Print this page

ذاكرة الحضارات تحت وطأة التعديل السياسي أزمة بسبب اسم فلسطين في المتحف البريطاني

كانت فلسطين وستبقى الاسم الذي يوقظ التاريخ

لذلك اندلع الجدل حول حذف اسم "فلسطين" في بعض معروضات المتحف البريطاني ليعود الحديث مرة أخرى عن العلاقة المعقدة بين المعرفة والسلطة وبين العلوم والسياسة وبين المتحف بوصفه مؤسسة علمية والمتحف بوصفه مؤثرا ومتأثرا ثقافيا داخل عالم شديد الاستقطاب. تتجاوز المسألة مجرد مصطلحات تاريخية لتطرح السؤال الجوهري: من يقرر أي ذاكرة تستحق البقاء في الفضاء العام؟

تعكس هذه الإجراءات تراجعا عن موقف المتحف السابق الذي دافع بقوة عن استخدام اسم فلسطين، استنادا إلى أن المصطلح راسخ في الدراسات الغربية والشرق أوسطية للإشارة إلى المنطقة التاريخية الأوسع.
بين الأمانة التاريخية وإملاءات السياسة
برر المتحف البريطاني تعديلات بعض اللوحات باستخدام مصطلحات مثل "كنعان" عند الحديث عن فترات الألفية الثانية قبل الميلاد، معتبراً أن ذلك أكثر دقة علمياً في سياق تاريخي محدد. كما أكد أنه لم "يلغِ" اسم فلسطين، وأنه لا يزال مستخدماً في قاعات أخرى تاريخية ومعاصرة. ..
لكن هذا القرار التقني وفقا لتفسير المتحف لم يخل من خلفية سياسية، فاسم فلسطين لم يعد مجرد توصيف جغرافي في الوعي العالمي، بل رمز لهوية ونزاع وحقوق متنازع عليها.
وقد ربطت التقارير الإعلامية هذه التعديلات برسالة من منظمة "محامون بريطانيون من أجل إسرائيل" التي اعتبرت استخدام اسم فلسطين بأثر رجعي "تشويهاً للتاريخ".
وحتى مع نفي المتحف أن القرار جاء استجابة مباشرة للضغط، فإن مجرد تزامن الحدثين يكشف هشاشة الحدود بين المعرفة الأكاديمية وموازين القوى السياسية. فالمتاحف الكبرى ليست كيانات معزولة، إنها جزء من شبكات تمويل ونفوذ وضغط اجتماعي وإعلامي.
من يملك حق تسمية التاريخ؟
ما حدث في المتحف البريطاني يوضح أنه لا توجد معرفة بريئة تماما. فحتى الخرائط التي تبدو موضوعية تحمل رؤى وأولويات وسلطات. والقضية ليست في استخدام اسم "كنعان" أو "فلسطين"، بل في إدراك أن التسمية نفسها فعل قوة. وأن المعركة على الكلمات هي جزء من المعركة على الذاكرة، وبالتالي على المستقبل. إنّ اسم فلسطين اليوم ليس مجرد طبقة زمنية من الماضي البعيد بل إنه مطالبة بالحاضر والمستقبل. لذلك فإن النقاش حوله لا يمكن فصله عن الصراع الجاري في المنطقة، مهما حاولت المؤسسات الأكاديمية تقديمه كمسألة تقنية بحتة.
وقد أثار قرار إزالة المتحف البريطاني اسم "فلسطين" من خرائط ولوحات تعريفية ضمن معروضاته الخاصة بتاريخ الشرق الأوسط جدلا واحتقانا أدى إلى نشر عريضة وقعها ما يقارب 7000 شخص ويطالبون فيها بإلغاء القرار وعودة اسم فلسطين للمعروضات ويتهمون المتحف البريطاني بالمساهمة في طمس التاريخ الفلسطيني.

المشاركة في هذا المقال