Print this page

في الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين حين ترسم الموسيقى جسورا من الضوء بين تونس وطوكيو

بمناسبة الاحتفاء بالذكرى السبعين لإرساء العلاقات

الدبلوماسية بين تونس واليابان ، استضافت القاعة الكبرى بمسرح الأوبرا، حفلا موسيقيا يابانيا أحيته كل من عازمة الكمان توموكو مايدا وعازفة البيانو ويومي ياماغوتشي . وذلك بتنظيم مشترك بين سفارتي اليابان والنمسا في تونس، وبدعم من وزارة الشؤون الثقافية التونسية.
لقد تحول ركح أوبرا تونس الى فضاء رحب لعناق حضاري دافئ تجاوزت فيها الموسيقى كونها مجرد عرض لتصبح نفسا مشتركا بين العازفتين والجمهور.
رحلة موسيقية حضارية
في تلك الليلة، انفتحت خشبة مسرح أوبرا تونس بقلب مدينة الثقافة "الشاذلي القليبي" كنافذة على آفاق بعيدة. وفي الأجواء الهادئة للقاعة، استسلم الجمهور لرحلة موسيقية تلاقت فيها الأناقة الأوروبية مع الحساسية اليابانية المرهفة.
كانت أمسية مفعمة بالرقي والعاطفة، حيث لامست كل نوتة موسيقية وجدان الحاضرين برقة متناهية. وأظهرت الفنانتان، توموكو مايدا ويومي ياماغوتشي، تناغماً تاماً وحضوراً مضيئاً على الخشبة، فكان الحوار الموسيقي بينهما باهرا وممتعا.
افتتح السفير الياباني بتونس، سايتو جون، الأمسية مرحباً بالفنانتين المقيمتين في النمسا، واللتين تحظيان بتقدير واسع نظراً لتقنيتهما العالية وإحساسهما الفني الرفيع. كما أعرب عن امتنانه للشركاء، مسرح الأوبرا وسفارة النمسا، موضحاً أن هذا الحفل يمثل انطلاقة لسلسلة من المبادرات المخلدة لسبعينية العلاقات التونسية اليابانية.
من جانبها، أشادت سفيرة النمسا بتونس بحضور هاتين القامتين الفنيتين، مذكّرة بأنهما تقيمان في النمسا منذ ما يقارب 25 عاماً، قبل أن تتولى تقديم البرنامج الموسيقي المتنوع .
حوار بين الوتر والمفاتيح
تجسد مسيرة توموكو مايدا هذا الالتزام الفني العالي، فبعد تكوينها في اليابان وصقل موهبتها في ألمانيا، انطلقت في مسيرة دولية قادتها إلى مسارح أوروبا وأمريكا الجنوبية. وقد حازت على جوائز دولية عديدة، وتقدم مقطوعات موسيقية واسعة تمتد من موزارت وبيتهوفن وصولا إلى الرومانسية مع برامز. كما تتعرف بانخراطها في مشاريع بيداغوجية لتقريب الموسيقى الكلاسيكية من الجمهور الناشئ، وهي منذ عام 2025 سفيرة لعلامة البيانو النمساوية العريقة "بوزندورفر".
أما يومي ياماغوتشي، فهي تجسد شكلا آخر من الحساسية الفنية. عُرفت بالتزامها تجاه الموسيقى المعاصرة . وتتميز بأسلوب دقيق يهتم بأدق تفاصيل الصوت. وإلى جانب براعتها كعازفة، فهي مرافقة موسيقية في أكاديمية الموسيقى والفنون المسرحية في فيينا منذ عام 2022.
بين الأصالة والحداثة
تضمن البرنامج مقطوعة من تأليف العازفة يومي ياماغوتشي نفسها، التي كشفت للجمهور عن موهبتها في التلحين أيضاً. حيث قدمت عملاً كتب خلال فترة جائحة كوفيد حين كان العالم يحبس أنفاسه.
افتتحت الحفل بمقطوعة بعنوان "سحر الحب" (La magie de l’amour)، وهي سوناتا مستوحاة من العوالم المضيئة لـ فولفغانغ أماديوس موزارت وأوبراه الأسطورية "الناي السحري"، حيث تميزت بموسيقى شفافة وخفيف.

وجاءت الموسيقى لتؤكد أنها اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمان والجسر الذي يعبر المحيطات بلمسة وتر ونبضة مفتاح لتمزج الياسمين التونسي بزهور شجرة الساكورا اليابانية في سهرة توجت عمق الروابط الإنسانية.

بوح موسيقي
مع ألحان الناي السحرية كأطياف من نور تكاد تشعر معها بمرور أنفاس الجنيات في أرجاء القاعة . وفي مقطوعة " مملكة الحب" استحال البيانو بوحا خفيا كأنه موسيقى حميمية تسلل كهمس في أذن الليل حيث تتدفق العاطفة الرومانسية بخفر ودهشة ثم تلاها "كورال الحب" بفيضه الرحب فارتفعت الجمل الموسيقية كأنه نشيد كوني يدعو الأرواح للرقص والاتحاد معلنا أن الموسيقى هي الملاذ الأخير الذي يجمع الشعوب مهما بعدت المسافات .
ومن قلب الرومانسية الأوروبية استحضرت عازفة الكمان اليابانية توموكو مايدا وعازفة البيانو يومي ياماغوتشي سوناتا الألماني يوهانس برامز تلك المقطوعة التي ولدت في سكون جبال الألب وبدت وكأنها صلاة صامتة في محراب الطبيعة. ان كل مقطوعة موسيقية تمثل اعترافا وبوحا وتعبيرا عن إنسانية نابضة بالحنين تتهادى بين الوجع المضيء والسكينة الطاغية .
وبالنسبة لمايدا لم تكن السوناتا مجرد نوتات على ورق بل كانت رفيقة عمر استوطنت روحها منذ ربيعها التاسع عشر فجاء عزفها محملا بذاكرة السنين كأن الكمان والبيانو يتنفسان بقلب واحد.
تلاحم الضوء والنغم
وعلى أوتار الحداثة والتقليد أبحرت بنا الفنانتان إلى سواحل اليابان عبر مقطوعة ميشيو مياغي الخالدة "بحر الربيع" وهناك تحول كمان مايدا إلى ناي شاكوهاتشي يغني للريح وتمايلت أصابع ياماغوتشي على البيانو لتحاكي تموجات آلة الكوتو العتيقة وكان الجمهور معلقا بين السماء والأرض يرقب انعكاس الضوء على أمواج النغم في مزيج ساحر أذاب الحدود بين تقاليد الشرق وقوالب الغرب ليصبح العالم كله نفسا واحدا يتردد في فضاء الأوبرا.
ولم يخل المشهد من لمسة وفاء لمبدعات كسرن قيود الزمن وعلى رأسهن الرائدة نوبو كودا التي كانت أول يابانية تقتحم قلاع الموسيقى في فيينا عام 1895 . وباختيارهن عزف سوناتا كودا قدمت الفنانتان تحية للمرأة التي عبدت طريق الإبداع العابر للحدود. فكانت كل نوتة في هذا العمل رنينا للحرية وتذكيرا بأن الفن حين يمتزج بالشجاعة يحول المحيطات إلى ممرات والقرون إلى لحظات من اللقاء والوئام لتظل تونس بوصلة للجمال تجمع حضارتين تكتبان بمداد النغم فصلا جديدا من فصول الصداقة والمحبة.

المشاركة في هذا المقال