Print this page

الضرائب والاقتصاد الموازي في تونس معادلة الموارد والعدالة

يقف ملف الضرائب في تونس اليوم، عند مفترق طريق

بين حاجات ملحة لمالية الدولة ورغبات متزايدة لدى المواطنين وأصحاب المشاريع في تخفيف الأعباء. فقد أصبح النظام الجبائي والذي يُعدّ منذ عقود المصدر الرئيسي لميزانية الدولة، يثيرجدلاواسع المطاف و موضوع نقاش عام بين من يعتبره ضرورة حتمية لتمويل الخدمات الأساسية، وبين من يراه عامل ضغط ثقيل يقف وراء توسّع دائرة الاقتصاد الموازي والتهرّب الضريبي.

فهل يمكن لنظام جبائي قوي أن يوفّر الإيرادات دون أن يدفع الناس إلى الظل الاقتصادي؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة الضريبية في مجتمع يعاني تباطؤًا اقتصاديًا وتراجعًا في فرص العمل؟ هذه الأسئلة تختزل الصراع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيش فيه التونسيون، ويستحق قراءة أعمق في ضوء الأرقام والمعطيات المتاحة.
عبء ضرائبي مرتفع مقارنة بالإقليم
تُظهر الإحصاءات الرسمية أن تونس تتمتع بنسبة جباية إلى الناتج المحلي الإجمالي تقارب 34% في عام 2023، وهو من أعلى المعدلات في إفريقيا، بينما يبلغ متوسط النسبة في 38 دولة إفريقية نحو 16% فقط، ما يجعل الضغط الجبائي يتضاعف بأكثر من ضعفين مقارنة بالمنطقة. كما تُشير بيانات أخرى إلى أن الموظفين في تونس يواجهون ضغطًا جبائيًا يصل إلى حوالي 36% من الأجور والرواتب من ضرائب واقتطاعات، الأمر الذي يشعر به كثيرون كعبء ثقيل يثقل دخلهم دون تحسين ملموس في جودة الخدمات العامة.
هذا العبء يعكس اعتماد الدولة الكبير على الموارد الضريبية، إذ تُمثل الضرائب نحو 90.4% من تمويل الخزينة العامة بفعل تراجع الإيرادات غير الضريبية من قطاعات مثل الفوسفات والطاقة. ومع ذلك، لا ينعكس ارتفاع نسب الجباية دائمًا على قدرات الدولة في تقديم خدمات تلبي طموحات المواطنين، ما يؤدي إلى شعور بعدم عدالة توزيع الأعباء.
وطن. يغرد خارج السرب

الاقتصاد الموازي ظاهرة متضخمة تمتصّ الموارد

في مقابل هذا الضغط، يبرز الاقتصاد الموازي كظاهرة اقتصادية هامة في تونس. تشير تقديرات عديدة إلى أن حجم الاقتصاد غير المهيكل أو الموازي يتراوح بين 30% و40% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يضعف القاعدة الضريبية ويخلق فجوة كبيرة في الموارد المحتملة للدولة. وفق بعض التقديرات، يُعادل هذا الحجم المادي أكثر من 22،5 مليار دولار من الناتج الوطني إذا ما تم دمجه في الاقتصاد الرسمي، وقد يتسبب في خسائر جبائية سنوية تُقدّر بمليارات الدنانير.
وعلى الرغم من أن الأنشطة غير الرسمية توفر فرص عمل لكثير من التونسيين، إلا أنها تضرّ بالاقتصاد الرسمي من ناحيتين: الأولى أنها تحرم الدولة من تحصيل ضرائب كان من الممكن أن تُستخدم لتمويل الخدمات الأساسية، والثانية أنها تؤدي إلى منافسة غير عادلة مع المقاولات الملتزمة بالقانون.
فعليًا تتسع ظاهرة التهرّب الضريبي أيضًا، التي تشير تقديرات حديثة إلى أن تونس تفقد ما يقارب 5.2 مليار دينار من العائدات الضريبية غير المستخلصة بسبب التهرب وضعف المراقبة ز هو ما يساوي تقريبًا 1،8 مليار دولار سنويًا. هذه الخسارة المتراكمة تشكّل ضغطًا إضافيًا على الميزانية العامة، وتزيد من الاعتماد على الاقتراض لسدّ الفجوة المالية، ما يرفع من مستوى الدين العام ويحدّ من قدرة الدولة على الاستثمار في القطاعات الحيوية.

تُظهر هذه الأرقام أن الفجوة بين ما يمكن تحصيله وبين ما يُستخلص فعليًا من الضرائب ليست مجرد نقص في التحصيل، بل تعكس ضعفًا في النظام الجبائي نفسه، من حيث القوانين، والإجراءات الإدارية، وقدرة الإدارة الضريبية على مراقبة الامتثال.
تأثيرات على النمو والاستثمار
تكمن المشكلة الكبرى في أن هذه المعادلة ليست فقط مالية، بل لها عواقب اقتصادية طويلة الأجل. فبينما تبدو الإيرادات الضريبية مرتفعة على الورق، إلا أن النمو الاقتصادي في تونس ظل محدودًا في السنوات الأخيرة، بمعدلات لا تتجاوز 2–3% في أحسن الحالات، وهو ما لا يكفي لامتصاص الكلفة الضريبية العالية أو تحسين أوضاع سوق العمل بشكل ملموس. هذا النمو المتواضع يترافق مع ارتفاع نسبة البطالة وتراجع ثقة المستثمرين، ما يقلّص من فرص جذب استثمارات جديدة أو توسيع قاعدة الشركات العاملة في الاقتصاد الرسمي.
وطن. يغرد خارج السرب
كما أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهي محرك أساسي للنمو والتشغيل، تواجه صعوبات في تحمّل الأعباء الضريبية والإدارية، ما يدفع العديد منها إلى البقاء في الظل أو الخروج منه مقابل تنازلات في الأجور أو الجودة.
ولا يقل العامل الاجتماعي أهمية عن العنصر الاقتصادي. فحين يشعر المواطن بأن الضرائب التي يدفعها لا تُترجم إلى خدمات فعّالة في الصحة، والتعليم أو النقل، يبدأ في الشك في عدالة النظام الضريبي نفسه. ومع ارتفاع التوتر بين ما يُطلب من دافعي الضرائب وما يُقدَّم لهم في المقابل، يتراجع الامتثال الطوعي، ما يوسّع دائرة التهرب ويقلّص من التزام الفاعلين بالتسجيل والدفع.
هذا التراجع في الامتثال لا يقلل فقط من الموارد الضريبية، بل يخلق شعورًا عامًا بأن النظام الجبائي غير عادل، ما يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويُضعف ثقافة المواطنة الاقتصادية.
إصلاحات مطلوبة لتحقيق توازن مستدام
في مواجهة هذا التعقيد، يحتاج النظام الجبائي إلى إصلاحات شاملة تتجاوز مجرد زيادة نسب الضرائب. من بين الإجراءات الممكنة تبسيط الإجراءات الإدارية، رقمنة الأجهزة الضريبية لتحسين المراقبة والتحصيل، وإعادة هيكلة سلّم الضريبة على الدخل ليكون أكثر عدالة، إلى جانب توسيع القاعدة الضريبية عبر إدماج الأنشطة غير الرسمية في الاقتصاد الرسمي من خلال حوافز تشجيعية. هذه المقاربات يمكن أن تُحرّر الموارد المحتملة وتخفّض من التوتر الذي يولّده النظام الحالي.
إن معالجة الاقتصاد الموازي والتهرّب الضريبي ليست مهمة بسيطة، لكنها أساسية لتحقيق توازن بين تمويل الدولة وتشجيع النمو. فبدون إصلاحات جذرية، سيظل التوتّر بين عبء الضرائب وتراجع الامتثال قائمًا، ولن تُستثمر الإمكانيات الحقيقية للاقتصاد التونسي كقوة منتجة وشريعية في آن واحد.
يواجه اليوم النظام الجبائي في تونس اختبارًا مزدوجًا بين الحاجة الملحّة إلى الموارد من جهة، والرغبة في تجنب أعباء ثقيلة تُضعف النمو وتثير التهرّب من جهة أخرى. الأرقام الحالية ترسم صورة واضحة عن حجم المعركة: نسب جبائية أعلى من المتوسط الإقليمي، اقتصاد موازي يشكّل نحو ثلث الناتج الوطني أو أكثر، ومليارات الدينارات تضيع سنويًا بسبب التهرب. لكن هذه الصورة ليست محض أرقام، بل تمثل دعوة لإعادة التفكير في السياسات الضريبية كأداة لبناء الثقة ولتعزيز العدالة والمواطنة.
إذا نجحت تونس في إدخال إصلاحات توازن بين الضرائب والامتثال، فإن ذلك لن يساعد فقط في تعبئة موارد إضافية، بل سيُعيد أيضًا بناء ثقافة اقتصادية سليمة تقرّ العدالة وتُعزّز النمو. وسيكون هذا التحوّل خطوة مهمة نحو اقتصاد أكثر تنافسية وعدالة واستدامة في السنوات القادمة.

 

المشاركة في هذا المقال