أسئلة حول «المنظومة»: مسار الوراثة وإعادة الإنتاج قراءة في كتاب عبد الحميد الجلاصي «من الجماعة إلى الحزب السياسي»

بقلم: عدنان المنصر
صدر منذ بضعة أسابيع كتاب عبد الحميد الجلاصي الأخير عن دار سوتيميديا للنشر بعنوان «من الجماعة

إلى الحزب السياسي، إدارة التغيير في سياق انتقالي». هذا أول كتاب أقرؤه حقيقة لعبد الحميد الجلاصي، وقد طالعته بعين المهتم. كان هناك باستمرار سؤال: هل يمكن لتجارب مختلفة أن تنتج خلاصات متشابهة؟ أعتقد أن ذلك ممكن بالفعل إذا كان اهتمام المؤلفين القادمين من تجارب حزبية وتنظيمية مختلفة يتجاوز الأشخاص إلى محاولة فهم السياقات وتحليل الميكانزمات المتحكمة في تطور الكيانات السياسية، وكذلك في تطور البيئة السياسية التي تنشط فيها تلك الكيانات.
هناك دوما في نفس المؤلف القادم من تجربة حزبية ميولات متنازعة. عندما تغادر تجربة تنظيمية فإن أفضل ما يمكن أن تفعله هو الإمساك عن الكتابة مباشرة. ذلك أن ما يعتمل في نفس المؤلف أكثر اضطرابا، ولكن أقل قيمة، من أن يحتويه نص يروم البقاء. إن الشعور بالخيبة الذي يتحكم في المرحلة الأولى هو شعور يحتاج أن يتطور إلى شعور بالفهم. هذا يتطلب وقتا، وقتا بمعنى المسافة. من يكتبون مباشرة يندمون سريعا.

لم أقرأ الكتاب من منطلق حديثه عن النهضة. اعتبرت باستمرار النهضة مجرد ذريعة لهذا الكتاب. الكتاب بما احتواه من أفكار يمكن أن تسري خلاصاته على كل التنظيمات الحزبية المشابهة. أجد الكثير من نقاط الالتقاء في تحليل تطور الكيانات السياسية القديمة مع كتابي «دولة بورقيبة» مثلا. هناك تحولات عميقة تحدث عندما يجد تنظيم حزبي نفسه، فجأة، منتقلا من وضعية الحزب المعارض إلى وضعية الحزب الأول في الحكم. هذا مسار كلاسيكي، ونتائجه كلاسيكية. كما أن التبريرات التي تجدها الأحزاب الواصلة إلى الحكم من المعارضة هي تقريبا نفسها عندما يوجه إليها اللوم على تنكرها لبعض المبادئ التي قادت خطابها وسلوكها قبل الانتقال الكبير: الإكراهات. هذا أيضا كلاسيكي.
احتوى كتاب عبد الحميد الجلاصي على خمسة فصول، مع مقدمة وخاتمة. ضم الكتاب نصوصا كثيرة قديمة للمؤلف كان قد نشرها في الصحافة وعلى الشبكات الاجتماعية ونصوصا أخرى ساهم بها في النقاشات التي تمت في فترات معينة داخل حركة النهضة التي انتمى إليها طيلة حوالي الأربعين عاما. السؤال هنا هو عن التوقيت الذي يقرر فيه مناضل حزبي تقلد الكثير من المسؤوليات التنظيمية والسياسية الانسحاب والمغادرة؟ نحن هنا بإزاء مناضل من النوع الذي لا تقاس أدواره بالأحجام ولا بعدد الأنصار ، بل بقدرته على التفكير خارج ما أصبح متفقا عليه في تنظيم حديدي جوهرا، منفتح ظاهرا، وبقدرته على رفض الصمت الذي تلجأ إليه الأغلبية المتحفزة للرضى والمواقع. مغادرة عبد الحميد الجلاصي كانت أمرا متوقعا لمن استطاع ملاحظة تمايزه في السنوات الأخيرة. ما هو متأكد أن هذه المغادرة سبقتها تنبيهات كثيرة، وتمردات معلنة وخفية كثيرة، ومعاناة كبيرة أيضا.
التنظيمات الحزبية ليست مجرد كيانات عقلانية وهرميات متفق على احترامها، ليست مجرد لوائح ومؤتمرات وتنقلات للهياكل وحملات انتخابية. هناك حالة ارتباط عاطفي تنشأ بين المناضل والحزب الذي ينتمي إليه حتى يغدو في مرحلة ما كل حياته تقريبا. هذا الأمر يزيد تأكدا بطول التجربة، وبالتصاق المعاناة عليها. هنا تصبح نوعا من التمزق، مأساة شخصية وعاطفية ونفسية لا يستطيع تحملها إلا من كانت مبرراته العقلانية للمغادرة أقوى من كل مشاعر التمزق. في معظم الحالات، فإن شعور التمزق يخفت بالتدريج عندما تبدأ الهجمات على المناضل المغادر، عندما تبدأ سمفونية التخوين وتبلغ المزايدة بها ذلك الحد المقرف الذي نعرفه جميعا. يتوقف المناضل هنا ويسأل: ألم أتأخر في المغادرة؟

إن كتاب عبد الحميد الجلاصي ليس كتابا حول النهضة فقط، ولا حول الأحزاب فقط، بل حول الانتقال الديمقراطي الذي حول أكثر الأحزاب إلى مجرد أدوات تنفيذ سياسات مائعة متنكرة حتى للمبادئ التي قامت عليها في الأصل، ومتنكرة للأحلام التي أطلقتها الثورة، بل ومتنكرة للهبة العظيمة التي منحتها الثورة لتلك الأحزاب بنقلها من مجموعات معارضة متابعة وملاحقة ومضطهدة إلى أحزاب حاكمة. ماذا يحصل بالضبط في هذا المنعرج؟ مجرد إعادة إنتاج المنظومة التي وضعت الثورة وجودها محل تساؤل: «وهكذا تقلص المشروع التحرري الحضاري إلى مشروع سياسي، وتقلص المشروع السياسي إلى مشروع حزبي، وغلب المشروع الحزبي التموقع على التغيير لتنحصر السياسة في الدولة هدفا والحزب مصعدا وتنقلب النهضة من حركة مراهنة على المجتمع الذي تؤكد أدبياتها التاريخية أنه هو الأصل وما الدولة إلا التعبير القانوني والمؤسسي عنه، إلى المراهنة الكلية على الدولة كما هي في النموذج اليعقوبي الفرنسي في نسخته المتونسة والذي كان في مرمى سهام النقد والمواجهة النظرية والنضالية لعقود طويلة» (ص 281). لم يكن الأمر متعلقا بالجذور، ولا بطبيعة الرؤية السياسية، ولا بالشعب والحراك الاجتماعي، بل بمجرد الولوج لحقل السلطة. هذا هو المعنى الحقيق لإعادة إنتاج المنظومة. هل كان الأمر، بمعنى المسار الموصوف هنا، كامنا في وعي التنظيمات أو من يمسك بها، أم بتحولات فرضتها تطورات السياق؟ في كلتا الحالتين لا يبدو أن النتيجة مختلفة.
ما هي الأحزاب في السياق التونسي؟ مثال النهضة كما تبدو في كتاب الجلاصي، وكما يبرهن على ذلك السياق منذ عقد من الزمن، هو مجرد سقيفة للدولة. إن الأمر لا يتعلق بالسؤال إن كانت الدولة لازمة، بل بطبيعة الدولة، بترتيب وظائفها وحبك أدوارها إزاء المجتمع. ما يحصل مع النهضة منذ عشر سنوات ليس عملية ولوج للدولة بهدف تغيير سياساتها، وإنما ولوجا إليها لتكرار نفس السياسات التي جعلت الثورة تلفظها. لكن الدولة ليست كل المنظومة، هي واجهتها المؤسساتية فحسب. عندما تتم الاستجابة للطلبات الأخرى للمنظومة، فإن فتح أبواب الدولة كمؤسسة يصبح أمرا يسيرا، وهذا ما حصل بالضبط. هذا هو التحول المأساوي في الحقيقة: تحول النهضة من «حركة مستضعفين» إلى حركة متنفذين، من «مشروع تحرر» إلى مشروع هيمنة. هذا يعقلن كل التحولات التي تمت في سياسات النهضة ومواقفها وسلوكاتها طيلة العشر سنوات المنقضية: «إن السؤال الرئيس في السياسة دائما هو سؤال الغاية: لماذا نشتغل بالسياسة؟ وما هي الفئات التي ندافع عليها؟... إن حركة النهضة هي انتخابيا حزب محافظ منغرس في الطبقة الوسطى وما دونها، بما يفترض منه جهدا لتفكيك منظومة التحكم في الثروة الموروثة عن منظومة الاستبداد لفتح الباب أمام فئات جديدة لتشارك في الثروة ولكن هذا الخيار لا يبرز عندما نقرأ السلوك السياسي والتشريعي، وبالعكس من ذلك يحصل الانطباع أن السياسة لدى حركة النهضة هي مجرد تأمين تموقعات» (ص 280). لا يتعلق الأمر في الحقيقة بانطباع، بل بممارسة مثبتة ومستمرة ومركزة، منذ عشر سنوات.

هذا التحول هو الذي جعل النهضة في الحقيقة مهتمة ليس فقط بالولوج إلى المنظومة بل بوراثتها أيضا وبالخصوص. تم ذلك في الحقيقة بصفة واعية طيلة الخماسية بين 2014 و 2019. ما يفسر كتنازلات اضطرت إليها النهضة في سبيل تعايش مع المنظومة يمنع حربا أهلية أو استئصالا لم تكن تنازلات: كانت تثبيتا لمظاهر الاستعداد لدخول بيت المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، والمشاركة في نفقات صيانتها، بل والوقوف أمام بابها لحراستها. كل الممارسة السياسية والتشريعية للنهضة طيلة تلك الخماسية وبعدها كانت مسخرة لهذا الهدف. قانون المصالحة لم يكن إلا انعطافة في نفس الطريق، في نفس الاتجاه، ولكن بسرعة أكبر : «هل يمكن للنهضة الجديدة أن تحتل هذا المكان؟ ليس الأمر مستحيلا، فدوائر النفوذ تحتاج دائما إلى روافع، ومراكز النفوذ والدول الكبرى لا تخاصم بسبب عناوين المرجعيات... إذ أن الذي يعنيها في علاقتها بالأحزاب هو مقدار تهديدها أو ضمانها لمصالحها ومكاسبها» (ص 287).
كيف يستطيع حزب بتاريخ عريق أن يقنع أنصاره ومناضليه بأنه يفعل كل ذلك من أجل مصلحتهم، ومصلحة الثورة، ومصلحة البلاد؟ كيف يستطيع أن يغطي على التناقضات الجلية والصارخة بين هذه المصالح الثلاث؟ بالإنغلاق القيادي، بطرد المناوئين (بطريقة أو بأخرى) أو بإضعافهم أو بمحاولة شرائهم بالمواقع والحظوة، بتأخير الإصلاح، بتعميق الشعور بالخوف، بالبروبغندا، بأدوات الدولة وغنائمها. هذه عناصر منظومة كاملة تضاف إليها، بالنسبة لحركة «إسلامية»، بهارات المقدس: «إن السياسة لا يمكن أن تنشأ في سياق الاستئثار بالسلطة مع الترويج لثقافة «ولا تزكوا أنفسكم» والتهرب من التعاقد المدني بالتستر خلف الجماعة المقدسة، وسحق الحركية والتنوع بداعي الحفاظ على الوحدة، والتضحية بالرسالة من أجل التموقع والأمجاد الذاتية، ومحاربة الذوات الفردية وصهرها في جماعة، وتذويب الجماعة في فرد يحدث الفراغ حوله ليوهم بالفراغ، والخوف من الفراغ هو مبرر تأييد السلطات» (ص 285).
هذا هو المعنى الحقيقي لفقدان الأسس الأخلاقية لمشروع حزبي ما: تحوله شيئا فشيئا تحت قصف دعائي مدروس إلى بيئة مصغرة لمنظومة الهيمنة تتدرب داخلها وتهيئ نفسها للعب الدول الأكبر: وراثة المنظومة نفسها ومنحها مقومات حماية وحصانة أكبر تجاه عواصف التغيير ونوازع الاحتجاج. هذا هو المعنى المقصود بالضبط من أن المنظومة القديمة الحقيقية في البلاد اليوم هي حركة النهضة نفسها. إن النقد الذي يوجه للنهضة من داخل السياق الثوري والاجتماعي والأخلاقي هو النقد الوحيد المؤلم لهذه التجارب الحزبية. هناك نوع من الأزمة الأخلاقية التي تبدأ في الاعتمال بالتدريج، والتي تفقد فيها أحزاب عريقة مثل النهضة القدرة على تجديد نفسها وولوج الفئات الشابة، ما يحكم عليها بالاضمحلال ليس سياسيا فقط بل ديمغرافيا أيضا، وفي مدى منظور.

تنشأ الأحزاب في الأصل كمشاريع أخلاقية، كمشاريع احتجاج على السائد. لكن مسيرة معظم تلك التي تنجح في قطع الطريق من محتشد المعارضة إلى دفة الحكم تسلك في الغالب دروبا متشابهة. الدولة غواية. هذه الغواية تستهدف أولا تلك القيم الأخلاقية التي يمكن تلخيصها في التضامن، ووحدة الحلم، والزهد، ونقد التوازنات الظالمة. عندما تنفتح خزائن الدولة أما هكذا تنظيمات على مصراعيها، يقع تعويض المناضلين بالأتباع، وتستأثر مجموعة ضيقة بالقرار، ثم تنغلق في الجهة أو القبيلة أو العائلة، ويبدأ توزيع المغانم على الشعب المطيع لشراء الموافقة أو الصمت. في هذه اللحظة بالذات، يصبح سؤال الانتماء بالأساس سؤالا أخلاقيا، والإجابة عنه بالأساس أيضا إجابة أخلاقية.
ما هو نصيب مسؤولية مسار حزبي معين (النهضة هنا) في الفشل الذريع الذي وصل إليه مسار الانتقال الديمقراطي في تونس اليوم؟ نصيب كبير. إن إعادة إنتاج نفس منظومة الهيمنة، بأدوات الديمقراطية نفسها، وبذلك المزيج العجيب والفعال من بروبغندا التخويف والفرقة الناجية وتوزيع المنافع والانغلاق التنظيمي ورفض الإصلاح، يفقد الناس الأمل في أن ينشأ التغيير عن الأحزاب. هذا الشعور هو الممول المباشر والسخي للشعبوية والفاشية اليوم. إن رؤية مؤسسات الديمقراطية تعيد إنتاج كنه منظومة الهيمنة نفسها، دون أي تغيير في التوازنات المتعلقة بتوزيع الحظوظ في الحياة والمستقبل، هو أمر يدفع الناس دفعا في طريق السخرية من الديمقراطية ثم الضجر منها، ثم اعتبارها سبب البلاء. عندما يتعلق الأمر بحزب يتعامل مع الثورة كرأس مال للبيع والإيجار، ويستثمرها مع كل العناصر الأخرى(مصلحة البلاد، التخويف بالإستئصال إلخ...) في تبرير كل الجهد الذي يبذله من أجل وراثة المنظومة وإعادة إنتاجها، فإن الضرر يصبح مضاعفا ومركزا. هذا هو سبب ضجر الناس بالثورة وبالإنتقال في الوقت نفسه. هذا هو المنبع الذي تتغذى منه كل الأفكار المناهضة للثورة كوعد بالتغيير والعدل، وكل تلك التي تتغذى من تأخر الانتقال عن الإثمار. هذه هي التربة الأكثر ملاءمة لتطور الدعاوي الفاشية والشعبوية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115