المرأة ومكاسبها في تونس وتعززت بصدور بالقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017، لا تزال أرقام العنف المسجلة ضد المرأة تسجل قفزات مقلقة في المجتمع التونسي . فبين نصوص قانونية تحمي، وواقع ميداني يعكس تصاعداً في حالات القتل والهرسلة الاقتصادية، تبرز الحاجة إلى قراءة أعمق للجذور النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة والتي ليست حكرا على المجتمع التونسي بل ان حالات العنف ضد النساء تشهد تصاعدا على المستوى العالمي بحسب آخر الاحصائيات الصادرة عن الأمم المتحدة والتي تبين بأن حوالي 33 بالمئة من النساء في العالم تعرضن لعنف جسدي مرة واحدة على الأقل في حياتهن .
تسلط " المغرب " في هذا التحقيق الضوء على ظاهرة العنف الصامت ضد النساء، مع كشف خارطة الأرقام خلال الأعوام الأخيرة، مع خبراء ومختصين وشهادات حيّة.
"العنف المقنع"... جذور اقتصادية ونفسية
توضح الأخصائية النفسية والاجتماعية أماني الصغير لـ" المغرب " أن صدور القانون عدد 58 لسنة 2017 لم يمنع تسجيل ارتفاع مطرد في القضايا، حيث شهد عام 2023 وحده أكثر من 20 ألف قضية عنف. وأشارت إلى طفرة في الإشعارات لدى المؤسسات المعنية، إذ قفزت من 500 إشعار في عام 2024 لتناهز الألف في عام 2025، بمعدل شهري يصل إلى 250 حالة، غالبيتها ناتجة عن الوسط العائلي ومن الشريك تحديداً.
شددت أماني الصغير على خطورة "العنف المسكوت عنه"، وخاصة العنف الاقتصادي الذي وصفته بـ "العنف المقنع" وبداية الانحدار نحو أنواع العنف الأخرى. يتجلى هذا النوع في حرمان المرأة من راتبها أو إجبارها على تحمل أعباء العائلة منفردة، مما يخلق حالة من الهرسلة والضغط النفسي تتطور غالباً إلى عنف جسدي.
وفي قراءتها لخريطة توزيع العنف بناءً على الدراسات الميدانية، أكدت الصغير أن العنف النفسي يستأثر بالنسب الأكبر بواقع 44.4بالمئة، يليه العنف اللفظي بنسبة 26.7 بالمئة، في حين يمثل العنف الجنسي 15.6بالمئة من الحالات المسجلة، يتبعه العنف الاقتصادي بنسبة 11.4بالمئة، وصولاً إلى العنف الجسدي الذي سجل نسبة 5.3 بالمئة، وهو ما يعكس هيمنة الأشكال غير المادية من العنف التي تسبق غالباً الاعتداءات الجسدية.
جرائم القتل والمخاطر الجسيمة
أعربت الصغير عن قلقها البالغ من وصول العنف إلى "الحدة القصوى"، متمثلة في جرائم القتل التي بلغت 27 حالة في عام 2023، و22 حالة في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 (بين جانفي وسبتمبر). وأكدت أن العنف الجسدي والجنسي يظل الأخطر لما يتركه من آثار عميقة تستوجب مرافقة نفسية مختصة ومطولة، مشيرة إلى أن علاج الضحية دون معالجة "جذور الإشكال" في محيطها العائلي سيؤدي حتماً إلى عودة المشكلة.
المعوقات
أرجعت الأخصائية استمرار الظاهرة إلى الموروث الثقافي الذي يكرّس سلطة الرجل، والوصمة الاجتماعية التي تمنع التبليغ. كما أشارت الى بطء التدخل الأمني والقضائي الذي يضعف فاعلية القانون عدد 58، داعية إلى ضرورة تغيير العقلية المجتمعية من خلال المدرسة ووسائل الإعلام، وتكريس ثقافة المساواة والحوار السليم منذ الطفولة. وشددت على الدور الذي تقوم به منظمة صحفيون من أجل حقوق الانسان في تونس في اعداد مشاريع كاملة تضم ثلة من الخبراء والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين لتدارس أسباب ظاهرة العنف ضد النساء والحلول لها .
في شهادتها لـ" المغرب " تلخص سامية ر. (ثلاثينية تعمل كمعينة منزلية) مأساة "الاستلاب العائلي"، حيث تجد نفسها مدفوعة لتغطية كافة مصاريف عائلتها بما في ذلك أخاها الشاب العاطل عن العمل، مما يضع على كاهلها عبئاً نفسياً وبدنياً مضاعفاً يتجاوز طاقتها البشرية.
أما صفية م. فهي تجسد العنف الاقتصادي كسبب مباشر لـ "تفكك الرابط الزوجي"، إذ تروي لـ" المغرب " كيف دفعها رفض زوجها التشارك في الأعباء المالية إلى الانفصال، بعد أن وصلت إلى مرحلة متقدمة من الإجهاد النفسي والبدني. فهذه النماذج هي تأكيد على أن العنف ليس جسدياً دائماً، بل إن الحرمان المادي والتنصل من المسؤولية داخل الأسرة هو سلاح "ناعم" يؤدي إلى تدمير الصحة النفسية للمرأة واستنزاف حياتها في صمت.
تراجع مؤسساتي
تقدم الأستاذة والناشطة الحقوقية في مجال المرأة سوسن الجعدي قراءتها في هذا الحوار لـ" المغرب " للواقع النفسي والميداني للعنف ضد النساء في تونس . وذلك عبر تفكيك هذه الظاهرة ليس كأفعال معزولة، بل كمنظومة هيكلية تتداخل فيها الثقافة بالسياسة والاقتصاد. ومن واقع ممارستها الميدانية كناشطة حقوقية تقدم الجعدي تشخيصاً دقيقاً لما تسميه "دائرة العنف المفرغة".
تلفت محدثتنا الانتباه إلى إحصائيات مفزعة تعكس حجم الكارثة، حيث تشير الدراسات إلى أن 47 بالمئة من النساء التونسيات تعرضن للعنف الأسري مرة واحدة على الأقل في حياتهن. وتؤكد الناشطة والحقوقية أن هذا العنف، سواء صدر عن الشريك أو الأهل أو حتى الأولاد، يظل مغيباً خلف جدران الصمت.
وقالت محدثتنا ان هذه الأرقام تدق الإنذار حيال ظاهرة "تقتيل النساء"، مشيرة إلى أن عام 2025 وحده سجل بين جانفي وسبتمبر 22 حالة قتل على يد الشريك أو أحد أفراد العائلة، وهي النتيجة النهائية لحلقات عنف طويلة فشلت مؤسسات الدولة في كسرها.
سلطة "الوصم" وهشاشة الاقتصاد
اما فيما يتعلق بأسباب استمرار العنف وتصاعده تعتبر محدثتنا أن التطبيع الثقافي هو المحرك الأول، حيث يمنح المجتمع الرجل سلطة تبرر العنف، مما يدفع النساء للصمت خوفاً من "الوصمة الاجتماعية". وتضيف أن هذا الصمت يتغذى على الهشاشة الاقتصادية، حيث تجد المرأة (التي تبلغ نسبة البطالة في صفوفها 23%) نفسها مجبرة على البقاء مع معنّفها لغياب البديل المادي.
وتؤكد محدثتنا أن أغلب الناجيات يصلن إلى مرحلة العلاج النفسي في حالة تدهور حاد، وكثيرات منهن لا يستوعبن في البداية أنهن ضحايا "عنف اقتصادي" أو "استلاب"، مما يعكس غياب المعلومة وضعف التوجيه.
وتنتقد محدثتنا الفجوة بين "النصوص" و"الواقع" ، فبالرغم من أن القانون 58 يمثل مكسباً ثورياً، إلا أن تطبيقه يصطدم بنقص الموارد المالية والبشرية. وترى أن "إفلات الجناة من العقاب" وبطء التدخل الأمني والقضائي يكرسان العنف، حيث لا تجد الضحية ضمانات حماية حقيقية بعد التبليغ، مما يحول القوانين إلى مجرد "حبر على ورق".
وتربط سوسن الجعدي بين تدهور وضع النساء وبين المشهد السياسي الحالي، معتبرة أن التراجع عن مبدأ "التناصف" في القانون الانتخابي يمثل ضربة موجعة لحقوق المرأة وتغييباً متعمداً لصوتها في مراكز القرار. وتؤكد أن غياب التمثيلية السياسية القوية للنساء يحول دون وضع استراتيجيات وطنية حقيقية لمواجهة العنف وتوفير الميزانيات لمراكز الإيواء التي تعاني نقصاً فادحاً.
الحلول المقترحة: من الأسرة إلى الدولة
تخلص محدثتنا في رؤيتها إلى ضرورة اعتماد "مقاربة شاملة" للخروج من هذه الحلقة: وذلك من خلال ثورة تربوية أي البدء من النواة الأولى وهي العائلة لغرس قيم المساواة والحوار، وتفكيك الأدوار النمطية التي تنتج جيلًا عنيفًا.
وإصلاح مؤسساتي من خلال توفير الموارد الكافية لتكوين المتدخلين وزيادة عدد الأخصائيين النفسيين في المندوبيات الجهوية للتربية لمواجهة العنف المدرسي الذي يطال 28 بالمئة من التلاميذ جلهم من الفتيات .
وشددت على أهمية دور المجتمع المدني وضرورة استعادة الجمعيات النسوية لدورها الريادي في التوعية والإيواء، بعيداً عن التضييقات الحالية.
وقالت ان الردع والشفافية هو من الأهمية بمكان ويتمثل ذلك من خلال تفعيل دور المرصد الوطني لمناهضة العنف في رصد الظاهرة بشفافية، وتطبيق القانون بصرامة ليكون رادعاً حقيقياً.
وقالت محدثتنا أن معركة مناهضة العنف ضد النساء هي معركة "وعي" في المقام الأول، تبدأ من طريقة تربية الأطفال وتنتهي بإرادة سياسية حقيقية تضع كرامة النساء فوق كل اعتبار.