Print this page

"جريمة ثقافية" في حق مراكز الفنون الدرامية والركحية: من الإنتاج إلى الإعدام الفنّي

أيّ معنى لمبان تبقى قائمة وللافتات تظل معلّقة ولمكاتب

تفتح أبوابها كل صباح، لكن دون إنتاج! فأن تحرم مراكز الفنون الدرامية والركحية من الإنتاج فمعناه أن تعيش بلا حياة. إنها ليست مجرد مؤسسات إدارية بل مختبرات حيّة للتجريب وللمغامرة وللرؤية المغايرة... ومن دون إنتاج، تتحوّل هذه المراكز إلى شبه قاعات انتظار، لكن لا أحد يعرف ماذا ينتظر فيها... أو منها !

إنّ تجريد مراكز الفنون الدرامية والركحية من مهمة الإنتاج لا يعني إعادة تنظيمها بل تركها جوفاء وفارغة من المعنى كهيكل بلا روح. ويبدو أنّ وزارة الشؤون الثقافية وفق مصادر "المغرب" قد تتورط في ارتكاب خطأ تاريخي بنزع صلاحية الإنتاج عن مراكز الفنون الدرامية والركحية وتحويلها إلى مؤسسات خالية من الإنتاج والترويج تنضوي تحت لواء المندوبيات الجهوية للشؤون الثقافية والتي تغرق بدورها في مشاكل مالية وإدارية ولوجستية يطول تعدادها.
تدور الحجج التي تُساق لتبرير هذا القرار غالبا حول سوء التصرّف أو الإخلالات المالية في بعض المراكز. لكن حتى لو سلّمنا بوجود تجاوزات، فإنّ منطق الدولة الرشيدة يقتضي المحاسبة الفردية لا العقاب الجماعي لقطاع بأكمله، يدفع ثمنه الفنانون والمدراء النزهاء والمراكز التي اشتغلت بجدّ والجمهور الذي لا ذنب له. فلا بد أن يُحاسَب من أخطأ وتُصلَح الآليات ويُطوَّر الإطار القانوني لا أن يُلغى دور مراكز الفنون الدرامية والركحية بسبب خلل ما هنا أو هناك.
ومن المفارقات أنّ جزءا من الأزمة ناتج عن غياب رؤية تنظيمية واضحة. فقد يُعيَّن مدير من أهل المسرح، مبدع في مجاله، لكنه يجد نفسه مطالبا بأن يتحوّل إلى خبير في المحاسبة والصفقات العمومية والتصرف الإداري دون تكوين مختص أو توفر جهاز إداري متكامل الموارد البشرية.

ما يهدّد اليوم مراكز الدرامية والركحية في الجهات ليس مجرّد التعديل في الصلاحيات بل المساس العميق بفلسفة كاملة قامت عليها التجربة المسرحية التونسية خارج المركز. ولقد أثبتت التجربة أن أروع اللحظات المسرحية في تونس وأكثرها خلودا في الذاكرة والوجدان لم تولد كلّها في العاصمة، إنمّا أنتجت في مراكز الفنون الدرامية والركحية في الجهات التي اشتغلت لسنوات ولعقود في صمت، بعيدا عن الأضواء، وبإمكانيات محدودة ولكن بإرادة فنية صلبة على غرار مراكز الكاف وقفصة وصفاقس ومدنين... وحتى في بعض المراكز الأخرى حديثة التأسيس بعد قرار تعميمها في كل الولايات سنة 2018 بقرار من وزير الثقافة السابق محمد زين العابدين.

منذ تأسيس النواة الأولى في التسعينيات، مثّلت مراكز الفنون الدرامية والركحية في الجهات أول باب يُفتح أمام المبدع الحالم والحامل لمشروع أو فكرة عرض أو قضية يجسدها على الركح. هناك، بعيدا عن المركز، كان المسرح أقرب إلى الناس وأكثر اجتهادا وإصرارا على البقاء فوُلدت أسماء ومسارات وتجارب شكلت جزءا من الذاكرة الحيّة للمسرح التونسي.

إنّ إضعاف مراكز الفنون الدرامية والركحية لن تكون نتائجه إدارية فحسب، بل اجتماعية وثقافية عميقة تهدّد التوازن الثقافي في تونس بالرغم من رفع شعارات ثقافة القرب واللامركزية الثقافية والعدالة الاجتماعية. فحين ينحسر الإنتاج في الجهات، يتحوّل الحلم المسرحي إلى امتياز جغرافي لا يملكه إلا من هو قريب من المركز، وتتحوّل بقية الولايات من فضاءات إنتاج إلى فضاءات استهلاك طبعا إن بقي فيها ما يُستهلك. هذا الفراغ الثقافي سيقود إلى تصحر فكري وجمالي، وإلى فقر فني ونقدي من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه أمام ظواهر الانحراف والجريمة والإرهاب...

أليس "إعدام" مراكز الفنون الدرامية والركحية "جريمة ثقافية" قد تُنفَّذ بمذكرة داخلية أو بقرار يبدو محايدا لكن أثره القريب والبعيد سيكون له مفعول الزلزال البطيء الذي يهدم دون أن يثير الغبار. فهل من حلّ إنقاذ قبل فوات الآوان!

المشاركة في هذا المقال