خفايا ومرايا: الغيبوبة أو « نافخ البراريد»

بعد غيبة طويلة نسبيا، يظهر علينا من جديد «نافخ البراريد» على مواقع التواصل الاجتماعي، بين جمع غفير من الناس وهم يسبحون ويكبّرون ويُصلّون على الرسول وسط زغردة النسوة

 فما الذي أعاد ذلك الرجل إلى الواجهة بعد الضجة العارمة التي أحدثها بسبب أساليبه العجيبة بالنفخ في البراريد وهي تغلي والتي يدعي من خلالها تطبيب المرضى وشفاءهم، والخبر الذي راج بعد إيقافه من قبل الشرطة أنّ التحقيق كان جراء جملة من التهم كالتحيّل والتدجيل وانتحال صفة، لكن سرعان ما أطلق سراحه ، ثمّ اختفى لمدّة عن الأنظار، وفي ظلّ الوضع الدقيق الذي تمرّ به البلاد، أزمة مالية وسياسة وبيئية وحالة من التجاذب الاجتماعي والسياسي لا أمل في تسويته بأي شكل من الأشكال في الوقت الراهن ومواطنون يكابدون يوميا للحصول على حاجاتهم الأساسية من الغذاء وسياسيون خارج الخدمة وأخرون يحلمون ببناء جمهورية لا مثيل في العالم يعود إلينا «نافخ البراريد» ببخوره وطلاسمه وكأنّ شيئا لم يكن وراءه .

فهل يكون ظهوره في هذا الظرف بالذات محض صدفة ولا علاقة له بالمناخ العام الذي يسود البلاد؟ ام أنّ هناك من يدير اللعبة من وراء الستار و«نافخ البراريد» وأمثاله ليسوا سوى أدوات يؤثّث بها لعبته ليكيّف بها مزاج الرّأي العام ويتحكّم فيه ويدفعه في متاهات بعيدة عن الاهتمام بالواقع وما يدور حوله؟
من المعروف أنّه في زمن الأزمات وحين يعمّ الشعور بالإحباط واليأس أغلب الناس تزدهر ظواهر التحيل والدّجل والشعوذة وطاردي الجن وكتبة «الحروز» والمتطببين و«أصحاب البركات»، وتكرّر هذه الظواهر وتعددها، تترك أثرا في ذهن المواطن وتؤثر في تفكيره وسلوكه في جميع المجالات، والدّليل أنّ الكثير من الذين يسخرون من تلك الظواهر ويدّعون رفضها، يتبعون «نافخي الهواء»، ويصدّقون الخراف السياسي أ لم يصدّق عشرات الآلاف من المواطنين خرافة أنّ تونس تسبح فوق بحار من البترول وكان يكفي أن تصعد مجموعة معينة إلى البرلمان وتمسك بالحكم حتى تتدفق ملايين البراميل من النفط التونسي على الخارج وتصبح عائداتها على خزينة الدولة بمليارات الدولارات ويعمّ النّعيم والرخاء جميع أنحاء البلاد دون شقاء ولا تعب، فكانت النتيجة انقطاع إنتاج البترول لشهور طويلة في الكامور ومغادرة شركات أجنبيّة للتراب التونسي وتضعضع مداخيل الدولة أكثر فأكثر.

المأساة أنّ الإيمان بالمعجزات لا يقتصر على بسطاء القوم الذين يلجؤون إلى أمثال «نافخ البراريد» حين تستعصى عليهم مشكلات صحية أو اجتماعية، بل أنّ العقل السياسي التونسي أثبت في المواعيد المفصلية في تاريخ البلاد بالتسليم للخوارق والمعجزات، لذلك يجد اليوم نفسه في شبه غيبوبة يعجز فيها عن فهم ما يدور حوله، فكيف لأناس عاش الكثير منهم تلك الأجواء الاحتفالية والأهازيج والزغاريد والمزامير التي ملأت ليلة 25 جويلية احتفاء بإسقاط البرلمان يلقون اليوم بأنفسه وعائلاتهم وأطفالهم بين أمواج البحر هربا من النّعيم الذي كانوا يحلمون به،؟ كيف للشباب المهمش والمنسي على مدى الأزمنة والذي قيل أنّ 25 جويلية قام من أجله وستكون المهمّة الأولى إخراجه ممّا هو فيه ليعود للتعبير عن نفسه بنفس أسلوب ما قبل الثورة ؟ كيف ازداد الفقراء فقرا وتدحرجت الطبقة الوسطى إلى الأسفل في حين أنّ الخطاب الذي ساد لسنة ونيف كان يعد بسهولة استعادة الأموال التي استحوذ عليها البعض دون وجه حق وإعادة توزيعها بالعدل والقسطاس بين أفراد الشعب؟

لماذا يقع تسليط الضوء على «الملفات الكبرى» بتلك الهالة الدعائية والإعلاميّة وتركها معلقة دون الحسم فيها، في حين في زوايا جانبية وتحت أضواء خافتة تتعدّد المحاكمات والإيقافات بسرعة في قضايا تظاهر وتدوينات وتوزيع منشورات؟
بالطبع لا توجد أجوبة عن هذه التساؤلات لا من هنا ولا من هناك، لا من جهة المعارضة ولا من جهة من يمسك السلطة، فالمعارضة التي باتت محاصرة بالكامل ومجرّدة من كلّ أسلحتها تقف ذاهلة لا حول لها ولا قوّة وهي تعرف أنّ تحرّكاتها من حين لأخر لا تفي بالحاجة وليست كافية لتعيدها إلى صدارة المشهد، ولذا فهي تتابع ما يجري مع صندوق النقد الدولي وما يصدر عن الخارج من تصريحات وردود فعل وهي تنظر إلى تحرّكات الشبيبة بأعين حالمة.

من جهته يسعى من يمسك بالسلطة إلى عدم إظهار أي علامة إنهاك وتراجع عليه وأنّه مصمّم بالذهاب نحو أهدافه إلى الآخر، في حين أنّه في الواقع، تتجلى بوادر انفلات زمام الأمور من بين يديه أكثر فأكثر، فعدم مراجعته لقانونه الانتخابي كما وعد بذلك في إحدى خطبه بعد أن اعترف بضعفه والثغرات الموجودة فيه والتي تضرب في العمق نظافة وشفافية ومصداقيّة الانتخابات التي يزمع تنظيمها ممّا سيفرز مجلسا أتعس من سابقه، وإن شكّل لا مبالاته نقطة قوّته في التعامل مع مناوئيه فإنّها قد تشكّل نقطة ضعف مع مسانديه الذين بدأ صبرهم ينفذ وسحر خطبه عليهم بدأ يتبدّد، والعبرة في السياسة كما في الحياة بالنتائج سواء أكانت عن طريق النافخين في البراريد أو النافخين على الجمر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115