Print this page

بعد مرور شهرين على الهدنة الهشة استمرار التصعيد الاسرائيلي...هل انهار جوهر وقف إطلاق النار في غزة؟

يكشف التقرير الصادر عن المكتب الإعلامي الحكومي

في غزة صورة قاتمة لواقع اتفاق وقف إطلاق النار، مقدما معطيات رقمية تفصيلية تعكس فجوة واسعة بين النصوص الموقّعة على الورق والوقائع الميدانية على الأرض. فوفق الأرقام الواردة، لم يكن الاتفاق إطارا صامدا بقدر ما بدا هدنة هشة تتآكل تدريجيا تحت وطأة خروقات إسرائيلية متكررة وعدم التزام أمريكي تمس جوهر الترتيبات الأمنية والإنسانية التي نصّ عليها البروتوكول الملحق به وتزيد من عزلة غزة التي تعاني تبعات ثقيلة خلفتها حرب الإبادة الإسرائيلية.
خروقات إسرائيلية متصاعدة
يرصد التقرير 1620 خرقا للاتفاق خلال الفترة المشمولة، توزعت بين 560 إطلاق نار ، و79 عملية توغل آليات صهيونية داخل أحياء ومناطق سكنية، و749 حادثة قصف واستهداف، إضافة إلى 232 عملية نسف لمنازل ومبان. هذه الأرقام لا تعكس فقط كثافة العمليات، بل تشير إلى نمط سلوكي صهيوني ميداني يضع المناطق السكنية في قلب الاشتباك، بعيدا عن الخطوط المفترضة للفصل. وقد أسفرت هذه الخروقات، بحسب التقرير، عن 573 شهيدا، 99 في المئة منهم مدنيون، بينهم 292 من الأطفال والنساء والمسنين. أما عدد الجرحى فبلغ 1553 مصابا، أكثر من 99 في المئة منهم مدنيون أيضا. هذه المعطيات تعزّز الاتهامات بأن قواعد الاشتباك المتفق عليها لم تُحترم، وأن الحماية المفترضة للمدنيين بقيت حبرا على ورق.
الاعتقالات وتوسّع نطاق السيطرة
لا تقف الخروقات عند حدود العمليات العسكرية، إذ يشير التقرير إلى اعتقال قوات الاحتلال 50 شخصا منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، جميعهم جرى توقيفهم من داخل مناطق سكنية وبعيد عن "الخط الأصفر". هذا البعد يفتح تساؤلات حول طبيعة الالتزام ببنود الانسحاب وإعادة الانتشار، خصوصا في ظل اتهامات بتجاوز الحدود المتفق عليها وقضم مساحات إضافية داخل القطاع.
المساعدات بين الالتزام الجزئي والحاجة المتفاقمة
على الصعيد الإنساني، يبرز ملف إدخال المساعدات بوصفه أحد أهم مؤشرات الالتزام العملي بالبروتوكول الإنساني. فقد بلغ إجمالي الشاحنات التي سُمح بدخولها 31178 شاحنة من أصل 72000 شاحنة مفترضة، بنسبة التزام تقارب 43 في المائة. وشملت هذه الشاحنات 17945 شاحنة مساعدات، و12402 شاحنة تجارية، و861 شاحنة وقود، في حين كان يفترض إدخال 6000 شاحنة وقود، ما يعني التزاما لا يتجاوز 14 في المئة في هذا البند الحساس.
المعدل اليومي لدخول الشاحنات بلغ نحو 260 شاحنة، مقابل 600 شاحنة كان يفترض دخولها يوميا، بينها 50 شاحنة وقود. هذا الفارق العددي لا يعبّر فقط عن نقص لوجستي، بل يترجم عمليا إلى فجوات في إمدادات الغذاء والدواء والطاقة، ويؤثر مباشرة في قدرة المرافق الحيوية على الاستمرار.
ويشير التقرير أيضا إلى عدم إدخال المواد اللازمة لصيانة البنية التحتية، وعدم السماح بدخول معدات ثقيلة للدفاع المدني لإزالة الأنقاض وانتشال الجثامين، فضلا عن نقص المعدات والمستلزمات الطبية والأدوية. كما يلفت إلى تشغيل جزئي لمعبر رفح، وعدم تشغيل محطة توليد الكهرباء، وعدم إدخال الخيام والبيوت المتنقلة ومواد الإيواء وفق ما نصّ عليه الاتفاق.
هذه المؤشرات تعني أن الجانب الإنساني، الذي يُفترض أن يشكّل ركيزة أساسية لأي وقف إطلاق نار مستدام، بقي رهينة اعتبارات سياسية وأمنية صهيوأمريكية ما أبطأ مسار التعافي وأبقى السكان في دائرة الهشاشة.

اتفاق تحت الاختبار

في المحصلة ووفق مراقبين ، تعكس الأرقام الواردة في التقرير صورة لاتفاق يواجه اختبارا جديا في قدرته على الصمود. فحين تتقاطع الخروقات الأمنية مع قصور في الالتزامات الإنسانية، يصبح وقف إطلاق النار أقرب إلى إدارة منخفضة الوتيرة للصراع، لا إلى مرحلة انتقالية نحو استقرار فعلي.
وبينما تتباين الروايات السياسية حول المسؤولية، تبقى المعطيات الميدانية مؤشرا على أن أي مسار تهدئة مستدام يتطلب آليات رقابة أكثر فاعلية تجاه الجاتب الاسرائيلي ، وضمانات تنفيذية واضحة، وإرادة سياسية تتجاوز الحسابات التكتيكية، نحو تثبيت حماية المدنيين وإعادة الاعتبار للبروتوكولات الإنسانية بوصفها التزاما قانونيا وأخلاقيا لا يقبل الانتقاص من قبل الطرف الاسرائيلي الذي يستمد جبروته وتعنته من الدعم الأمريكي المستمر له دون شروط.
اللجنة الوطنية لإدارة غزة
في الاثناء دعت اللجنة الوطنية لإدارة غزة امس الاول السبت إلى منحها الصلاحيات الإدارية والمدنية الكاملة بالإضافة إلى المهام الشرطية، لكي تتمكن من أداء مهامها في القطاع المحاصر "بكفاءة واستقلالية". وأكدت اللجنة الوطنية أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تمثل خطوة تصب في مصلحة المواطن.
وقالت اللجنة في بيان إن هذا يمهد لتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية. وذكرت أن "إعلان الاستعداد لانتقال منظم؛ محطة مفصلية لبدء ممارسة مهامها بصفتها إدارة انتقالية للقطاع، وفرصة حقيقية لوقف التدهور الإنساني والحفاظ على صمود المواطنين الذين عانوا آلاماً جسيمة طوال الفترة الماضية".
وأصدرت القطاعات الحكومية المختلفة في غزة سلسلة بيانات في أوقات سابقة تؤكد الاستعداد لنقل الصلاحيات الحكومية إلى اللجنة، لكن طريق اللجنة تعترضه الكثير من العقبات، أبرزها التفاسير المختلفة لتوجهاتها، والموقف الإسرائيلي المتجاهل للجنة.
وقال بيان اللجنة: "تتمثل أولويتنا حالياً بضمان تدفق المساعدات دون عوائق، وإطلاق عملية الإعمار، وتهيئة الظروف اللازمة لتعزيز وحدة شعبنا، ويجب أن يقوم هذا المسار على تفاهمات واضحة ومحددة تتسم بالشفافية وقابلية التنفيذ والمتابعة، وبما ينسجم مع خطة النقاط العشرين وقرار مجلس الأمن رقم 2803".
وشددت على أنه "لا يمكن للجنة الوطنية لإدارة غزة أن تتحمل مسؤولياتها على نحو فعال ما لم تُمنح الصلاحيات الإدارية والمدنية الكاملة اللازمة لأداء مهامها بالإضافة إلى المهام الشرطية، والمسؤولية تقتضي تمكيناً حقيقياً يتيح لها العمل بكفاءة واستقلالية، فمن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام دعم دولي جاد لجهود الإعمار، ويهيئ لانسحاب إسرائيلي كامل، ويسهم في استعادة الحياة اليومية بصورة طبيعية".
التهجير القسري
على صعيد متصل اعربت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رافينا شامداساني، عن مخاوف من أن توسيع إسرائيل نطاق سيطرتها في الضفة الغربية من شأنه تسهيل التهجير القسري للفلسطينيين منها .
وقالت شامداساني، وفق الأناضول، إن قرار إسرائيل توسيع أنشطة الرقابة والسيطرة في مناطق تخضع إداريا للسلطة الفلسطينية "يثير مخاوف جدية".
وبررت تلك المخاوف بأن القرار "يخلق ظروفًا تُسهّل التهجير القسري غير المباشر من خلال تراكم الضغوط على السكان، بدلًا من اللجوء إلى إجراءات طرد رسمية".
وأعربت عن القلق من الخطوات الإسرائيلية لأنها "تعزز واقعًا يفضي إلى ضمّ غير قانوني للأراضي الفلسطينية، في انتهاك واضح للقانون الدولي".

وفي 8 فيفري الجاري، أقر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية "الكابينت" قرارات تستهدف إحداث تغييرات في الواقع القانوني والمدني بالضفة الغربية المحتلة، بهدف تعزيز السيطرة الإسرائيلية عليها.
ومن هذه القرارات توسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ الإسرائيلية لتشمل مناطق مصنفة "أ" و "ب"، بذريعة وجود مخالفات تتعلق بالبناء غير المرخص، وقضايا المياه، والإضرار بالمواقع الأثرية والبيئية.
ويتيح هذا الإجراء الأخير لإسرائيل تنفيذ عمليات هدم ومصادرة بحق ممتلكات فلسطينية حتى في مناطق تخضع إداريا وأمنيا للسلطة الفلسطينية وفق الاناضول.
وبموجب اتفاقية "أوسلو 2" 1995، تخضع المنطقة "أ" للسيطرة الفلسطينية الكاملة، والمنطقة "ب" للسيطرة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، فيما تقع المنطقة "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتقدر بنحو 60 بالمئة من مساحة الضفة.
وأوضحت شامداساني أن الضفة الغربية تشهد بالفعل "بيئة ضاغطة" على الفلسطينيين، تفاقمت بشكل ملحوظ منذ 7 أكتوبر 2023 (بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة)، مشيرة إلى أن الاتجاه نحو تضييق الحيّز المتاح للفلسطينيين كان قائمًا حتى قبل ذلك التاريخ.

وأضافت أن هذه الخطوات غير مقبولة، لأنها تكثف توسيع السيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما يخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدة أن مكتب حقوق الإنسان الأممي ينظر بقلق إلى "ترسيخ واقع الضمّ على الأرض".
وبيّنت المتحدثة أن المكتب وثّق مقتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، منذ 7 أكتوبر 2023.
وأشارت إلى أن العدد الموثق حتى الآن يبلغ 1052 فلسطينيًا قُتلوا على يد القوات الإسرائيلية أو مستوطنين تصفهم الأمم المتحدة بأنهم "غير قانونيين".
قيود متزايدة
المسؤولة الأممية لفتت إلى رصد أنماط متعددة من العنف، بينها الاعتداء بالضرب، واحتجاز فلسطينيين تعسفيًا "في ظروف غير إنسانية".
وتحدثت عن قيود متزايدة على حرية الحركة، تعيق وصول الفلسطينيين إلى الغذاء والأراضي الزراعية وأماكن العمل والمدارس والخدمات الصحية، مؤكدة أن هذه القيود تزايدت خلال الأشهر الأخيرة.
وشددت شامداساني على أن الخطوات المتخذة تعزز ضمّ الضفة الغربية بشكل غير قانوني، وهو أمر يشكل "انتهاكا واضحا" للقانون الدولي.
وفي معرض تقييمها للوضع بشكل عام، قالت المتحدثة إن الأمم المتحدة تلاحظ منذ عقود "انتهاكات منهجية" لحقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية.
تصاعد التمييز
وأشارت شامداساني إلى أن المكتب وثّق أشكالًا مستمرة من التمييز قد ترقى، إلى "تمييز عنصري"، بل وحتى إلى نظام فصل عنصري (أبارتهايد).
وأضافت أن القيود المفروضة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية للفلسطينيين، إلى جانب تصاعد أعمال العنف، تستدعي تدخلًا عاجلًا لوقف هذا النهج.
وطالبت شامداساني المجتمع الدولي بإيلاء مزيد من الاهتمام لما يجري في الضفة الغربية، والعمل على ضمان احترام إسرائيل لالتزاماتها بموجب القانون الدولي، وعدم المضي قدمًا في خطوات من شأنها ترسيخ واقع الضم.
مجزرة قي مخيم جباليا
يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي مسلسل خروقاته المستمرة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط استمرار المعاناة الإنسانية بفعل الإبادة الجماعية على مدار ثلاثة أعوام. وقامت قوات الاحتلال الإسرائيلي ليل السبت - الأحد بعمليات نسف واسعة في مدينة خانيونس جنوبي القطاع، تزامناً مع إطلاق نار باتجاه المناطق الشرقية لمدينة غزة.
يأتي ذلك بينما دعت اللجنة الوطنية لإدارة غزة، السبت، إلى منحها الصلاحيات الإدارية والمدنية الكاملة بالإضافة إلى المهام الشرطية، لكي تتمكن من أداء مهامها في القطاع المحاصر "بكفاءة واستقلالية". وأكدت اللجنة الوطنية أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تمثل خطوة تصب في مصلحة المواطن وفق "العربي الجديد".
في موازاة ذلك، أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، السبت، أن روما ستنضم مستقبلاً بصفة "مراقب" ذي وضع خاص إلى مبادرة "مجلس السلام" التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ولا يشارك في عضوية "مجلس السلام" الذي أطلقه الرئيس الأميركي رسمياً الشهر الماضي، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، من داخل الاتحاد الأوروبي سوى بلغاريا والمجر، إذ ترى دول أوروبية عدة أن "مجلس السلام" يمثل منافساً للأمم المتحدة، ولذلك امتنعت عن حضور مراسم تأسيسه.
وسبق أن لمّح ترامب إلى أن "مجلس السلام" قد يكون بديلاً لمنظمة الأمم المتحدة، إذ رد بـ"من الممكن" على سؤال وُجه إليه بهذا الخصوص، مضيفاً أن "الأمم المتحدة لم تكن مفيدة، ولم تحقق ما كان ينبغي عليها فعله"، معتبراً أنه كان ينبغي على المنظمة الأممية "إنهاء الحروب التي أنهيتها بنفسي".
إلى ذلك، حذر مستشفى "شهداء الأقصى" في دير البلح وسط قطاع غزة، الجمعة، من توقف خدماته بسبب تعطل المولدين الكهربائيين الرئيسيين ونفاد الزيوت وقطع الغيار. وقال المستشفى، في بيان، إن المولد الرئيسي الثاني توقف عن العمل بعد تعطل المولد الأول قبل ثلاثة أشهر، في ظل عدم توفر الزيوت وقطع الغيار لإصلاحهما وتشغيلهما بصورة آمنة ومستدامة.
وأوضح أن المستشفى يعمل حالياً بشكل اضطراري على مولدين صغيرين فقط، في ظروف تشغيلية وصفها بـ"الهشة"، لا تضمن استقرار الخدمة الطبية أو استمرارها، ما يهدد حياة مئات المرضى والجرحى من مخاطر جسيمة، خصوصاً في أقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال وغرف العمليات.

 

المشاركة في هذا المقال