التصعيد العسكري المرتبط بإيران لا تقتصر على حدود الجغرافيا السياسية المباشرة، بل تمتد لتشكل موجة ارتدادية واسعة قد تعيد رسم ملامح الفقر والتنمية في العالم. ففي ظل اقتصاد عالمي مترابط، تصبح الأزمات الإقليمية الكبرى قادرة على إحداث اضطرابات عميقة في سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والغذاء، وهو ما يضع الدول النامية في مواجهة تحديات مركبة تفوق قدراتها على الاستيعاب.
حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير حديث له ، من انزلاق أكثر من 32 مليون شخص حول العالم إلى براثن الفقر، جرّاء التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب على إيران، وما تبعته من آثار على الشرق الأوسط، متوقعا أن تكون الدول النامية أكثر تضررا.
وتشير التوقعات الجديدة التي أصدرها البرنامج قبل يومين ،إلى أن التصعيد العسكري المستمر في الشرق الأوسط، يعرّض عشرات الملايين من الناس في 162 دولة لخطر التعرض إلى آثارها.وسلط التحليل الجديد الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الضوء على سيناريوهات مقلقة، حيث قد ينزلق أكثر من 32 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر إذا استمر التصعيد لفترة طويلة.ووفق مراقبين فإنّ هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الأزمة، بل تكشف عن هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة والغذاء.
وتتجلى خطورة الوضع في أنّ التأثيرات لا تقتصر على الدول المنخرطة مباشرة في النزاع، بل تمتدّ بشكل غير متكافئ إلى مناطق بعيدة جغرافيا لكنها ضعيفة اقتصاديا. فدول إفريقيا جنوب الصحراء، وبعض دول آسيا، والدول الجزرية الصغيرة، تجد نفسها في موقع المتلقي للصدمة دون امتلاك أدوات كافية للتعامل معها. ارتفاع أسعار النفط، وتكاليف الشحن، والتأمين، ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والأسمدة، ما يهدد الأمن الغذائي لملايين البشر.
ووفق نفس التقرير فإن اضطراب الملاحة في الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، يضيف طبقة جديدة من التعقيد، حيث يؤدي إلى تضخم تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي على حد سواء. فالمواد الأساسية مثل اليوريا والأمونيا والكبريت، التي تعد ركائز في قطاع الزراعة، تتأثر بشدة بأي خلل في سلاسل التوريد، ما يفاقم من أزمة الغذاء العالمية.
وفي هذا السياق، تجد الحكومات نفسها أمام معادلة صعبة: هل توجه مواردها المحدودة لدعم الأسعار وتخفيف الضغط عن المواطنين، أم تحافظ على الإنفاق على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم؟
وقال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة ألكسندر دي كرو، إن "الصراع يمكن أن يدمر في غضون أسابيع ما بنته الدول على مدى سنوات".ويُظهر هذا التقرير أن "صدمة تصاعد الصراع في الشرق الأوسط لا تقتصر على الدول المتضررة بشكل مباشر، بل تقع بشكل غير متناسب على الدول الأقل قدرة على استيعاب ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء".
وأضاف دي كرو أن الأزمة ستجبر الدول الأقل قدرة على "خيارات مستحيلة" تفاضل بين تثبيت الأسعار أو تمويل الصحة والتعليم والوظائف، معتبراً أن "اتخاذ إجراءات سياسية مبكرة أمر بالغ الأهمية".
خيارات صعبة
هذه الخيارات، التي تبدو مستحيلة في بعض الأحيان، تعكس عمق الأزمة وتداعياتها طويلة الأمد على مسارات التنمية.ويرى خبراء أن الاستجابة المبكرة قد تكون العامل الحاسم في الحد من تفاقم الأزمة. من بين الحلول المطروحة، تبرز التحويلات النقدية المؤقتة والموجهة كأداة فعالة لدعم الفئات الأكثر هشاشة، إلى جانب تقديم دعم محدود ومحدد لاستهلاك الطاقة الأساسية مثل الكهرباء وغاز الطهي. إلا أن هذه الإجراءات تتطلب تمويلا كبيرا وتنسيقا دوليا لضمان فعاليتها واستدامتها.
في المقابل، يحذر التقرير من الاعتماد على الدعم الشامل للطاقة، الذي أثبت في العديد من الحالات أنه غير عادل وغير مستدام، إذ تستفيد منه الفئات الأكثر ثراءً بشكل أكبر من الفئات المحتاجة، مما يفاقم الاختلالات الاجتماعية والمالية.وبينما يظل مسار الأزمة مفتوحاً على عدة احتمالات، فإن المؤكد هو أن العالم يواجه اختباراً جديداً لقدرة أنظمته الاقتصادية والسياسية على التعامل مع الصدمات المركبة. فإما أن يتم تبني سياسات استباقية قائمة على العدالة والكفاءة، أو أن تتسع فجوة الفقر وعدم المساواة، لتشكل تحدياً أكبر في السنوات المقبلة.في النهاية، لا تعكس هذه الأزمة مجرد صراع إقليمي، بل تكشف عن واقع عالمي هش، حيث يمكن لشرارة واحدة أن تشعل سلسلة من التداعيات تمتد آثارها إلى أبعد مما يمكن توقعه.