ميزانية عام 2027: تحديات كبيرة تلوح في الأفق للعام المقبل.

هل تستطيع المالية العامة الصمود في ظل ارتفاع

أسعار الطاقة وبيئة تتسم بمعدلات تضخم مرتفعة؟

تتمثل ملاحظتي الأولى في العجز المالي المقلق الذي يبلغ 14,615 مليون دينار، أي ما يعادل 7.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وللمقارنة، يبلغ متوسط عجز الميزانية لدى شركائنا التجاريين في أوروبا 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يبلغ في المغرب 3.6%. وبما أن تونس تسجل عجزاً بنسبة 7.8% في ظل نمو للناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز 2% (وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي)، فهذا يعني أن الحكومة مضطرة للاقتراض لتغطية الفارق -أي 5.8%- مما يزيد من تفاقم المديونية. والأخطر من ذلك أن هذه الديون الجديدة تُوجه نحو الاستهلاك لا الاستثمار، علماً بأن 80% من الناتج المحلي الإجمالي التونسي يتكون من الاستهلاك المحلي.

وتتمثل ملاحظتي الثانية في أن 92%من الإيرادات الضريبية (البالغة 54.280 مليار دينار) تُخصص لتغطية ثلاثة بنود فقط: أجور الموظفين العموميين، ودعم الطاقة والغذاء، وسداد التزامات الديون (25 ملياراً + 12 ملياراً + 13.307 ملياراً). ولا يتبقى سوى 8% لتغطية النفقات التشغيلية للحكومة، مما يضطرها للاقتراض مجدداً لتمويل الاستثمارات؛ أي الاقتراض لسداد ديون قديمة.

أما ملاحظتي الثالثة، فهي أن البنك المركزي التونسي لم يعد يركز على مهامه الأساسية المتمثلة في تحقيق استقرار الأسعار والتوظيف الكامل. فمنذ أربع سنوات متتالية، يقوم البنك بتمويل عجز الميزانية (بمبلغ 9.8 مليار دينار)، مما يبقي معدلات التضخم مرتفعة ويضعف قيمة الدينار؛ إذ فقد الدينار خلال السنوات الأربع الماضية أكثر من 10% من قيمته مقابل الدولار الأمريكي، و3% مقابل اليورو (انظر الرسم البياني أدناه).

وتتمثل ملاحظتي الرابعة في أن تونس تضم 692,702 موظفاً في القطاع العام مقابل عدد سكان يبلغ 12 مليون نسمة، في حين يبلغ عدد الموظفين العموميين في المغرب 576,062 موظفاً مقابل 40 مليون نسمة (وفقاً لبيانات وزارة المالية المغربية). إن هذا العدد المرتفع من الموظفين العموميين في تونس يضع ضغوطاً هائلة على المالية العامة، دون أن يقابله عائد ملموس أو مستوى جيد من الخدمات العامة.

 تتمثل ملاحظتي الخامسة في أن الحكومة التونسية ترفض إجراء إصلاح حقيقي لنظام الدعم، أو تنفيذ إصلاح فعلي للحد من الاقتصاد الموازي -الذي تبلغ نسبته حالياً 40%-، أو استرداد الإيرادات الضريبية الضائعة من هذا الاقتصاد الموازي ومن منظومة الدعم -والتي تُقدر بنحو 17 مليار دينار-، وذلك بهدف تصحيح أوضاع المالية العامة والقضاء على العجز المزمن في الميزانية.

ستؤثر ميزانية عام 2027 سلبًا على الاقتصاد من جانبين: أولاً، سيضطر البنك المركزي التونسي إلى إبقاء سعر الفائدة الرئيسي عند 7% لمواجهة التضخم المرتفع والمزمن، مما سيؤثر سلبًا على استهلاك الأسر وإنفاقها. وثانياً، ستجد الحكومة نفسها مضطرة لزيادة الضرائب لتغطية ارتفاع الأجور وتكاليف الإنتاج والتشغيل الناجمة عن هذا التضخم، وهو ما سيؤدي بدوره إلى تراجع الاستثمار. وستكون النتيجة النهائية هي انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وتدني معدلات الاستثمار، وارتفاع مستويات البطالة، وظهور اقتصاد "بسرعتين": Two speed economy حيث تشهد البورصة والقطاع المالي نمواً متزايداً، بينما يحقق الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي نمواً ضعيفاً لا يتجاوز 2%، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.

وعندما يقوم البنك المركزي بتمويل الدين الحكومي (عن طريق إصدار النقد) للعام الرابع على التوالي، فإنه يفقد حياديته؛ مما يؤدي إلى خلق تشوهات اقتصادية، وتآكل قيمة المدخرات، وسوء تخصيص الموارد. وبدلاً من توجيه مدخرات الأفراد نحو الاستثمار لخلق ثروة جديدة، تُستخدم هذه الأموال لتمويل الاستهلاك، ودفع الأجور، وسداد الديون. والجدير بالذكر أن إنفاق الحكومة التونسية على الاستثمار العام لا يتجاوز 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة منخفضة للغاية وفقاً للمعايير العالمية.

علاوة على ذلك، سيؤدي هذا النهج إلى خلق اقتصاد منقسم طبقياً، حيث يتفاقم التضخم نتيجة زيادة المعروض النقدي (بمعدل 12% سنوياً للمؤشرين M2 وM3)، مما يؤدي إلى انتقال الثروة من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة إلى الطبقة الغنية. ففي ظل التضخم المرتفع، يمتلك الأثرياء أصولاً كعقارات وأراضٍ ترتفع قيمتها، بينما لا يملك الفقراء سوى أجورهم الثابتة التي تفقد قيمتها الشرائية.

تتمثل الأهداف الجوهرية لأي ميزانية حكومية فيما يلي:

يتمثل الهدف الرئيسي لأي ميزانية حكومية في تعزيز الرفاه العام والاستقرار الاقتصادي، وذلك من خلال التخصيص المنهجي للموارد العامة المحدودة لتلبية الأولويات الاجتماعية والاقتصادية للدولة، وفقاً للخطوات الخمس التالية:

  1. المسؤولية المالية والإصلاح: إدارة الدين العام، والسيطرة على العجز المالي، وتعزيز القوة الهيكلية العامة للمالية العامة على المديين المتوسط والطويل.
  2. تخصيص الموارد: توجيه الأموال العامة نحو القطاعات الحيوية التي قد لا تحظى باستثمارات كافية من القطاع الخاص، مثل البنية التحتية، والدفاع، والتعليم، والرعاية الصحية.
  3. الاستقرار الاقتصادي: استخدام السياسات الضريبية والإنفاق الحكومي لتخفيف حدة الدورات الاقتصادية، وكبح التضخم، والحد من البطالة.
  4. إعادة توزيع الدخل والثروة: تقليل التفاوت الاقتصادي من خلال فرض ضرائب تصاعدية على أصحاب الدخل المرتفع، وتمويل برامج الرعاية الاجتماعية، والضمان الاجتماعي، وتقديم الدعم للفئات ذات الدخل المنخفض.
  5. إدارة المؤسسات العامة: تمويل أو دعم أو إعادة هيكلة الشركات والمرافق المملوكة للدولة، لضمان كفاءة التشغيل وتقديم الخدمات العامة.

أرقام ميزانية تونس لعام 2027:

يبلغ العجز الأولي الإجمالي 14,615 مليون دينار، أي ما يعادل -7.8% من الناتج المحلي الإجمالي، بزيادة قدرها 32% مقارنة بعام 2026 (حيث بلغ 11 مليار دينار).

تصل قيمة سداد الديون الإجمالية لعام 2027 إلى 13,307 مليون دينار (ما يعادل -7.2% من الناتج المحلي الإجمالي)، وتشمل الديون الداخلية والخارجية (6,823 مليون دينار كديون داخلية، و6,484 مليون دينار كديون خارجية).

يبلغ إجمالي الإيرادات الضريبية 54,280 مليون دينار، بزيادة قدرها 3.2% عن عام 2026.

يبلغ إجمالي النفقات 68,895 مليون دينار، بزيادة قدرها 8.7%.

يبلغ إجمالي الاقتراض 28,122 مليون دينار.

حققت الحكومة زيادة في الإيرادات الضريبية بنسبة 3.2% في عام 2026 (المصدر: وزارة المالية).

كما حققت الحكومة زيادة في الإيرادات الضريبية بنسبة 12.1% في عام 2025.

يبلغ الاقتراض الخارجي 6,877 مليون دينار.

تخلو ميزانية عام 2027 من أي مخصصات للاستثمار في القدرات الإنتاجية الصناعية الحقيقية للاقتصاد، وهو ما كان من شأنه خلق ثروة جديدة، وخفض معدلات البطالة المرتفعة، وتقليص العجز المزدوج المزمن.

لا توجد أموال مخصصة لإنشاء مراكز بيانات لدعم الاقتصاد الرقمي وتوفير فرص عمل حقيقية (علماً بأن الحكومة تحتاج إلى مليار دولار سنوياً على مدى السنوات الخمس القادمة).

لا توجد أموال لبناء اقتصاد أخضر أو تطوير الطاقة المتجددة التي يتطلبها القرن الحادي والعشرون.

لا توجد أموال لشراء طائرات جديدة تساهم في تنمية قطاعي السياحة والخدمات اللوجستية.

لا توجد أموال مخصصة للابتكار والبحث العلمي (للمقارنة، خصصت إدارة  Trumpترامب 500 مليار دولار لدعم "وادي السيليكون"). لا توجد أموال لدعم المزارعين لزيادة إنتاج القمح (علماً بأن تونس فقدت 30% من قطعان الماشية -الأبقار والأغنام- التي تُستخدم لإنتاج اللحوم والحدّ من تضخم أسعار الغذاء).

لا توجد أموال لإنشاء مستشفيات جديدة لتحسين الرعاية الصحية الحكومية.

لا توجد أموال لشراء قطارات وحافلات مترو جديدة (إذ تعتمد تونس حالياً على عربات مترو يعود تاريخها إلى 40 عاماً، وحافلات مرّ على دخولها الخدمة 20 عاماً).

لا توجد أموال لبناء جامعات جديدة أو مراكز بحثية تواكب متطلبات اقتصاد القرن الحادي والعشرين.

خلاصة:

يتضح أن الرواية الحكومية حول سياسة "الدولة الاجتماعية" وإدارة المال العام والإنفاق العام تؤدي في الواقع إلى نتائج معاكسة؛ فهي تسحب الموارد من الاستثمار العام ومن الفئات الفقيرة لتصب في صالح الأغنياء، في ظل تراكم مفرط للديون وغياب السيولة اللازمة للاستثمار وتحقيق النمو الاقتصادي. كما تعاني العديد من الشركات المملوكة للدولة -مثل "الشركة التونسية للكهرباء والغاز" (STEG)، و"الخطوط التونسية" (TunisAir)، و"الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه" (SONEDE)، و"شركة تكرير النفط" (STIR)، وشركات النقل- من سوء الإدارة، وضعف الحوكمة، والخسائر المزمنة، مع غياب أي إصلاحات حقيقية.

أما المستفيدان الوحيدان في هذه الميزانية فهما: القطاع المالي (الذي يمثل 20% من الناتج المحلي الإجمالي) وبورصة تونس (BVMT)، حيث شهدت الشركات المدرجة نمواً في إيراداتها، مما دفع مؤشر البورصة للصعود بنسبة 35% هذا العام؛ والمستفيد الثاني هو الاقتصاد النقدي غير الرسمي، الذي نما بنسبة 19% (ليصل حجم السيولة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي إلى 30 مليار دينار).

في المقابل، يأتي في طليعة الخاسرين الحكومةُ نفسها، التي تزداد غرقاً في الديون؛ إذ تلجأ للاقتراض الجديد لسداد الديون القديمة، فيما يُعرف بـ "فخ الديون" (حيث ارتفع حجم الدين العام بمقدار 51 مليار دينارخلال السنوات الخمس الماضية). كما تشمل قائمة الخاسرين الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، لا سيما الأجراء الذين يمثلون 80% من الاقتصاد؛ إذ يضطر هؤلاء لإنفاق دخلهم بالكامل على الإيجار، والغذاء، والرعاية الصحية، والنقل، والفواتير اليومية من أجل البقاء، في ظل ارتفاع تكاليف السلع الاستهلاكية، ومعدلات تضخم حقيقية تصل إلى 8%، وتضخم في أسعار المواد الغذائية يتجاوز 10%.

بقلم: العربي البوهالي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115