حين تحتاج القوةُ إلى غباء الآخرين

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تجمّعٍ انتخابي

بمدينة كلاركسفيل (Clarksville) بولاية تينيسي، يوم السبت 10 أكتوبر، إن بإمكانه أن يقول «أغبى الأشياء» أمام أنصاره، ومع ذلك سيصفّقون له. فقابله الحضور بالضحك والتصفيق. وأضاف: «هذا صحيح»، قبل أن يستدرك سريعًا، فيما بدا محاولةً لتدارك ما قد تثيره تصريحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، فقال إن ما يطرحه ليس «أغبى الأشياء»، بل أفكارٌ تقوم على المنطق السليم، محافظةٌ في معظمها، لكنها في الأساس «أمور منطقية».

لا تهمّنا الواقعة في ذاتها بقدر ما يهمّنا ما تعنيه في سياقات الزمن الراهن. فالضحك والتصفيق هنا ليسا ردّ فعلٍ على مضمون، بل على الاستعداد لقبول أيّ مضمون. هنا لدينا خطيبٌ يعلن أن جمهوره سيصفّق لأيّ كلام، وجمهورٌ يصفّق لإعلانه ذلك. ولعلّ الاستدراك اللاحق أدلّ من العبارة نفسها، إذ يكشف أن قائلها يدرك أنها قد تُتداول خارج القاعة، أمام من لا يصفّقون. وليس المقصود هنا الحكم على أنصار سياسي بعينه، فالمشهد يتكرّر في سياقاتٍ كثيرة، ومنها سياقنا العربي.

ولهذا سنتحدّث هنا عن «الغباء» في المجال العام، لا عن الغباء الشخصي في مواجهة الذكاء الفردي، ولا عن مقاييس الـIQ، ولا عن القدرات التعليمية وإمكانات النجاح والإخفاق الدراسيين. فما نعنيه هو السياقات العامة التي تدفع جموعًا واسعة من الناس إلى رفض التفكير في الشأن العام، حتى في أبسط مستوياته، فتقبل ما يُقال لها وتكرّره، وتدافع عنه بسيلٍ من الشتائم، حتى إن كانت متفوّقة دراسيًا وقادرة على اجتياز أصعب الاختبارات الجامعية. إنه رفضٌ للتفكير يتخذ صورة قرارٍ مضمَر في سياقٍ شعبي عام. وهنا لا يعود الغباء السياسي إلى عائقٍ عضوي في العقول، بل إلى ظرفٍ يُفرَض بشكلٍ ما على أصحابها. هكذا قرأ ديتريش بونهوفر (Dietrich Bonhoeffer)، وهو يكتب إلى رفاقه في المقاومة ضد الحكم الشمولي في ألمانيا أواخر عام 1942، قبل اعتقاله بأشهر، ما رآه أخطر من الشرّ نفسه. فالشرّ، ما دام يترك في الضمير قلقًا، يظلّ قابلًا للفضح والمقاومة، أمّا الغباء فيُغلق باب الحجة والجدل أصلًا. ويصبح السؤال إذن: ليس من هم الأغبياء؟ بل: من يحتاج إلى غبائهم، وبأيّ أدوات وفي أيّ سياق يصنعه، وكيف يمكن أن يدوم؟

الغباء المُحدث

في «بعد عشر سنوات» (After Ten Years؛ Nach zehn Jahren)، ضمن «رسائل وأوراق من السجن» (Letters and Papers from Prison؛ Widerstand und Ergebung)، يقرّر بونهوفر أن الغباء عيبٌ إنساني لا عقلي. فثمّة أذكياء أغبياء، وبسطاء أبعد الناس عن الغباء. ويلاحظ أن هذا النوع من الغباء يظهر في الجماعات أكثر منه عند الأفراد المنعزلين، وأن كلّ هيمنةٍ قويّة للسلطة في المجال العام، سياسيةً كانت أم دينية، تصيب جزءًا كبيرًا من البشر به. ثم ينتهي إلى ما يصلح مفتاحًا لهذا المقال: قوّة طرفٍ مهيمن تحتاج إلى غباء الطرف الآخر الأضعف.

ليست العملية ضمورًا في القدرات الذهنية، بقدر ما هي تجريدٌ من القدرة على التفكير النقدي المستقل. يتخلّى الناس، بوعيٍ أكبر أو أقلّ، عن بناء موقفٍ مستقلّ إزاء ما يحدث، فيبدو المرء، وأنت تحادثه، كأنك تحادث شعاراتٍ وعباراتٍ رائجة قد استولت عليه. وفي هذه الحال يصبح الإنسان أداةً قادرة على أيّ شرّ، وعاجزةً عن رؤيته شرًّا.

 وخضوعٌ يُقبَل

قبل بونهوفر بنحو أربعة قرون طرح رجل القانون الفرنسي إتيان دي لا بويسي (Étienne de La Boétie) السؤال من الجهة المقابلة في «مقالة في العبودية الطوعية» (Discours de la servitude volontaire، ويُعرف أيضًا بـ Le Contr'un): كيف يحكم واحدٌ ملايين، وهو لا يملك إلا ما يمنحونه؟ كتب النصّ شابًّا، ونُشر بعد موته، وحفظ صديقه ميشيل دي مونتين (Michel de Montaigne) ذكراه. ويفسّر لا بويسي مفهومه في الخضوع وكيفية التحرر منه بثلاثة أمور. أولها العادة، فمن نشأ تحت الظلم ظنّه طبيعة. وثانيها هرم المنتفعين من النظام القائم، إذ تلتفّ حول القائد قلّةٌ تستفيد منه، وتمسك كلٌّ منها بحلقةٍ أدنى، حتى يبلغ التعاون قاعدة الهرم. وثالثها أن التحرّر لا يتطلّب عنفًا، بل سحب القبول أو رفضه.

يبدو بونهوفر ولا بويسي على طرفي نقيض. فأحدهما يرى الناس «يُجعَلون» أغبياء، والآخر يسمّي خضوعهم «طوعيًّا» (volontaire). غير أن التوتر بين التعبيرين لا يعني استحالة تعايشهما في الواقع. فالخضوع لا يُفرَض بالقوة وحدها، ولا يُختار بحرّية كاملة؛ تصنعه السلطة والعادة والمنفعة معًا، ثم يشارك الناس بشكلٍ ما في استدامته.

مرحلةٌ تستغرق زمنًا لكنها لا تدوم

يضيف ابن خلدون ما يغيب عن الاثنين، وهو الزمن. فهو يقرأ السلطة في «المقدّمة» بوصفها دورةً زمنية تقوم على العصبية، ثم تتحوّل، بالغلبة والجباية والترف، إلى جهازٍ يصنع أتباعه. ويلاحظ كذلك أن المغلوب يميل إلى الاقتداء بالغالب، وأن الدولة، كالكائن، تشيخ. تمنحنا هذه القراءة إطارًا حيًّا نفهم به كيف يتحوّل الاجتماع من مصدر قوةٍ إلى مصدر طاعة، وتذكّرنا بأن الاستبداد، مهما بدا مستقرًّا، لا يملك الخلود.

تبريرٌ يتجدّد

قد يبدو طبيعيًا أن تتجاوز فرنسا وألمانيا ومجالاتٌ أخرى، غربيةٌ أو من دول الجنوب، المخاوف التي شغلت بونهوفر ولا بويسي، من «العبودية المختارة» إلى «صناعة الغباء المعمَّم»، وطبيعيٌّ بالقدر نفسه أن تبقى هذه المخاوف قائمة في مجالٍ جيوسياسي مثل المجال العربي، حيث تصمد التسلطية وتبعاتها من «الخضوع الطوعي» و«الغباء العام». غير أنه لا يصحّ أن يُختزل الأمر في «ثقافةٍ عربية مستديمة»، فهذا فخّ ثقافويّ يُحوِّل الظرف إلى جوهر. والأدقّ أننا هنا إزاء خطابٍ تبريري يُعاد إنتاجه في ثلاثة مستويات. الأول فقهي سياسي، يقدّم درء الفتنة على رفع الظلم. والثاني أبوي، يقدّم الحاكم أبًا والدولة راعيةً، وهو ما وصفه هشام شرابي بـ«النظام الأبوي المستحدث» (neopatriarchy) في كتابه «النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي» (Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society). والثالث تعبوي، يؤجّل السياسة كلّها باسم المعركة أو الأمن أو التنمية.

وفي التراث العربي نفسه نقدٌ مبكّر لذلك. فعبد الرحمن الكواكبي، في «طبائع الاستبداد»، يرى أن الاستبداد يُفسد الأخلاق والعقل، ويصنع رعايا يحمون جلّاديهم. ووجود هذا النقد يدفع تهمة الجوهر الثقافي، لأنه يثبت أن الوعي بالمشكلة قديم ومحلّي.

حين يصمد النظام

يزداد الأمر تعقيدًا حين نستحضر الجيوسياسة. فالأنظمة التسلّطية في المنطقة لم تصمد بقمعها الداخلي وحده. صمدت لأن الخارج أمّن لها غطاءً، من تحالفات الحرب الباردة إلى زمن مكافحة الإرهاب، في سياق حاجة المركز الغربي إلى منطقةٍ راكدة تُرتَّب وفق هرميةٍ تضع «الكيان» في مركز القرار، ولأن الاستقرار ظلّ أولوية على الإصلاح في حسابات القوى الكبرى. وصمدت لأن اقتصاد الريع موّل أجهزتها وشبكات المنتفعين، فكان «هرم لا بويسي» جاهزًا بالمال. وصمدت أخيرًا لأن ذاكرة الانهيار في العراق وسوريا وليبيا واليمن جعلت الفوضى تجربةً محسوسة، لا مجرد تهديدٍ في الخطاب.

بهذا ينتقل الخضوع من عادةٍ تُورَّث إلى مصلحةٍ يُقتنع بها. وكلّما نجح النظام في اجتياز اختبارٍ جيوسياسي عسير، كسب حجّةً جديدة: انظروا ما حلّ بمن خرج عن السائد. فتتضاعف قوّته، لأنه يصير مبرَّرًا من الداخل وهو مفروضٌ من الخارج. وتضيف الأستاذة في جامعة شيكاغو ليزا ويدين (Lisa Wedeen)، في كتابها «السيطرة الغامضة» (Ambiguities of Domination)، مستوىً أخيرًا حين تُظهر أن الناس قد يؤدّون الطاعة علنًا وهم لا يؤمنون بها، وهذا يعني أن الإذعان الظاهر لا يقيس القناعة الحقيقية.

تونس: اختبار السؤال

تقدّم تونس حالةً نادرة لمساءلة هذا كلّه. ففي 2011 توقّف كثيرون عن القبول بالسائد، وأثبتت التجربة ما قاله لا بويسي عن قوّة الامتناع الجماعي. لكن ما تلاها أثبت ما قاله بونهوفر أي أن سحب القبول لا يكفي وحده. فالتحرّر الداخلي، كما يرى، لا يصير ممكنًا في أغلب الحالات إلا بعد أن يسبقه تحرّرٌ خارجي، أي بعد أن تُبنى مؤسساتٌ وظروف، اقتصاديةٌ واجتماعية خاصةً، ومعها الشعور بالكرامة إزاء الخارج والداخل، تحمي استقلال الناس وتصون حكمتهم. ومتى غابت هذه الظروف، عادت الشعارات لتملأ الفراغ، وعاد خطاب الشعب والإنقاذ والعدوّ الداخلي ليعرض نفسه بديلًا عن التفكير.

والمفارقة أن الخطاب الشعبوي-المؤامراتي، وهو يرفع شعار الشعب الصالح الذي يواجه مؤامرات النخب الطالحة، يحتاج في الحقيقة إلى ما يحتاج إليه كلّ استبداد، أي جمهورٍ يردّد ولا يسائل. ولعلّ مشهد كلاركسفيل يختصر ذلك: خطيبٌ يراهن على تصفيق جمهوره أيًّا كان الكلام، ثم يستدرك حين يخشى أن يصل الكلام إلى من لا يصفّقون. وهذا هو قلب فكرة هذا المقال، أي أن الغباء السياسي ليس صفةً في الجماهير، بل أسلوب حكمٍ يُستثمَر فيها عبر الزمن.

خاتمة: على ماذا تراهن السلطة؟

يترك بونهوفر لنا عزاءً في ختام مقاله، فهو يمنعنا من عدّ أغلبية الناس أغبياء في كل الأحوال. ويربط الأمر بما يتوقعه أصحاب السلطة منهم، أيراهنون على غبائهم، أم على استقلالهم الفكري وحكمتهم؟ فمن يراهن على الغباء يحتاج إلى الشعارات والخوف والريع. ومن يراهن على التفكير النقدي المستقل يحتاج إلى مدرسةٍ وصحافةٍ ومؤسساتٍ تحمي الحق في الرأي. وبين الرهانين تتحدّد حدود الحرّية، لا في المجال العربي وحده، بل حيثما وُجدت سلطةٌ تقول للناس إن التفكير عبءٌ يمكن أن تحمله عنهم.

بقلم: طارق الكحلاوي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115