Print this page

صالون الفنون التشكيلية يتساءل عن" الملكية الفكرية في الفنون البصرية": بين الإبداع الإنساني وحدود الامتلاك في زمن التحولات

أمام تداخل الحدود بين الإنسان والآلة حتى في أكثر

المجالات إبداعا وموهبة وحسا فنيا، لم يعد الفن التشكيلي فضاء للتعبير الجمالي أو التجريب البصري فحسب بل أصبح أيضا مجالا تتقاطع فيه أسئلة الهوية والقيمة والاقتصاد والتكنولوجيا. ومن هذا المنطلق يعود سؤال الملكية الفكرية ليطرح نفسه بإلحاح داخل مجال الفنون البصرية. فمن يملك العمل الفني؟ أهو من أبدعه، أم من اقتناه، أم من أعاد إنتاجه رقميا؟

في هذا السياق، جاء اللقاء الفكري ضمن الصالون الوطني للفنون التشكيلية الذي احتضنه المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر بـمدينة الثقافة الشاذلي القليبي تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، ليطرح موضوع "الملكية الفكرية في الفنون البصرية" كقضية إنسانية وقانونية تمسّ جوهر العلاقة بين الفنان وأثره.

الحماية القانونية تبدأ من لحظة الخلق
في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الاستنساخ والتداول السريع للصور، فإنّ مفهوم الملكية الفكرية لا يمكن اختزاله في القوانين والتشريعات، رغم أهميتها. فاللوحة أو المنحوتة تحمل جزءا من التجربة الوجودية لصاحبها، من وقته وقلقه ورؤيته للعالم. ومن هنا يصبح «حق التتبع» أكثر من آلية مالية تضمن نسبة للفنان عند إعادة بيع عمله، إنه اعتراف بأنّ العلاقة بين المبدع وإبداعه لا تنقطع بخروجه إلى السوق.

وقد ساهمت مداخلات ممثلي المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة في توضيح أن الحماية القانونية تبدأ منذ لحظة الخلق، وأن التحدي الأكبر يبقى في وعي الفنانين أنفسهم بحقوقهم، لأن كثيرا من المبدعين ينشغلون بالفعل الإبداعي ويهملون الإطار القانوني، رغم أن الاثنين أصبحا متلازمين في عالم الفن المعاصر.

التشريع الوطني وحماية الملكية الفكرية
في اللقاء الفكري حول "الملكية الفكرية في الفنون البصرية" ، تشكّلت المداخلات كفسيفساء معرفية جمعت بين القانون والإبداع، وبين التراث والتحوّلات الرقمية، حيث قدّم كل متدخل زاوية نظر تُضيء جانبا من علاقة الفن بالحقّ والمعنى والملكية.

وقد استهلّت مديرة المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر أحلام بوصندل هذا اللقاء بتأكيد أنّ حماية الملكية الفكرية في الفنون امتداد مباشر لكرامة الفنان واعتراف المجتمع بقيمة الإبداع. فالمصنّف الفني يحمل بصمة شخصية لا يمكن فصلها عن صاحب العمل، ممّا يجعل حمايته مسألة هوية بقدر ما هي مسألة قانون.

وقد تحدّث الكاتب العام للمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة محمد السالمي عن الاتفاقيات الدولية حيث تناولت مداخلته الأسس الدولية التي تقوم عليها حماية حقوق المؤلف، مبرزا كيف أرست الاتفاقيات الكبرى منظومة تضمن للفنان حقوقه منذ لحظة الإبداع، دون حاجة إلى إجراءات شكلية. وركّز على مبدأ المساواة بين الفنانين عبر الحدود، حيث يصبح الإبداع لغة كونية يحميها القانون الدولي كما تحميها الثقافة.

وعن "التشريع الوطني وحق التتبع" تطرق المدير بالمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة مهدي النجار إلى البنية القانونية الوطنية، موضحا تعددية مجالات الملكية الفكرية بين حق المؤلف والحقوق المجاورة والملكية الصناعية. كما أبرز خصوصية الحقوق الأدبية المرتبطة بشخص الفنان، مقابل الحقوق المادية المرتبطة باستغلال العمل، مؤكدا أن الحماية القانونية تبدأ مع ولادة الفكرة في شكلها التعبيري.

وفي سياق مداخلتها حول "الانخراط وإيداع المصنفات بالمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة"" قدّمت نادية حجاج عكاري، رئيسة مصلحة بهذه المؤسسة رؤية عملية لمسار حماية الأعمال من خلال آليات الانخراط والتصريح والإيداع، باعتبارها أدوات تنظيمية تعزّز إثبات الحقوق وتُيسّر إدارة المصنفات. وبيّنت أن هذه الإجراءات لا تُنشئ الحق بقدر ما تدعمه وتمنحه قوة إثبات في الواقع المهني والقانوني.

الفنون البصرية وتحديات الذكاء الاصطناعي

تحت عنوان "الفنون البصرية والذكاء الاصطناعي: التحديات الأخلاقية والقانونية" جاءت مداخلة محمد العمائري المدير بالمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة. وقد فتحت هذه المداخلة أفقا فلسفيا وقانونيا معاصرا، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي شريكا محتملا في العملية الإبداعية. وطرحت أسئلة عميقة حول حدود التأليف والملكية والمسؤولية، في عالم لم يعد فيه الإنتاج الفني حكرا على اليد البشرية وحدها، بل نتيجة تفاعل مع الخوارزميات والبيانات.
وفي نهاية المطاف، يبقى التساؤل مشروعا: هل يمكن للآلة أن تملك تجربة جمالية؟ أم أن الإبداع الحقيقي مرتبط بالوعي والذاكرة والشعور عند الإنسان وحده؟ وبين القانون والتكنولوجيا والسوق، يبقى العنصر الثابت هو الإنسان نفسه الذي يحوّل التجربة إلى صورة، والألم إلى جمال، واللحظة العابرة إلى لوحة خالدة.
مؤطر:
"نساء سجنان"... فنانات الطبيعة حاضرات في الصالون
في الصالون الوطني للفنون التشكيلية التقى الفنانون من مختلف والتجارب والمسارات.. كما كان لفنانات الطبيعة والموهوبات بالفطرة حضور في هذا الصالون من خلال تنظيم يوم تحسيسي للتعريف بتجربة الخزف الحرفي في سجنان. وبفضل أنامل نساء سجنان سجلت تونس أول عنصر للتراث غير المادي سنة 2018 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
والفنّ عند نساء سجنان ليس تعلّما بقدر ما هو وراثة لإحساس عميق يعرفن من خلاله متى يلين الطين ومتى يحتاج إلى صبر ومتى تكتمل روحه داخل النار. هنّ نساء الريف اللاتي حوّلن البساطة إلى هوية، واليومي إلى جمال عالمي. إنهنّ شاهدات على أن الإبداع قد يولد في قرية هادئة، بعيدا عن صخب المدن... فقد حين تؤمن امرأة بأنّ الطين يمكن أن يصبح حياة.

المشاركة في هذا المقال