Print this page

امتد لأكثر من عقد دون حسم أو نتائج ملموسة: ملفّ الأملاك المصادرة بين مسار متعثر ودعوة رئيس الجمهورية لغلقه نهائيا

تعد الأملاك المصادرة من أبرز الملفات التي أفرزتها

مرحلة ما بعد سنة 2011، ملف آثار جدلا متواصلا وما يزال يراوح مكانه دون نتائج ملموسة تعكس حجم القرارات الصادرة أو مستوى التطلعات، ليعود إلى صدارة الاهتمام الرسمي بعد أكثر من عقد على انطلاقه، في ظل انتقادات حادة وجهها رئيس الجمهورية قيس سعيد لطريقة التعاطي مع هذا الملف منذ سنة 2011، مؤكدا ضرورة غلقه نهائيا بعد إعادة التدقيق الشامل في كل ما شابه من خروقات وتجاوزات، ومراجعة عديد صفقات التفويت التي أُبرمت خلال السنوات الماضية.
وفق معطيات قدمها وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية وجدي الهذيلي خلال جلسة عامة مشتركة بين مجلسي نواب الشعب والجهات والأقاليم بتاريخ 13 نوفمبر 2025 فقد شملت قرارات المصادرة 2857 ملفًا تضمّ منقولات وعقارات وأرصدة بنكية. وكل هذه القرارات والأملاك يقع إحالتها إلى اللجنة الوطنية للتصرف في الأموال والممتلكات المصادرة بوزارة المالية وذلك بمقتضى المرسوم عدد 68 لسنة 2011، وحاليا يتم إعداد مشروع قانون تحت إشراف رئاسة الحكومة بالتنسيق مع كل من الهياكل المعنية يرمي إلى توحيد أعمال هذه اللجان وإيجاد معالجة ناجعة لمنظومة المصادرة والتصرف في الممتلكات المكتسبة بما يضمن الشفافية ويحكم التصرف في هذه الأملاك وبما يخدم المصلحة الوطنية.
تفويت دون احترام القيمة الحقيقية
رغم صدور أكثر من 2800 قرار مصادرة فإنها مازالت لم تُترجم إلى أثر فعلي على أرض الواقع، بسبب تعقّد المنظومة القانونية وتفريع اللجان وتعدّد الهياكل المشرفة على التصرّف في هذه الأملاك، لتتزايد الانتقادات لطول الآجال التي استغرقتها عمليات التصرّف فيها، وما رافقها من تراجع في قيمة عدد من الأملاك المصادرة أو التفويت فيها دون احترام قيمتها الحقيقية، فضلا عن استنزاف موارد مالية عمومية كبيرة خُصّصت لهياكل لم تنجح، إلى اليوم، في إنهاء هذا الملف أو تحقيق أهدافه المعلنة، وهو ما يضع مسار المصادرة برمّته أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الكبير طيّ صفحة ملف امتدّ لأكثر من عقد دون حسم. وفي هذا الإطار، استقبل رئيس الجمهورية أول أمس وزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي ووزير أملاك الدولة والشؤون العقارية وجدي الهذيلي، حيث تمّ التطرّق إلى وضعية الأملاك المصادرة منذ الثورة، وما آلت إليه من إهمال وتراجع في القيمة، بل والتفويت في بعضها دون احترام قيمتها الحقيقية، في ما اعتبره الرئيس تخريبا متعمدا لحقوق الشعب التونسي.
انتقادات حادّة لمنظومة المصادرة
وأكّد رئيس الدولة أنّ الاختيارات التي تمّت منذ سنة 2011 لم تكن بريئة، بل كان الهدف منها الالتفاف على الثورة وعلى حقّ الشّعب في استعادة أمواله التي نُهبت منه فقد تعدّدت المؤسّسات لتضيع في أروقتها حقوق الشّعب المشروعة، فأُحدثت لجنة المصادرة ثمّ أُضيفت إليها لجنة أخرى للتصرّف في الأموال والممتلكات المعنية بالمصادرة أو الاسترجاع، ثمّ كتابة قارة لهذه اللجنة بعد أكثر من سنتين من إحداثها، فضلا عن إحداث دائرة للائتمان والتصفية والتصرّف القضائي ، إلى جانب هياكل أُحدثت وتمّ تقديمها على أنها للمساندة في أعمال التصرّف في الممتلكات المصادرة، على غرار شركة عقارية قمرت أو شركة الكرامة القابضة التي اختير لها هذا الاسم في حين أنّه لا كرامة فيها، وفوّتت في عديد المؤسّسات بأبخس الأثمان، فضلا عن المبالغ الضخمة التي صرفت وما تزال على المكلّفين بالائتمان على هذه الهياكل.
محاسبة عادلة وليست تصفية حسابات
وذكّر رئيس الدّولة بأنه دعا في عديد المناسبات إلى غلق هذا الملفّ مع مراجعة عديد صفقات التفويت سواء في العقارات أو المنقولات ، ولكن تدخّلت عديد الكارتلات مستغلّة هذا النظام القانوني الذي تمّ وضعه وهو نظام ظاهره حقّ وباطنه نقيضه. وشدّد رئيس الجمهوريّة على ضرورة وضع حدّ لهذا الوضع، موضّحا أنّه لا مجال للتفريط في أيّ ملّيم هو من حقّ الشّعب التونسي الذي لن يسقط أبدا بالتقادم أو تحت أيّ عنوان، فالغاية هي المحاسبة العادلة، وليست تصفية حسابات مع أحد، ومن جنح إلى الصّلح صادقًا، فستُفتح أبوابه أمامه، ومن اختار طريقًا أخرى، فليتحمّل تبعات اختياره، فالحقّ بيّن والباطل بيّن ولا منزلة بين المنزلتين.
أكثر من 2800 قرار بلا أثر فعلي
وكان رئيس الجمهورية قد شدد في لقاء آخر جمعه بوزيرة المالية يوم الخميس 20 فيفري 2025، على أنّه رغم صدور أكثر من 2800 قرار مصادرة، فإنّها بقيت دون أثر ملموس على أرض الواقع، معتبرا أنّه من غير الطبيعي أن يبقى الملف في "نقطة البداية" بعد 13 عاما من صدور تقرير لجنة المصادرة، مع تسجيل إخلالات جسيمة وتجاوزات خطيرة، من بينها طول آجال المكاتبات والتلاعب بالأملاك والتفويت فيها دون وجه حق ودون ثمنها الحقيقي. كما شدد على ضرورة إعادة التدقيق الشامل في ملفّ الأملاك المصادرة وغلقه نهائيا، معتبرا أنّه من غير المقبول استمرار لجنة تصفية أملاك التجمّع الدستوري المنحلّ منذ سنة 2011 إلى اليوم، مع ما يرافق ذلك من رصد اعتمادات مالية سنوية ضخمة دون التوصّل إلى نتائج حاسمة. وبين أنه لا مجال للتفريط في أي ملّيم من أموال الشعب التونسي، مؤكدا أنّ هذه الحقوق لا تسقط بالتقادم وأن الغاية هي تحقيق محاسبة عادلة لا تصفية حسابات مع فتح باب الصلح أمام من اختاره بصدق وتحميل المسؤولية كاملة لمن يرفض ذلك.

المشاركة في هذا المقال