حديث الأرقام..

تحظى الأرقام لدى التونسيين بمعاملة خاصة :

نتعلمها منذ سنوات الطفولة و لكنّ الدقة نسبيّة خارج مقاعد الدرس و أوراق الإمتحانات ، نستعملها كثيراً، ونحترمها قليلاً، ونعتبر التوقف عند تفاصيلها أحيانا مجرد إضاعة للوقت أو اختصاصا حصريا للأكاديميّين ، لا يرى المسؤول حرجا في أن يتحدث عن مبلغ هو " حوالي ، أو ما يقارب ، أو يناهز ، أو يزيد عن .. " بضعة " ملايين أو بضعة مليارات أو شيء من هذا القبيل .. " و تزخر لهجتنا الدارجة بالعبارات التي تشجّع على عدم التوقف عند تفاصيل الأرقام حفاظا على البركة ودرءا للحسد أو تفضيلا للثقة على " الحساب "..

ولعلّنا نعاني، جماعياً، من متلازمة تونسية جديدة يمكن تسميتها ، تجوّزا ، بـ «دلتونية الأرقام»: وهي حالة تصيب المرء عندما تقع عيناه على رقم فيراه، ولكنّه لا يراه تماماً ، يقرأه ولكنّه لا يستوعبه ، ويتحرى الحساب ولكنّه لا يصل بالضرورة إلى النتيجة نفسها التي وصل إليها صاحب الرقم..

والدليل أنّ الأرقام عندنا لا تتمتع دائماً بالقوة التي تتمتع بها في البلدان الأخرى ففي بعض المجتمعات، إذا قلت إنّ المشروع سيكلّف مبلغا محدّدا ، انتهى النقاش. أمّا عندنا، فالمبلغ المحدّد ابتداء يمكن أن يكون بداية النقاش، وقد يتحوّل بعدها إلى مجرّد أساس لاحتساب خطايا التّأخير أو محورا للخلاف الذي سيؤدّي إلى وأد المشروع أو تعطيله سنوات طويلة،

وفي المال تحديداً، تبلغ «دلتونية الأرقام» ذروتها ، فالراتب قد يبدو محترماً عندما يكون بعيدا عن الأعين ، ومتواضعاً عند المقارنة ، ومخيفاً عندما يُقارن بالأسعار، ومثيراً للشفقة في الأيام الأخيرة من الشهر ، أمّا الدَّين فله مقاييس خاصّة : تستصغره العين عند الإقتراض و يتضخّم عند السّداد ..

والسنوات بدورها تخضع عندنا لنظام حساب خاص ، فالسنة التي تمضي طويلة بما يكفي عند محاسبة متقلّد المسؤولية وقصيرة جداً في عين من ينبري للدفاع عنه ،

خمس سنوات قد تكون «مدة قصيرة» في مشروع يحتاج إلى الإصلاح، لكنها تصبح «عهداً كاملاً» عندما يتعلّق الأمر بنتائج لم تظهر بعد ، أما العشر سنوات، فقد تكون في الاقتصاد «مرحلة انتقالية»، وفي القضاء كلمتان ينطق بهما قاض حازم ، وفي عين السّجين قطعة من العمر ..

و يكفي للتأكد من أنّ المجتمع الذي لا يحسن قراءة أرقامه يصعب عليه أن يعرف أين يقف، وإلى أين يتجه، وما الذي تغيّر في حياته فعلاً وما يجب أن يتغيّر ، الإنتباه لأنّ الرقم لا يجامل، ولا يصفّق، ولا يشارك في الحملات الانتخابية، ولا يحضر الاجتماعات الحزبية ، هو فقط يقول لنا: هذا ما حدث و هذا ما يمكن إثباته بالحساب.

لكنّنا، في المقابل، نملك قدرة عجيبة على جعل الرقم يقول أشياء كثيرة، وربما متناقضة، من دون أن نغيّر فيه فاصلة واحدة ، و يطال ذلك جميع مستويات الدولة و فضاءاتها : ففي الثقافة، لا تكتفي الأرقام بالإشارة إلى ما أنفقناه ، وإنما تكشف أحيانا ما الذي نعتبره جديرا بأن ننفق عليه، 461 مليون دينارا لوزارة الثقافة في 2026، أي 0.73% من ميزانية الدولة و نحو 3 آلاف عنوان منشور في سنة واحدة ، و لكن هل يمكن الجزم بأننا شعب لا يقرأ ؟ لا يوجد مسح رسميّ يسمح بإجابة علميّة قاطعة و لكن معاينة الواقع تقدّم عناصر تصلح أرضيّة للجواب فالعرب عموما لا تتوجّه شهيّتهم في الغالب للكتب و مشتقّاتها فإسبانيا مثلا يُترجَم فيها من الكتب في سنة واحدة أكثر ممّا يُؤلَّف في الدّول العربيّة مجتمعة ..

ويجدر التنبّه إلى أنّ الأرقام العربية في مجال الكتاب قد تكون خادعة : فمصر تنشر نحو 25 ألف عنوانا في السنة، والسعودية قرابة الـ 14 ألفاً، والأردن نحو 11 ألفاً، والمغرب 5500، بينما تتأرجح أرقام تونس بحسب طريقة العدّ والإيداع والتّسجيل و هي غير كارثيّة في العموم ، والمفارقة أن تونس، التي لا يتجاوز سكانها نحو 12 مليوناً، لا تحتاج إلى أن تنافس مصر ذات المئة مليون ، يكفيها أن تجعل الكتاب أقل ندرة من مواطن الشّغل، والقراءة أقل كلفة من الإبحار بمعنييه الماديّ والافتراضي ، والمكتبة أقرب إلى المواطن من الهاتف الذي يوصله كل يوم إلى أخبار كاذبة بلا حصر و إلى ولائم لنهش الأعراض و اقتحام الخصوصيات و نشر المعطيات الخاصّة و ترويج الجهل و الخرافة ، فالأرقام لا تسألنا فقط: كم كتاباً أصدرنا؟ بل تضع أمامنا السؤال الذي نتوجّس من طرحه ويراودنا كلما شاهدنا الصفوف الطويلة أمام أبواب معارض الكتب : كم كتابا سنقرأ ؟ وكم عدد الكتب التي ستزيّن رفوف المكتبات إلى جانب التّحف و المزهريّات ..!؟

ولعلّ حال المتاحف و المسارح و دور السّينما ليست أفضل من الكتاب الورقيّ ، فالأفلام ال 104 التي عُرضت في قاعات السّينما سنة 2022 لم يكن من بينها سوى 11 فيلما تونسيا ، ويبقى تاريخنا الثّريّ بالشّخصيّات و الأحداث و العبر في انتظار من ينفض عنه الغبار و يحوّله إلى أعمال فنيّة تخصّص لها الإعتمادات الماليّة و اللوجستية المناسبة ، فالقائد العظيم حنّبعل لم تقف أمام جيوشه جبال الآلب و لم تمنعه من التقدّم و لكن العوائق المادية و اللّوجستية لا زالت تحول دون إنجاز عمل يخلّد سيرته و مسيرته رغم تخصيص دعم بنحو 560 ألف دينار لعمل سينمائيّ ، لم تتجاوز ميزانيته المقدرة 1.8 مليون دينار ..!

أما التعليم، فننفق عليه 6.73% من الناتج المحلي، وهو رقم يبو محترما لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما نمتحن التلميذ : ففي آخر مشاركة تونسية في اختبار PISA سنة 2015، لم يتجاوز متوسط الرياضيات 367 نقطة، مقابل 490 نقطة لمتوسط دول منظمة التعاون والتنمية ، وكان نحو ثلاثة أرباع التلاميذ (74.8%) دون المستوى الثاني، أي دون الحد الأدنى من الكفايات في توظيف الرياضيات لحل مسائل بسيطة من الحياة اليومية ، و هكذا يكون الإستنتاج واضحا : نضع 6.73% في خانة المصاريف، لكن التلميذ يضع 367 في خانة النتائج ، وفي التعليم العالي، لا تبدو الأرقام أكثر سخاء : فأفضل جامعة تونسية، جامعة تونس المنار، حلّت في المرتبة 47 عربيا في تصنيف Times Higher Education لسنة 2026، وفي الفئة 801–1000 عالميا.

‏( Times Higher Education) أما البحث العلمي، فلا يحظى إلا بنحو 8% من ميزانية الوزارة وفق المعطيات التي أوردها البنك الدولي. وهكذا نكتشف أن الأرقام لا تكذب، لكنها أحيانا ترفض أن تجاملنا..

وللأرقام في الرياضة هيبة لا ينازعها فيها أحد فالانتصار في مقابلة كرة قدم يساوي ثلاث نقاط و لا يهم إن كان هدف الإنتصار قد جاء عكس سير اللعب أو إن كان أداء الفريق المهزوم أفضل ، و للرقم 90 سحر خاص فالأنفاس تنقطع عند بلوغ المباريات الرياضية تلك الدقيقة و اللحظة طويلة جدا لمن ينتظر صفارة الحكم للإحتفال بالنتيجة أما الساعي وراء هدف لا يجد له سبيلا فالوقت يمرّ بسرعة فلكيّة ، و بعدها مباشرة يتضخّم عدد " المحلّلين " إلى أضعاف أضعاف عددهم قبل ذلك و يدلي عشرات الآلاف بدِلائهم في الخطط التكتيكية و" الجمل الكرويّة " و نجاعة التغييرات وأداء التّحكيم ..

و في الرياضات الفردية انحسرت الأضواء المسلّطة على نتائج الوفود الرياضيّة لتسلّط في السّنوات الأخيرة على أخبار الوفود ذاتها .. بعد أن أصبح عدد أفراد بعضها بعد المشاركة في تظاهرات دوليّة أقل من الذي غادرت به البلاد ، ففي ألعاب البحر المتوسّط بتارانتو الإيطاليّة تبخّر 3% من الوفد الرياضي في الطّبيعة و لم يعد للبلاد ..!

أما في الاقتصاد، فالأرقام أكثر قسوة فهي مقياس النموّ والتراجع و الرّكود و الإزدهار وعليها يبنى كلّ شيء أو ينهار .. ففي سنة 1960 كان الناتج المحلي الإجمالي لتونس يساوي ثلث الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية وكان نصيب الفرد من الناتج في تونس أكثر من نصيب الفرد في كوريا الجنوبية، ولكن بعد ستة عقود ونصف أصبح ناتجنا الإجمالي ثلث الناتج في المغرب و أقلّ من 5% من ناتج كوريا الجنوبيّة ، وأصبح نصيب الفرد من الناتج في تونس يمثّل حوالي 17% من نصيب الفرد في اليونان و أقلّ من 12% من نصيب الفرد في كوريا الجنوبيّة ..!

و رغم أنّ المقارنات تبقى نسبيّة الدّلالة ، في ظلّ اختلاف المؤهّلات و الموارد و الظّروف و الإكراهات و حتى البيئة الثقافية ، فإنّ المؤدَّى ليس مدحا و لا قدحا بل سؤال بسيط يلخّص كلّ شيء : ماذا فعل كل بلد من هذه البلدان المختلفة خلال العقود الستة التي مرت؟

وكثيرة هي الأمثلة التي تبين حجم الفرص الضائعة و الوقت المهدور ، فقد كان الشغل الشاغل لعدد من المسؤولين إبّان الأزمة غير المسبوقة لانقطاع الكهرباء المتزامن مع موجة حرارة استثنائية البحث عن متّهم مدان قبل البحث و التحقيق : من المسؤول عن قطع الكهرباء ؟ رغم أن السؤال الأهم : ماذا فعلنا و ماذا يجب أن نفعل لتوفير الكهرباء بالقدر الكافي ؟ ووحدها الأرقم تجيب : فلا يكفي القول إن علينا إنتاج المزيد، بل علينا تبيين كم ينبغي أن ننتج : فقد بلغ الطلب الأقصى 6400 ميغاواط في صيف 2026، وهو ينمو بـ 4 إلى 5% سنويا؛ ما يعني أننا سنحتاج إلى نحو 6700 ميغاواط في 2027 و7200 إلى 7400 ميغاواط في 2030، وإلى قرابة 8000 ميغاواط من القدرة المتاحة إذا أردنا هامش أمان معقولا لذلك لا تكفي توربينة برج العامري بـ250 إلى 400 ميغاواط : المطلوب إضافة ألف ميغاواط أو أكثر من القدرات القابلة للتعبئة خلال السنوات القليلة القادمة، بالتوازي مع آلاف الميغاواطات من الشمس والرياح، وبطاريات للتخزين وشبكة نقل أقوى ، فالمطلوب ليس فقط أن ننتج أكثر، بل أن نملك الكهرباء حين نحتاجها،

وفي السياسة، يبدو الرقم أكثر خطورة لأنه يستطيع أن يتحول من معلومة إلى عقيدة فما الذي يجمع بين : عدد الأصوات، و نسبة المشاركة، و عدد المقاعد و عدد الوعود الانتخابية، و عدد الوزراء ، و عدد النواب، و عدد السنوات، و عدد قضايا الفساد المالي ، و عدد الموقوفين… سوى أنها أرقام يفترض أن تساعدنا على فهم الواقع، لكنها كثيرا ما تتحول إلى ذخيرة في معركة الخطابات،

فالرقم الانتخابي، مثلا، يمكن أن يكون عند أنصاره تفويضا مطلقا، وعند خصومه مجرد نتيجة ظرفية، والعدد نفسه لا يتغير، لكن معناه السياسي يتغير بحسب حامل المصدح و جمهور المسرح ،

ثم تأتي القاعدة التونسية الشهيرة : « عندك أرقامك وعندي أرقامي»فالعجز عن تغيير الواقع لا يمنع من تغيير زاوية النظر إليه و تكفي إضافة العبارات للأرقام لتنتج الخلطة : نسبيّة شبه مطلقة ..!

ولأننا ننتمي لأمة اخترعت الصّفر جرّبنا استعمال «الصفر» في إدارة الدولة.. فتعدّدت الفراغات في مستويات متعددة من قيادة هياكل الدولة بعد 25 جويلية 2021 إذ بقيت وزارتا الدفاع والعدل بلا وزير أصيل نحو 78 يوما وظلت وزارة التشغيل 335 يوماً بلا وزير أصيل، والصناعة والطاقة 265 يوماً، والاقتصاد 99 يوماً، و النقل والثقافة 166 يوماً لكل منهما ، أما وزارة الطاقة فقد عادت في 2026 إلى هواية الشغور، فأمضت إلى اليوم 155 يوماً بوزير بالنيابة، تزامن جزء منها مع إحدى أكبر أزمات انقطاع الكهرباء .

وشغرت عديد الولايات إثر إعفاء ولاتها دون تعويض ، من بينها العاصمتان السياسية و الإقتصاديّة ، فانتظرت صفاقس مثلا 119 يوما حتى يأتيها والٍ جديد ، و بقيت تونس دون وال لمدة سنة ، و على المستوى المحلّي لا تزال البلديات دون رؤساء ولا مجالس بلدية منتخبة منذ أكثر من 3 سنوات ..!

أما في الدبلوماسية، فسجّل شهر جانفي 2022 بقاء 20 سفارة وقنصلية بلا سفير أو قنصل، وبعد أشهر ارتفع الرقم إلى أكثر من 30 مركزا بحسب وزارة الخارجية ، و هكذا لم يعد الشغور حالة طارئة، بل آلية لإدارة الدولة لا يتوقف فيها سير الإدارة على غياب رئيسها لأشهر وسنوات فيكفي أنّ المنصب موجود، والكرسي موجود، والدولة أيضا موجودة ، و لكن لا أحد فيها قادر على الجواب عن سؤال بسيط : إن كان المنصب غير ضروري فلِمَ لا يتمّ إلغاؤه و تحويل الأعباء المالية إلى أوجه صرف أنفع و أنجع ، و إن كان ضروريا فكيف يُكيَّف التقاعس عن القيام بما هو ضروريّ و عاجل من تعيينات طيلة هذه المدّة ..!؟

وهكذا يبدو أن مشكلتنا ليست في غياب الأرقام، بل في ضعف المصداقية وتشتّت الأرقام و الإحصائيات و انعدام الرّابط المنهجي الذي يسمح بطرح الأسئلة الصّحيحة ، فهناك رقم لما أنتجناه ورقم لما أنفقناه،ورقم في المخطّطات و رقم في الواقع ، ورقم لما نريد فعله و رقم لما نستطيع تحقيقه ، وبين هذه الأرقام كلها خيط رابط مفقود : الأولويّات..!

بقلم: سمير ديلو

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115