" مساء الإثنين مجرد رقعة جغرافية لاستضافة عرض موسيقي، بل تحولت إلى مختبر وجداني تلاقت فيه أطراف الأرض. في هذا الفضاء، توارت الحدود السياسية لتفسح المجال لـ "لقاء الكمان"، وهو الموعد الذي نسجه مسرح أوبرا تونس تحت رعاية وزارة الشؤون الثقافية وبالتعاون مع السفارة الهندية، ليجمع بين القامة التونسية زياد الزواري والعبقري الهندي آمبي سوبرامانيام. ويعكس هذا العرض الموسيقي الجانب الغني والفني من التعاون الدبلوماسي والثقافي بين تونس والهند.
القوس.. جسر من ضوء
في قلب الركح، وقف زياد الزواري حاملا كمانه كأنه يمسك بوصلة تشير إلى جهات القلب الأربع. الزواري، الذي احترف "هندسة الجسور" النغمية بين الثقافات، بدا في تلك الليلة كأنه يعيد رسم خريطة العالم بالأوتار. وبمقابله، كان آمبي سوبرامانيام يبدو كحارس لذاكرة "الكارناتيك" العريقة، يطوع تراث الهند الضارب في القدم ليحاكي لغة العصر.
لم يكن الحوار بينهما مجرد "تكنو-موسيقى" أو استعراضاً للمهارات، بل كان مكاشفة روحية بين نظامين لحنيين يتشاركان ذات القدسية: "المقامات" العربية و"الراغا" الهندية. هنا، استحال الكمان وسيطا كونيا، آلة تخلت عن هويتها الأوروبية لتنطق بلسان شرقي مبين، وتترجم أحاسيس لا تقيدها الكلمات.
"نفس".. حين تحاور الموسيقى الغياب
افتتح الثنائي الأمسية بمقطوعة "نفس"، وهي تسمية لم تأتِ من فراغ، بل كانت إعلانا عن حياة تدب في الأخشاب والأوتار. بدأت المقطوعة بهمسات وترية خجولة، كأنما الآلتان تتعرفان على بعضهما البعض لأول مرة، قبل أن تذوب المسافات وتتحول الجملة الموسيقية إلى زفير مشترك، يمتزج فيه شجن المقام بفيض الراغا.
وفي لحظة صدق نادرة، توقف الزواري ليهدي هذا "النفس" إلى رفيقين غادرا الميدان: عازف الكمنجة أمين بوديدح والفنان أحمد داوود. صمتت القاعة لثوان، لكنه كان صمتا مأهولا بالذكرى، صمتا تحول بحد ذاته إلى إيقاع خفي أضفى على الأمسية مسحة من الوفاء الصوفي.
هارمونيا الإيقاع: من الصحراء إلى ضفاف الغانج
مع تقدم العرض، اكتمل المشهد بانضمام كوكبة من المبدعين، حيث رسم عازفا الإيقاع حمدي الجموسي وأكشاي أنانثا بادمانابها نبضا كونيا، تداخلت فيه النقرات العربية بالتعقيدات الإيقاعية الهندية (التالا)، لتخلق حالة من الاندماج "الهيبنوتي" المغناطيسي الذي أخذ الجمهور إلى أقاصي التأمل. على أجنحة الموسيقى حلق الجمهور بعيدا نحو نهر الغانج في الهند الذي يعد شريانا حيوياً مقدسا (ويمتد لأكثر من 2500 كم من جبال الهملايا إلى خليج البنغال.
أما غيتار هادي الفاهم فقد كان بمثابة الخيط الحريري الذي يربط هذه العوالم ببعضها، مانحا اللوحة أبعادا حديثة وألوانا هارمونية دافئة. وتجلى هذا التناغم في مقطوعة "سراب" (Mirage)، حيث تراقصت النوتات كأطياف في فضاء صحراوي فسيح، تتأرجح بين الواقع والخيال، قبل أن تنفجر الطاقة الموسيقية في مقطوعة "هندي تالا"، التي قُدمت كعرض أول، معلنة ميلاد لغة موسيقية جديدة لا تعترف بالحدود والمسافات .
Kaman Sangam هو المصطلح السنسكريتي الذي يجسد معنى "الاتحاد" أو "الملتقى المقدس" . لقد تبلورت هذه الاحتفالية كجسر حقيقي بين الحضارات. فخصوصية هذا العرض تكمن في قدرته على تحويل الآلات الموسيقية إلى "سفراء فوق العادة"، حيث لم تكن الأوتار تعزف ألحانا فحسب، بل كانت تعيد صياغة مفهوم الدبلوماسية الثقافية بأسلوب ناعم ومؤثر.
ومع انطفاء أنوار القاعة، ظل صدى هذا "السانغام" يتردد في النفوس، مؤكدا أن الموسيقى تظل رغم اختلاف المشارب، هي الملاذ الأخير الذي تلتقي فيه أرواح البشر بعيدا عن صخب الجغرافيا وضيق الحدود.