زيت يُصدَّر سائبًا، ونسيج يُصنَّع للغير: كلفة غياب العلامة التجارية التونسية

 

تخيّلوا بلدًا يصدّر، منذ عقود، أجود ما تجود به

أرضه وأمهر ما تنتجه أيادي أبنائه، لكنه يترك لبلدان أخرى تحصيل النصيب الأكبر من القيمة. هذا البلد موجود، واسمه تونس. ففي كل عام، يُصدَّر زيت الزيتون التونسي سائبًا، وتُصنَّع المنسوجات لحساب علامات تجارية أجنبية، فيما تظل السمعة الوطنية والإمكانات الرمزية والتجارية غير مستثمرة على النحو الأمثل. وفي المقابل، تحوّل بلدان أخرى صورتها الذهنية إلى بنية اقتصادية متكاملة ومصدر حقيقي للثروة. لقد آن الأوان لطرح السؤال بلا مواربة: إلى متى ستقبل تونس ببيع منتجاتها من دون أن تسوّق علامتها التجارية؟ يذكّرنا سايمون أنهولت، مبتكر مفهوم «العلامة التجارية للدولة» (Country Brand)، بحقيقة لا تخلو من الصرامة، إذ يقول: «لو كان يكفي أن نقول للعالم إننا ممتازون، لكانت سمعة كل بلد رائعة». فالسمعة لا تُشترى، بل تُبنى بالأفعال على مدى عقود، ولا يُعاد التفاوض بشأنها مع كل دورة انتخابية أو تغيير حكومي.

ما الذي تعلّمنا إياه الدول التي نجحت؟

لا تبيع سويسرا الساعات فحسب، بل تبيع الموثوقية. ولا تبيع ألمانيا الآلات فحسب، بل تبيع الدقة. فهذه الوعود تمثّل عقودًا ضمنية مع العالم، ولا يمكن تغييرها باستخفاف. ولم تتخلَّ سويسرا يومًا عن الوعد الذي ارتبط باسمها، ولعلّ هذا أحد أثمن أسرار نجاحها.

أما ألمانيا، فتقدّم مفارقة لافتة. فقد ابتكر البريطانيون في القرن التاسع عشر عبارة «صُنع في ألمانيا» (Made in Germany) لثني مواطنيهم عن شراء المنتجات الألمانية. لكن ما كان يُراد به الانتقاص من تلك المنتجات تحوّل مع مرور الزمن إلى علامة جودة تحظى بتقدير عالمي. وتحمل هذه السمعة اليوم نحو 1300 إلى 1500 شركة تُعرف باسم «الأبطال الخفيين» (Hidden Champions)، وهي مؤسسات صغيرة ومتوسطة، كثيرًا ما تكون عائلية، تتصدّر أسواقًا متخصصة في مجالات لم يكن كثيرون يتوقعون أن تصبح فيها قوى رائدة.

واستغرقت دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من أربعين عامًا لبناء علامتها الوطنية. بدأت الرحلة مع إطلاق طيران الإمارات سنة 1985، ثم ترسّخ نموذج «دبي إنك» (Dubai Inc.) خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، قبل أن تتبلور العلامة الوطنية رسميًا سنة 2019. وقد اتّسم هذا المسار بتدرّج واضح: الاستقطاب أولًا، ثم توحيد الجهود، ثم تعميق الحضور وترسيخه.

أما اليابان، فقد واجهت تحديات المنافسة الصينية وشيخوخة السكان، فعملت على إعادة تموضعها بوصفها رائدة في الذكاء الاصطناعي المتجسّد والروبوتات، واضعةً خطة تهدف إلى بلوغ عشرة ملايين روبوت بحلول سنة 2040. وهكذا، يمكن للعلامة الوطنية أن تتطوّر وتتجدّد من دون أن تتنكر لهويتها.

المفارقة التونسية

تمتلك تونس رصيدًا غنيًا من مقوّمات العلامة الوطنية: تاريخًا يمتد لثلاثة آلاف عام، وتراثًا معترفًا بقيمته العالمية، وطابعًا جماليًا تجسّده ألوان الأبيض والأزرق التي يسهل التعرّف إليها، وقوة تأثير ثقافي واجتماعي ناعمة ذات خصوصية في العالم العربي، فضلًا عن رأس مال بشري يحظى بسمعة طيبة. ومع ذلك، لا تتحوّل هذه الثروة الرمزية إلى قيمة مضافة بالقدر الذي تستحقه.

ويظل زيت الزيتون المثال الأبلغ والأشد إيلامًا. فقد ظلّت تونس لعقود من كبار مصدّري زيت الزيتون في العالم، لكنها اعتادت تصدير جانب كبير من إنتاجها سائبًا، في ظل الدور الاحتكاري الذي اضطلع به الديوان الوطني للزيت. ونتيجة لذلك، بقيت القيمة المضافة المحلية محدودة، بينما استحوذت شركات التعبئة الأجنبية على الجزء الأكبر منها، إذ تضع أسماءها وعلاماتها التجارية على القوارير التي تصل إلى المستهلك النهائي.

وقد عاشت إسبانيا وضعًا مشابهًا. ففي مطلع الألفية الثالثة، استحوذت على العلامة التجارية «كارابيلي» (Carapelli) بهدف فتح أسواق الولايات المتحدة وكندا أمامها. لقد أدركت أن الإنتاج وحده لا يكفي، بل لا بد من امتلاك الاسم الذي يظهر على الملصق، أي العلامة التي يتعرّف إليها المستهلك ويربط بها المنتج. واليوم، لا تتجاوز نسبة صادرات تونس من زيت الزيتون المعبّأ نحو 15%. وهنا تكمن المشكلة: إنها ليست مشكلة صناعية في المقام الأول، بل مشكلة تتعلق بالعلامة التجارية والقدرة على امتلاك القيمة التي يخلقها المنتج.

ويروي قطاع النسيج القصة ذاتها. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بنت تونس صناعة نسيجية تحظى بالاعتراف، وتمكّنت من استقطاب كبرى الشركات العالمية التي تتعاقد معها لإنتاج الملابس والمنسوجات. وقد راود كثيرين حلم إطلاق علامات تجارية تونسية خاصة بهم، لكن أحدًا لم يتمكّن من تحقيق اختراق حقيقي في الأسواق العالمية.

فحتى الانتقال إلى التصنيع المشترك أو التعاون في مراحل أكثر تقدمًا من الإنتاج لا يصنع علامة تجارية بحد ذاته. وقد يرفع هذا الانتقال هوامش ربح المصانع التونسية، لكنه لا يمنحها بالضرورة القدرة على الاستحواذ على القيمة الكاملة للمنتج أو التحكم في صورته ومكانته في السوق.

ما الذي ينبغي تغييره؟

الدولة ليست الجهة القادرة على صناعة علامة تجارية ناجحة بمفردها. فدورها يتمثّل في التنظيم، وتحقيق الاستقرار، وتوفير الضمانات. أما بناء العلامة التجارية، فهو مسار يتطلب المجازفة والإصرار والصبر. ويتشكّل هذا المسار بالشراكة مع المؤسسات والشركات، كما تُظهر تجارب سامسونغ في كوريا الجنوبية، وإيرباص في أوروبا، وصناعة الساعات في سويسرا.

وقد استوعبت تركيا هذا الدرس من خلال برنامج «توركواليتي» (Turquality)، الذي أُطلق سنة 2006 لمرافقة الشركات التركية ودعم توسّعها في الأسواق الدولية. أما تونس، فتحتاج إلى العمل على سبعة محاور أساسية:

1. *إرساء حوكمة موحّدة للعلامة الوطنية:* من خلال إنشاء مكتب للعلامة التجارية التونسية (Tunisia Brand Office)، يكون مرتبطًا بأعلى مستويات الدولة، ويضع حدًا لتشتّت الجهود بين الديوان الوطني التونسي للسياحة، ووكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، ومركز النهوض بالصادرات.

2. *بناء علامات فرعية إقليمية قوية:* تتيح لمختلف جهات البلاد تقديم روايات متميزة عن هويتها وخصوصيتها وإمكاناتها، ضمن صورة وطنية متكاملة.

3. *الانتقال من نموذج التكلفة المنخفضة إلى نموذج «الجودة الراقية المسؤولة»:* في قطاعَي السياحة والصناعات الغذائية، بما يسمح بتثمين الجودة والأصالة والاستدامة، بدلًا من الاكتفاء بالمنافسة على أساس السعر. 4. *جعل الشركات التونسية السفراء الحقيقيين للعلامة الوطنية:*عبر دعم قدرتها على الابتكار، وبناء علاماتها الخاصة، والنفاذ إلى الأسواق العالمية بأسماء تونسية قادرة على المنافسة.

5. *تفعيل القوة الناعمة للجالية التونسية بالخارج:* والاستفادة من خبراتها وشبكاتها المهنية والتجارية وعلاقاتها الدولية للتعريف بالمنتجات والكفاءات التونسية وفتح أسواق جديدة أمامها.

6. *اعتماد سردية بصرية موحّدة ومتقنة:* تقوم على هوية بصرية متماسكة، ورسائل واضحة، وصورة مميزة لتونس يسهل التعرّف إليها وتذكّرها في مختلف الأسواق.

7. *ترسيخ الاستراتيجية في المدى الطويل:* بعيدًا عن التقلبات السياسية وتغيّر الحكومات، وضمان استمراريتها من خلال رؤية وطنية مشتركة والتزامات مؤسساتية مستقرة.

الزمن الطويل… أو لا شيء

استغرقت الإمارات أربعين عامًا، واليابان خمسين عامًا، وسويسرا قرنًا كاملًا، وتركيا نحو عشرين عامًا لبناء مكانتها وتعزيز علاماتها الوطنية. أما تونس، فهي تمتلك بالفعل معظم المقوّمات اللازمة: تاريخًا عريقًا، وأصالة نادرة، ورأس مال بشريًا معترفًا بكفاءته، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا. وما ينقصها هو التنسيق والاستمرارية.

ما دام زيت الزيتون التونسي يُصدَّر سائبًا، وما دامت المنسوجات التونسية تُصنَّع لحساب علامات أجنبية، فستظل تونس مجرّد مورّد للمنتجات. أما حين تصبح قادرة على إنتاج علامات تجارية تمتلكها وتتحكّم فيها، فستصبح قادرة على إنتاج الثروة والاحتفاظ بنصيب أكبر من القيمة التي تخلقها.

وحين تنجح في تنسيق روايتها الوطنية، ودعم رواد الأعمال، وتعبئة طاقات جاليتها في الخارج، ستبدأ في بناء قوة اقتصادية ورمزية حقيقية. فالعلامة الوطنية لا تُفرض بقرار يصدر عن وزارة الاتصال، ولا تُختزل في حملة إعلانية أو شعار جذاب. إنها تُبنى داخل المصانع والجامعات والمتاحف والمطارات، وفي كل فضاء تتشكّل فيه صورة البلد لدى مواطنيه ولدى العالم. وهي، قبل كل شيء، ثمرة تحالف بين دولة تؤمّن الاستقرار وتنسّق الجهود، ورجال أعمال يمتلكون الرؤية والاستعداد للمخاطرة، وكفاءات من أبناء الجالية تقبل بأن تحمل اسم بلدها إلى أسواق العالم. إن الدول التي ستدرك هذه الحقيقة وتعمل بمقتضاها ستمتلك ميزة تنافسية حاسمة. أما الدول التي ستتأخر عن استيعابها، فستواصل بيع منتجاتها، فيما يواصل الآخرون جني القيمة الأكبر من أسمائها وعلاماتها التجارية.

بقلم شكيب بن مصطفى

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115