Print this page

الكاتب والمحلل السياسي صلاح عبد العاطي لـ''المغرب'' ''المواجهة الحالية ليست مجرد صراع بل إعادة تشكيل للمشهد الاستراتيجي الإقليمي والدولي''

قال الكاتب والمحلل السياسي صلاح عبد العاطي لـ"المغرب''

أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد مجرد عدوان على إيران أو جولة ردع عابرة وإنما لحظة تأسيسية فارقة في تاريخ الإقليم تختبر فيه القوانين الدولية ومعنى السيادة، وحدود القوة، وقدرة النظام الدولي والإقليمي على ضبط ومنع الصراعات الكبرى.
وتابع أن ''التطورات المتسارعة – من العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، مرورًا بالردود الصاروخية الإيرانية، وتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب حول استمرار العمليات ''حتى تحقيق جميع الأهداف'' والتي وصلت إلى إسقاط النظام،وفي المقابل، تصريحات إيرانية للرد علي العدوان، ساهمت في اتساع الصراع عبر الانخراط لبعض دول أوروبا إلى جوار الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وتدخل حلفاء إيران. وما بين المعارضة الداخلية داخل إيران وخارجها، ورود فعل الدول العربية لانتهاك سيادتها جراء ضرب إيران للقواعد الأمريكية في بعض الدول العربية، وردود الفعل الدولية المتعددة ، ما يكشف أننا أمام صراع متعدد الطبقات، يتجاوز منطق "الرد على الرد"، ويتجه نحو اختبار شامل لإرادة الأطراف وقدرتها على مواصلة الحرب والصمود، وإدارة الاستنزاف، وقياس التكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية لكل خطوة'' وفق تعبيره.
وأضاف عبد العاطي ''كما يكشف المشهد عن تحولات جيوسياسية محتملة، تشمل إعادة توزيع موازين القوى والتحالفات في الشرق الأوسط، عدا عن اختبار قدرة النظام الإيراني على الصمود أمام محاولات التغيير القسري الأمريكية والإسرائيلية.باختصار، المواجهة الحالية ليست مجرد صراع ثنائي أو ثلاثي، بل لحظة تاريخية لإعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي الإقليمي والدولي، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية والدينية، ويصبح لكل تحرك أثر مباشر على إيران، إسرائيل، الولايات المتحدة، ودول المنطقة بأكملها والنظام الدولي''.
إعادة هندسة الإقليم
وتابع المحلل السياسي صلاح عبد العاطي أنه ''لا يمكن قراءة التصعيد بمعزل عن أهداف أوسع تتجاوز تحجيم البرنامج النووي أو الصاروخي الإيراني. الإستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية تتجه نحو إعادة تشكيل النظام الإقليمي والشرق الأوسط برمته، عبر تثبيت التفوق الإسرائيلي طويل الأمد ومنع أي قوة إقليمية من الاقتراب من "العتبة النووية" وإعادة تعريف مفهوم الأمن في المنطقة بحيث يصبح أمن إسرائيل أولوية فوق اعتبارات الأمن القومي العربي والإقليمي. والسيطرة على منابع الطاقة والممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز والبحر الأحمر، بما يضمن التحكم بتدفقات الطاقة.بالإضافة إلى قطع الطريق على التمدد الصيني والروسي، خصوصا في سياق مشروع ''الحزام والطريق''، ومنع إيران من التحول إلى عقدة جيوسياسية لصالح بكين وموسكو''.
وتابع '' أيضا فرض واقع إقليمي يتيح لإسرائيل توسيع نفوذها السياسي والجغرافي، في ظل حديث متجدد داخل الدوائر الإسرائيلية والأمريكية عن تصورات توسعية احتلالية لإقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. بهذا المعنى، نحن أمام صراع على شكل الشرق الأوسط المقبل، لا مجرد مواجهة على منشآت نووية أو مخازن للصواريخ أو حتى إيران فقط'' وفق قوله .
وأكد محدثنا أن الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي لم يكن عملية تكتيكية معزولة، بل جاء ضمن تصور استراتيجي أوسع يسعى إلى تفكيك عناصر القوة الإيرانية تدريجيا من القيادة العليا، البنية الصاروخية، الهامش النووي، وشبكات النفوذ الإقليمي'' وأضاف أنّ ''إسرائيل وأمريكا اعتمدت نمط ''لضربة الوقائية الموسعة''، القائمة على استهداف مراكز القرار واغتيال العقول المدبرة، انطلاقًا من عقيدة أمنية ترى أن انتظار اكتمال التهديد خطأ وجودي''.
وعن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي قال محدثنا أنه ''شكّل نقلة نوعية، إذ لم يعد الأمر يتعلق بمنشأة نووية أو مستودعات صواريخ، بل بقمة الهرم الرمزي والسياسي للنظام، بهدف إسقاطه، كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل من جهتها لم تكتف ياستهداف المنشآت العسكرية الإيرانية بل وسعت من إطار أهداف الحرب ليصبح الهدف إسقاط النظام، عدا الأهداف الأعمق التي علي ما يبدو تتجاوز إضعاف إيران عسكريًا؛ وانما إعادة صياغة الإقليم او بالحد الادني منع أي فاعل إقليمي من الاقتراب من عتبة ردعية تهدد التفوق الإسرائيلي طويل الأمد.لكن فرضية أن “قطع الرأس” يؤدي إلى انهيار الجسد تبقى محل اختبار. فالتجربة الإيرانية منذ 1979 أظهرت بنية مؤسساتية مركبة تتداخل فيها المؤسسة الدينية مع الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، بما يمنح النظام قدرة على إعادة إنتاج القيادة حتى في أوقات الصدمة''.
وتابع ''ومع ذلك، فالضربة الافتتاحية لم تحقق أهدافها بالكامل في شلل القدرات القيادية وقدرة الرد ، إذ تمكنت إيران من امتصاص الصدمة وإدارة رد مدروس وفعال استهدف دولة الاحتلال الإسرائيلي وبشكل واسع وكثيف، عدا عن استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة والبوارج الحربية. إضافة إلى قدرات ردع على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة. يعكس هذا التحول قدرة الدولة على إدارة الصراع ضمن منطق المقاومة ضد الهيمنة الاستعمارية الإمبريالية، وتحويل العدوان إلى أداة رفع كلفة على الطرف المعتدي''.

المشاركة في هذا المقال