً واحداً"، وظل حتى لحظاته الأخيرة يؤمن بأن الدبلوماسية هي جسر حضاري قبل أن تكون صفقات سياسية.
في الندوة الفكرية حول كتاب الدبلوماسي الراحل الرشيد إدريس كيف تأسست العلاقات الدبلوماسية بين تونس وجاكرتا؟
- بقلم روعة قاسم
- 15:23 27/04/2026
في إطار الدورة الـ 40 لمعرض تونس الدولي للكتاب
آخر مقالات روعة قاسم
- بينما ترامب يغلق أبواب الدبلوماسية مع طهران سلاح الطاقة وخرق العزلة.... سيناريوهات المواجهة والصفقة
- لماذا يستهدف الاحتلال الصهيوني الصحفيين في لبنان ؟ اغتيال الشاهد.. وطمس الحقيقة
- انتصارا للقضية المركزية: "يوم الأسير" بوصلة للوفاء وملاحم من الصمود والإبداع
- في ندوة دولية لجمعية "كفاءات تونسية": أية تداعيات لحرب الخليج ولبنان على تونس والمنطقة المغاربية؟
- بكين تطرح "خارطة طريق" من 4 نقاط لإنقاذ استقرار الشرق الأوسط