Print this page

أستاذ العلوم الجيوسياسية والقانون العام عدنان الإمام لـ" المغرب ": الحالة الفنزويلية هي نقطة تحول عميقة تنسف المنظومة الدولية الراهنة

نظمّت أكاديمية العلوم الجيوسياسية والاستراتيجيات " حانون "

ندوة فكرية حول "فنزويلا المنعرج السياسي" بمشاركة كل من أستاذ العلوم الجيوسياسية د. رافع طبيب ود. عدنان الإمام . وتمّ خلال الندوة بحث أسباب ومآلات العدوان على فنزويلا .

وفي مداخلته طرح د. رافع طبيب جملة من الأسئلة تتعلق بمستقبل الجيش الفنزويلي وعما اذا كان سيحافظ على تماسكه . وأوضح بأن الحروب اليوم تعتمد على السرديات وقصف الوعي الجمعي قبل استعمال القنابل .
في حين أكد أستاذ العلوم الجيوسياسية والقانون العام عدنان الإمام بأن ما شاهده العالم في فنزويلا هو حلقة جديدة من كسر القانون الدولي مبينا أسباب هذا التحول ومآلاته على العالم ككل . وقال ان الحالة الفنزويلية تعتبر نقطة تحول عميقة في العالم لأنها تنسف المنظومة الدولية التي وقع بناؤها بعد الحرب العالمية الثانية . وذكّر بأنه بعد الحرب العالمية الثانية وقع تأسيس منظومة وشبكة من المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ووقع تعزيز القانون الدولي ووضع قواعد لعبة تحكم العلاقات بين الدول. وكل هذه القواعد لم يقع احترامها خلال الحالة الفنزويلية .
وأوضح :" سابقا كانت الدول المعتدية والتي تخرق القانون الدولي تسعى الى إيجاد نوع من الشرعية الدولية الوهمية لتدخلاتها مثلا تدخل الاتحاد السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا وتدخل الولايات المتحدة في العراق وما الى ذلك ". وتابع بالقول :" ما نلاحظه بالنسبة للحالة الفنزويلية هو أنه لم يعد هناك اكتراث بالقواعد الدولية والتي أطرّت العلاقات في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية".
تحول دولي عميق
وفي حديث لـ" المغرب " على هامش الندوة أوضح د. عدنان الامام بأن هناك تحولا عميقا وكبيرا جدا وارهاصاته ظهرت بتغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية منذ أشهر قليلة من وزارة الدفاع الى وزارة الحرب . اما دلالات ذلك فأوضح بالقول :" ان ميثاق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية حذّر من الحرب التي أصبحت ممنوعة في القانون الدولي الا في حالات معينة كالدفاع عن النفس او التفويض من مجلس الأمن . لذلك كل الدول في العالم او معظمها بدلت تسمية وزاراتها الى وزارة الدفاع لان مفهوم الدفاع يتماهى مع القانون الدولي . ولكن تغيير تسمية الوزارة الى وزارة الحرب في الولايات المتحدة هو رسالة مشفرة مفادها ليس أنه لم يعد هناك اكتراث بالقانون الدولي وبالأمم المتحدة". وبيّن محدثنا بأن تداعيات ذلك قد تقود الى حرب عالمية ثالثة .
من عقيدة مونرو الى عقيدة ليبنسراوم
واكد محدثنا انه من خلال الحالة الفنزويلية هناك تحول وعدم اكتراث لقواعد اللعبة .فالتدخل في فنزويلا تمّ دون اعلام منظمة الأمم المتحدة او محاولة شرعنة التدخل دوليا . وأشار الى ان بوش الإبن عندما تدخل في العراق حاول استصدار قرار من مجلس الأمن وعندما فشل بنى تدخله على مبدأ الدفاع عن النفس وتذرع بأسلحة الدمار الشامل. هنا لم يقع حتى مجرد اخطار لمجلس الأمن وهذا نسف كامل وتام للنموذج الذي يسود العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية ".
وقال ان التجربة التاريخية تفيد بأنه عندما يقع نسف القواعد تقع الحروب الكبيرة.
وأوضح :" يجب أن نفهم الأسس المفاهيمية لعملية فنزويلا والمقصود بذلك العقيدة الجيوسياسية الجديدة للولايات المتحدة التي وقع نشرها في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في ديسمبر 2025 وهي وثيقة رسمية صادرة عن الحكومة الأمريكية . فالوثيقة هذه تعتبر المنظمات الدولية عدوة للولايات المتحدة لذلك اتخذ ترامب قرار الانسحاب من 66 منظمة دولية وتبعا لذلك حتى القانون الدولي بات عدوا للولايات المتحدة ".
وتابع محدثنا بأن العقيدة الجيوسياسية ترتب أولويات أمريكا ،أولها سعي واشنطن للسيطرة على الشطر الغربي للكرة الأرضية . اذ تقول هذه الوثيقة بأنه يجب ان تأتمر هذه الدول بأوامر الولايات المتحدة التي يجب أن تهيمن على الشطر الغربي للكرة الأرضية وهو المجال الحيوي لها . ويستوجب ذلك طرد واجلاء كل القوى الأخرى المنافسة والمقصود بصفة رئيسية الصين وروسيا . اذ لا يجب ان يكون لهما وجود أصلا الا مجرد علاقات دبلوماسية واقتصادية روتينية. "وتتعهد الولايات المتحدة بإخراج كل القوى غير الأمريكية من كل الشطر الغربي للكرة الأرضية لكي تستأثر بالموارد وبالعلاقات الاقتصادية وتخضع كل النظم الموجودة في الشطر الغربي الى نوع من الحماية . اذ لم يعد هناك حسب هذا المفهوم دول مكتملة السيادة واذا زعمت دولة أنها مكتملة السيادة سيصبح ذلك بمثابة اعلان حرب على للولايات المتحدة . "
وأوضح الإمام بأنه وقع تسمية العقيدة هذه بمبدأ مونرو الجديد . وهو المبدأ الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في رسالة سلّمها للكونغرس الأمريكي في 2 ديسمبر 1823. نادى مبدأ مونرو بضمان استقلال كلِّ دول نصف الكرة الغربي ضد التدخل الأوروبي بغرض اضطهادهم، أو التّدخّل في تقرير مصيرهم .
وتحولت العقيدة مع الرئيس تيودور روزفلت في بداية القرن العشرين وأخذت صبغة امبريالية أمريكية . وقال الامام بان ملحق ترامب الذي نسبه لمبدأ مونرو هو مغالطة مفاهيمية لأن ترامب ينطلق من عقيدة جيوسياسية متكاملة تتمثل في إعادة انتاج واستنساخ حرفي لعقيدة ليبنسراوم التي صممها العالم الجيوسياسي الألماني كارل هاوسهوفر (1869-1946) والذي كان جنرالًا وجغرافيًا ومنظرًا جيوسياسيًا ألمانيًا ، مؤسس "مدرسة ميونيخ للجيوبوليتيك" التي ربطت الجغرافيا بالتوسع السياسي، معتمدًا على أفكار مثل "المجال الحيوي" (Lebensraum)، وقد أثرّ بشكل غير مباشر على استراتيجيات هتلر التوسعية عبر تلميذه رودولف هيس، بالرغم من إنكاره المباشر لاحقًا، وله دور في تطوير مفاهيم مثل الأقاليم الكبرى والمناطق الشاملة.
وأوضح محدثنا :"بطبيعة الحال النظرية نفسها والأسس والمبررات نفسها وقع اعادة صياغتها وتسميتها بملحق ترامب لمبدأ مونرو وهو في حقيقة الأمر عقيدة ليبنسراوم النازية التي وقع إعادة انتاجها وتكريسها كمرجعية جيوسياسية رسمية للولايات المتحدة الأمريكية ." وأوضح أستاذ القانون العام بأن الحالة الفنزويلية هي اول تطبيق جدي وملموس لهذه العقيدة الجيوسياسة .
مسار خطير
وقال محدثنا :"عندما نعرف الأساس المفاهيمي الذي استندت اليه الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد فنزويلا ،نعرف أولا محواها ونتيجتها ونعرف انه اذا نجحت الولايات المتحدة في الحصول على ماتريد في فنزويلا فستكون مجرد بداية لمسار خطير جدا يهدد كل النظم الموجودة في الشطر الغربي من الكرة الأرضية ويهدد بضم غرنيلاند وكندا والاعتداء المباشر على دول أمريكا اللاتينية ودول الكاريبي وكوبا كولومبيا والمسكسك والقائمة تطول. وكل دول العالم بصفة عامة مهددة مباشرة بناء على هذه العقيدة الجيوسياسية الخطيرة ذات الأصل النازي وبطبيعة الحال تمثل تهديدا حيويا كارثيا للسلم والأمن الدوليين ."
وقال ان الحالة الفنزويلية سيترتب عنها اعتقاد كل النظم في العالم ان لاشيء يمكن ان يحمي سيادتها ومقدراتها سوى السلاح النووي وهذا سيؤدي الى حلقة أخرى من سباق التسلح النووي وتطوير برامج صاروخية وما الى ذلك لان هذا الخيار هو الوحيد أمام الدول لتحمي نفسها .
وقال ان خطف الرئيس مادورو ليس سوى بداية المعركة ولا احد يدرك نتائج هذه الحرب التي ستكون مصيرية للعالم وستكون مصيرية بالنسبة للأحداث المستقبلية وموازين القوى في العالم ، وفق قوله .
العدوان الأمريكي على فنزويلا ينطلق من العقيدة التوسعية الجيوسياسية التي يتبناها ترامب

المشاركة في هذا المقال