مأدبة إفطار للنواب في أحد نزل العاصمة، خرج رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة بتوضيحات حاول من خلالها وضع النقاط على الحروف بخصوص الاتهامات التي راجت حول تمويل الإفطار من أموال الشعب قبل أن يتم إلغاؤه لاحقا إثر وفاة أحد النائب صالح المباركي، غير أن هذه التوضيحات لم تكن معزولة عن سياق سياسي أوسع داخل البرلمان، إذ كشفت في الوقت ذاته عن مؤشرات توتر وغياب الانسجام بين رئاسة المجلس وعدد من النواب الذين صعدوا انتقاداتهم خلال الأيام الأخيرة.
وأكد إبراهيم بودربالة في تصريحاته أن مأدبة الإفطار التي كان من المزمع تنظيمها تزامنا مع انعقاد جلسة عامة لمناقشة مقترح قانون، كانت ستقام على النفقة الخاصة للنواب وليس على حساب أموال الشعب كما تم تداوله. وأوضح أن فكرة الإفطار الجماعي جاءت بالنظر إلى قدوم عدد من النواب من مختلف ولايات الجمهورية للمشاركة في الجلسة، ما دفع إلى التفكير في تنظيم لقاء يجمعهم بعد انتهاء أشغال المجلس. كما شدد على أن اختيار مكان الإفطار تم بعد التشاور بين النواب أنفسهم، وأن لهم كامل الحق في تحديد المكان الذي يرونه مناسبا طالما أن التكاليف ستكون من جيوبهم الخاصة.
بودربالة يرد
بدأت موجة الجدل بعد دعوة تنظيم مأدبة إفطار جماعي يوم الثلاثاء 10 مارس الجاري لفائدة نواب مجلس الشعب في أحد النزل، جدل كشف عن وجود أصوات معارضة داخل المجلس، حيث عبر بعض النواب صراحة عن رفضهم المشاركة في الإفطار، معتبرين أن تنظيم مثل هذه المبادرات قد يفهم على أنه نوع من البذخ غير الملائم للظرف الذي تعيشه البلاد. وقد تحولت هذه الانتقادات إلى مادة للنقاش العام بعد انتشار تدوينات وتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، ما وضع رئاسة البرلمان في موقع الدفاع عن نفسها وعن المؤسسة التشريعية ولم يخف بودربالة في تصريحه لديوان أف أم استياءه مما وصفه بـ"التدوينات العشوائية" التي تستهدف المجلس وبعض أعضائه، معتبرا أن مثل هذه المواقف قد تضر بصورة المؤسسة التشريعية أمام الرأي العام. كما أشار إلى أن بعض النواب يحاولون، وفق تعبيره، "التنكيل بزملائهم" من خلال تضخيم بعض القضايا وتقديمها بشكل لا يعكس الحقيقة.
على نفقة النواب
كما أوضح أن المصاريف التي يتكفل بها مجلس نواب الشعب محددة في إطار الأنشطة الرسمية التي تقام داخل المجلس، في حين أن الأنشطة التي تتم خارجه لا تتحمل المؤسسة التشريعية نفقاتها، باستثناء تكاليف التنقل المرتبطة بالزيارات الميدانية. وأضاف إبراهيم بودربالة أن المجلس يتحمل أيضا المصاريف المتعلقة بالدبلوماسية البرلمانية، مثل إيفاد وفود تمثل البرلمان في الاجتماعات الإقليمية والدولية أو في إطار مجموعات الصداقة البرلمانية، بينما تبقى الأنشطة الأخرى خارج هذا الإطار على نفقة النواب. وأشار إلى أن القرارات داخل البرلمان تُتخذ وفق الآليات الديمقراطية المعتمدة، سواء في مكتب المجلس أو في اللجان أو خلال الجلسات العامة، مؤكدا أنه منفتح على مختلف الآراء والمواقف داخل المؤسسة التشريعية.
انتقادات للتدوينات على مواقع التواصل
واعتبر رئيس البرلمان، أنه "نظرا لان المجلس قام بصلاحياته حسب اجتهاده وحسب ما يمليه عليه ضميره وفق المصلحة العليا للوطن، هناك العديد من الأطراف ترى خلاف ذلك وتريد التنكيل بالمجلس وبالنواب" قائلا "ونحن نترفع الإجابة عن هؤلاء". وشدد على أنه "حان الوقت بالنسبة لأصحاب "التدوينات العشوائية" ليراجعوا مواقفهم، لأن في ذلك مضرة للشعب التونسي وخاصة بعض النواب الذين يريدون التنكيل بزملائهم والثابت أن الأغلبية الساحقة من النواب واعون بدورهم ومتشبثون بالمبادئ التي من أجلها أدوا القسم للقيام بوظائفهم وفق ما يرضيه ضميرهم ووفق المصلحة العليا للوطن،"وفق تأكيده. ليعلن بودربالة لاحقا عن أنه تم في النهاية العدول عن تنظيم مأدبة الإفطار بعد وفاة النائب صالح مباركي، احتراما للظرف الحزين.
انتقادات ورفض
وكان النائب بلال المشري من أبرز الرافضين للمبادرة، حيث نشر تدوينة على موقع فيسبوك أعلن فيها رفضه الدعوة، مشيرا إلى أن الإفطار الجماعي في نزل فاخر يطرح تساؤلات أخلاقية وسياسية، خاصة إذا كان على حساب المال العام. وسرعان ما انتشرت هذه التدوينة على نطاق واسع، ما أثار موجة انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي السياق ذاته، أعلنت كتلة "لينتصر الشعب" رفضها حضور المأدبة، معتبرة أن الدعوة تمثل حلقة إضافية في ما وصفته بـ"استعراضات لا تخدم جدية العمل البرلماني". ودعت الكتلة رئاسة المجلس إلى التركيز على الملفات الاجتماعية والاقتصادية العاجلة بدل الانخراط في أنشطة قد تُفهم على أنها شكل من أشكال الترف أو الهدر.
"محاولات سحب الثقة باءت بالفشل"
ولم يتوقف رئيس البرلمان عند الجدل المرتبط بمأدبة الإفطار، بل تطرق أيضا إلى ما قال إنها محاولات محدودة لسحب الثقة منه وباءت بالفشل، مؤكدا أن هذه المساعي يقودها عدد قليل جدا من النواب لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. واعتبر أن هذه المحاولات لم تجد صدى لدى بقية أعضاء المجلس، مشددا على أن الأغلبية الساحقة من النواب راضية عن أداء المجلس وعن طريقة تسييره. واعتبر أن هذه التحركات ناتجة عن "أفكار استثنائية لا يقبلها العقل"، مؤكدا أن أصحابها لم يجدوا دعما كافيا من بقية النواب. واعتبر أن بعض النواب نظرا لأنهم ربما "جرحى انتخابات" أو أن موقفهم لا يحظى بتأييد الأغلبية، لذلك تصدر منهم ردود فعل عاطفية شاذة لا يمكن الاعتماد عليها أو الاعتداد بها على حد تعبيره.