فرنسا الجديدة !

“فرنسا الجديدة” هو أكثر من مجرد شعار ترفعه

حركة فرنسا الأبية اليسارية. إنه يعبر عن تغييرات اجتماعية وديمغرافية حقيقية تعيشها البلاد منذ حوالي نصف قرن. وهو تعبير حقيقي عن مقولة “المجتمع المفتوح”، الذي يعد من أبرز إنتاجات الحداثة.

لفهم التغييرات الديمغرافية التي يعيشها المجتمع الفرنسي منذ حوالي نصف قرن، من المهم أن نعود إلى سنوات الخمسينات والستينات، حينما فتحت عاصمة الأنوار أبوابها أمام موجات كبيرة من هجرة سكان مستعمراتها القديمة في شمال أفريقيا.

ما تم اعتباره أداة اقتصادية لاستعمال اليد العاملة المغاربية في التنمية الاقتصادية الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية، تحول ليصبح مكونًا اجتماعيًا جديدًا في فرنسا.

وبدأ المجتمع الفرنسي يشهد تدريجيًا، منذ بداية السبعينات، ولادة جيل جديد من الفرنسيين من أصول مهاجرة، جزائرية ومغربية وتونسية بالأساس، وفرنسيين من أصول إفريقية من وراء الصحراء في مرحلة لاحقة. ابرز تجليات هذه الجيل الجديد كان سنة 1983، فيما يعرف  بـ “مسيرة المساواة وضد العنصرية”(Marche des Beurs).

وعندما نتحدث عن “فرنسا الجديدة”، فإننا نتحدث عن معادلة تقول إن هناك، إحصائيًا، مواطنًا فرنسيًا من بين كل أربعة فرنسيين ينحدر من أصول مهاجرة. وقد أصبح هذا التغيير الديمغرافي لافتًا في الشارع الفرنسي، كما في الإدارة الفرنسية، وفي كل مجالات الحياة العامة بشكل عام، من أعلى المناصب السياسية إلى كرة القدم.

وقد أحدث هذا التغيير الديمغرافي في المجتمع الفرنسي تغييرات ثقافية واجتماعية، وهو ما تسبب في ردود فعل رافضة من قبل اليمين عامة، واليمين المتطرف خاصة. فأمام مصطلح “فرنسا الجديدة”، يرفع اليمين عامة واليمين المتطرف خاصة شعارات العودة إلى “فرنسا المفقودة”، التي يحنّ إليها، مثل كل الحركات الرجعية، باعتبارها ماضيًا فرنسيًا أصبحت آثاره غائمة ومتغيرة.

ومثلت زيارة بابا الفاتيكان الشهر الماضي إلى باريس فرصة للإعلام اليميني للتأكيد على ما يعتبره “الهوية المسيحية” لفرنسا، في بلد حسم منذ سنة 1905 في لائكية الدولة طبقًا لدستور الجمهورية الخامسة.

ففرنسا الجديدة بلد متعدد الأعراق والأديان، ولم يعد ما يسمى “الجنس الأبيض الأوروبي” إلا مكونًا من مكونات هذا المجتمع، وهو ما يمثل عنصر تجييش وخشية من اليمين المتطرف الذي يخشى ذوبان “الهوية الفرنسية”.

وفرنسا الجديدة هي، ربما، إحدى تعبيرات مقولة “المجتمع المفتوح” للفيلسوف النمساوي كارل بوبر. فالمجتمع المفتوح هو المجتمع الذي يقبل الانفتاح على التغيير في بناه الثقافية والاجتماعية بكل حرية، وهو ما شهدته فرنسا طوال الخمسين سنة الأخيرة.

وربما يمثل صعود المواطن الفرنسي من أصول إفريقية “بالي باقايوكو” إلى رئاسة بلدية سان دوني، أو ما يعرف بمدينة ملوك فرنسا (مرقد أربعين من ملوك فرنسا)، ذات رمزية بالغة في هذه الصورة الجديدة لفرنسا.

اليوم هناك واقعا اسمه فرنسا الجديدة. فرنسا  تتغير، ككل المجتمعات المفتوحة، طبقًا لسنن نهر التاريخ الجارف الذي يقود حتمًا نحو الحداثة والحرية. وقد تنحرف مجاريه الفرعية أحيانًا نحو عتمة الظلامية والشعبوية، كما تشهده العشريات الأخيرة في عديد الدول، لكن التاريخ يخبرنا دائمًا أن هذه الانحرافات ظرفية وان لا امام سوى العقل.

بقلم: هادي يحمد

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115