أشياء فلسفية: ذاك الطفل إبن الإنسانية: ماهي الشفقة ؟

اتّحدت الإنسانية لبرهة من الزمان حول ذلك الطفل المغربي، حتى صار اسمه عنوانا لها، ولتعاطفها معه إشفاقا عليه وانفطارا للقلوب لم تعرف له مثيلا

إلا نادرا جدا. ريان صار ابن الإنسانية، لأنها اجتمعت حول الشعور به ومن أجله ولأنها استنبتت في عميق عمقها ما لا يطاق من عذابِ ما كان يشعر به ويقاسيه في بئره العميقة، ولأنها شعرت باختناقه اختناقا لها، وبعجزه عجزا لها، وبميؤوسية حاله ميؤوسية لحالها.
يقول الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859-1941) محاولا توصيف انفعال الشفقة: «إن جوهر الشفقة هو حاجة إلى الانكسار و»تذليل» النفس، إنها نزوع إلى التداني. ولكن لهذا النزوع المؤلم مع ذلك جاذبيته، لأنه يجعلنا نكبُر في اعتبار أنفسنا، ونشعر بها أرفع من ذلك المتاع الحسي الذي نفارقه بفكرنا وقتيا. إنّ كثافة الشفقة المتزايدة هي تدرج كيفي، فيه انتقال من التقزز والاشمئزاز إلى الخشية، ومن الخشية إلى التعاطف، ومن التعاطف نفسه إلى التواضع والانكسار».

تتعارض في هذا التأمل البرغسوني أطروحتان متباينتان من مسألة عذاب [souffrance] الآخر : خشية العذاب من جهة ولكن كذلك الرغبة في العذاب من جهة ثانية. ولكنهما على تعارضهما تبدوان على اتفاق في البحث عن إيجابيةٍ ما في موقفنا من العذاب : فمن جهة ثمة خشية تتوقى أن يحل بنا ما يحل بهذا الآخر، ومن جهة ثانية رغبة، بل نوع من الاشتهاء الذي يحركه دافع التواضع، مما يرفعنا أمام أنفسنا، ويرفع من تقديرنا لأنفسنا : إنه ضرب من التعاطف الذي تؤديه العبارة الفرنسية ذات الجذر اليوناني : sympathie ، وهي عبارة تعني بحسب مبناها الاشتقاقي : التحمّل معًا، الانفعال معاً

[بالمعنى الحرفي = تحمّل أن يقع علينا معاً - بل فينا معًا – الفعل].

إن تمثل العذاب لا يتخذ هاهنا العذابَ نفسه موضوعا، وإنما فعلَ، وأثرَ، رؤية العذاب فينا. فنحن في الحالين، وفي آن معا، في حال الخشية كما في حال الرغبة، غايةُ محنة العذاب: نحن غاية هذه المحنة، وغاية هذا المشهد المروّع: لأنّنا نريد في كلتا الحالين أن نعود إلى الوضع السّوي، أن نعود من مشهد العذاب سالمين.

ويبدو الموقف الثاني هو الموقفَ الأخصب والأعمق: فثمة في هذه الأطروحة ضرب من الحرص على نقل النفس إلى الآخر، ومن وضع النفس في «جلد الآخر» كما تقول العبارة الفرنسية. إلاّ أن برغسون سرعان ما يكذّب هذا الوهم الذي ينجم عن هوس أن ندفع عن أنفسنا كل تظنن علينا بأننا لدى مشهد العذاب إنما نتواطؤ مع الطبيعة أو مع الجلاد.

إنني، إذا ما جازت العبارة، لا أتعذب عذاب الجسد الآخر، لا أتعذب في جسده. ولا يمكنني أن أفعل. ولا يتجاوز شعوري بالعذاب مجرد التشهير بعذاب الآخر، اتقاء أن أُحمل على التواطؤ عليه.

ثمة نوع من اللاتواصل الجذري في العذاب، تنوب عنه، وعن استحالته، الشفقةُ. ولكن الشفقة لا تُخرج المعذَّب من وحدة عذابه. إننا نتعذب وحدنا وليست الشفقة من هذه الناحية اقتساما للعذاب، ولا تحملا لقسط منه. العذاب ينتمي إلى ظاهرتي الوحدة اللّتين لعله لا يمكننا أن نزيد عليهما : الموت والألم الأقصى.

إن التنازل الذي يحدثنا عنه برغسون ليس إلا ضربا من التحصّن ضد استمرار مشهد من قبيل مالا يطاق، مشهد يقع فسخه بنوع من إخلاء النفس، أو من خلاص ضريبة الشعور بالألم، أو من فك حبس النفس، بافتدائها بشعور التواضع هذا. لذلك فإن المرور الذي يصفه برغسون أمام مشهد العذاب، المرور من الاشمئزاز إلى الخوف، ومن الخوف إلى التعاطف، ومن التعاطف إلى التواضع، هو مرورٌ نازل متنازل، وهو في نفس الوقت حركة من الخارج إلى الداخل. إننا مردودون إلى أنفسنا في كل مرة: في الاشمئزاز انغلاق للنفس، ورغبة في أن لا نرى، وفي الخوف ريبة من أن ذلك قد يحلّ بنا، وفي التعاطف اضطلاع فيه ضرب من التواطئ ضمن معيّة عذاب مخلِّصة للضمير : ليتني أتعذب معك، فأطهّر نفسي من عذاب رؤيتك تتعذّب، من عذاب موقف منتهى الوقوف متفرجا عليه هو الشماتة.. أما في التواضع فثمة نوع من تمثل النفس، من تمثل الأنا نفسي ضمن الهشاشة، نوع من عدم استبعاد الهشاشة : ليست الهشاشة فقط ما يقع للآخر : إن تمثل النفس في الهشاشة هو جوهر التعاطف مع العذاب.

ولكن التواضع هو بعدُ مغادرةٌ للعذاب: إنه الرجوع إلى النفس بعد أن تم تحصيل العبرة. إنه بعدُ المرور إلى عذاب مجرد، لأنه يغادر –إذا جازت العبارة – ألم العذاب، إلى عبرة العذاب: أعني أنني أنا المشاهد للعذاب لست محصنا منه .. قد يرتاح بذلك ضميري، ولكن لئن كانت الشفقة تدرج صاحبها ضمن نوع من الإنسانية المتواضعة التي لا تستبعد عنها العذاب، إلا أنها إنسانية مجردة، لا تحتمل التواضع إلا كتجريد، أي كخروج عن الكيان.

إنني لا أريد أن أتحدث عن العلاجات، ولا عن المسارعة إلى النجدة، وإنما أريد أن أباغت العذاب في حد ذاته، لا كحلقة ضمن سلسلة «العذاب – العلاج – التنفيس». إننا نتخذ العذاب دائما ضمن سلسلة معالجته. أقترح أن ننظر إلى العذاب من جهة معناه، أعني في تجربة ميؤوسيته الأصلانية، في تجربة غياب آفاق التجاوز.

وضمن هذه الميؤوسية الأصلانية لا نبحث عن الخروج من العذاب وإنما نبحث عن ما سماه اللاتينون : La suffrentia أعني هذا الضرب من الإقامة أو من الاستقرار المسلِّم والمستكين، داخل العذاب، وطبعا فإن المقصود لا ينتمي إلى أي شكل من أشكال المازوشية، بقدر ما هو الاستقرار فينومينولوجيا داخل الظاهرة أعني داخل كيفية تظهّرها في الوعي.

وضمن هذا التسليم المنهجي بالعذاب، فإن السؤال الذي يطرح هو سؤال المعنى : لماذا أنا ؟
فوق وحدة المعذب، وفوق استحالة نقل التجربة وتعذر تمثلها، وفوق انتصاب الآخر كناظر لي، كمتفرج علي، مهما كانت مواساته لي، فوق كل ذلك يقوم سؤال المعنى : لماذا أنا ؟

مثل هذا السؤال لا ينتظر إجابة التعاطف ولا إجابة التواضع : إنه سؤال لا يأبه بالمعالجة .. إنه فقط سؤال موضوعه ليس العالم ومسؤوله ليس الآخر لكي يجيب : سؤال لماذا أنا ؟ إلى متى وحتى متى ؟ سؤال ينتمي إلى ضرب التفكير الذي يعود فقط على النفس.

لذلك نفذ ريان إلى نفوسنا جميعا .. لم نسأل في البداية لماذا نحن؟ لأن المأساة قد حلّت بريان. ولكننا سألنا لماذا ريان؟ لماذا وهو الأعزل الوحيد في قاع البئر؟ لماذا تحمّل هو تجربة اليأس / اليقين/ من الموت وهو بعدُ لم يفقه الحياة. ولكننا بضرب من الانتقال إلى ريان سألْنا لماذا يقع ما يقع لنا عندما يقع لنا؟ إن الانتقال إلى ريان وصرخة الألم من عذابه هي صرخة الإنسانية فينا عن معنى ما يقع لنا عندما يقصدنا ويعنينا ويتسدد نحونا.

ربما صرخ أيوب هذه الصرخة. لقد كان جواب الكتب السماوية أنه لا يحق لأيوب أن يسأل صاحب الملكوت عما يفعله في ملكوته. لذلك ترجم القرآن دعاء أيوب التوراتي شرطا لاستجابة ربه: أن لا يسأل عن عدالة ربه وإنما أن يدعو دعاء الكشف عن الضر ضمن «أرحمية» ربه: « ... أنّي مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين / فاستجبنا له.. (الأنبياء- 83-84)». ولكنّ صبر أيوب ليس صبر إنسانية ماتزال إلى اليوم عند نفس سؤالها: لماذا ريان ؟ تسأله وهي تعني به: أن ريان لم يعد ذاك الطفل المغربي وإنما أمسى هو ابن الإنسانية التي صارت اليوم تسأل من جديد عن وحدتها وعزلتها وضياعها في ملكوت أرض لم تعد تهيّئ لها فيها إلا القبور والغبور.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115