في (الياقوتة السوداء) لموسى غافل الشطريّ : سيمياء الشخصيّات وصراع الخير والشرّ

موسى غافل الشطريّ قاصّ وروائيّ عراقيّ من

مواليد العراق عام 1956، عاش بين مدينة الشطرة بمحافظة ذي قار، وقضاء الحي بمحافظة واسط، وكان على تواصل وثيق مع الحياة الريفيّة في كلتا المدينتين حتى أطلق عليه بعض الأدباء لقب(موسى الحي شطريّ)، وهو لقب يختزل مساري حياته ومصدري إلهامه معا. كتب الشطريّ أوّل قصة قصيرة عام 1962، وأصدر جملة من المجموعات القصصيّة أبرزها(الجذور المتوحشة) و(فناءات قزحية) و(ذات الإطار الأبنوسيّ) و(سندباديون)، فضلاً عن روايتي (ليل معدني) و(الياقوتة السوداء)، وأسلوب الشطريّ في السرد يقوم على التدرج البطيء من العام إلى الخاصّ؛ إذ يبني عوالمه بصبر المصوّر الذي لا يُسرع نحو موضوعه قبل أن يُرسي خلفيّته، ثمّ يتقدّم نحو شخصيّاته خطوة خطوة حتى يكشف ما في أعماقها. ولغته تجمع بين السهولة الظاهرة والعمق المضمر؛ فجمله السرديّة تبدو بسيطة في قراءتها الأولى، لتنكشف دلالاتها الحقيقية بعد حين، ممّا يجعل قارئه في حالة تنبّه دائم، وقد وظّف هذا الأسلوب توظيفابالغا في روايته(الياقوتة السوداء) لتلتقط لقطتها الكبرى من عمق المشهد الإنسانيّ في الريف.

 تبدأ الرواية بلقطة عامة، واللقطة العامة في لغة السينما هي تلك التي تلتقط الفضاء الكلّيّ الذي ستجري فيه الأحداث؛ إذ يرسم الشطريّ خلفيّة بصريّة واسعة يتّكئ عليها في بناء التفاصيل، حيث(الهدوء الأخّاذ، منظر الطبيعة الخلّاب، زخات المطر، الأرض البليلة، نقاء الصباح، الريح العذبة، رفيف جناح الطير، الرعاة وأغنامهم)، ثمّ(دروب المدينة،وأسراب الطيور، ومزارع القمح والمراتع والمواشي)،وهذه اللقطة العامّة تمثّل السياق التأطيري الذي يُهيئ المتلقّي لاستقبال الخطاب السرديّ وفهم دلالاته، فالمعنى عنده يُبنى على خلفيّة مشهديّة وثقافيّة يُرسيها بعناية قبل أن يُطلق أحداثه.

 وعند اكتمال هذه الخلفية تبدأ كاميرا الشطريّ بتقريب اللقطة، وهي اللقطة المتوسطة التي تصوّر الشخصيّات داخل ديكور معيّن؛ لترصد حياة الريف عبر حكايات (فدعة) لأطفال المدينة، من أيام الحصاد وأغاني الريفيّات ورقصهن وجمع البيض والبيادر والسقي، حتى تنهمر أسئلة الأطفال: "خالة فدعة حلوة حياتهم – شنويتفلحون خالة"، وهذه الأسئلة البريئة تؤدّي وظيفة تداوليّة مزدوجة؛ فهي في ظاهرها استفهام، وفي باطنها تعرية لهوّة الوعي بين من يعيش الريف ومن يتخيّله، ثمّ تتقدّم الكاميرا نحو اللقطة الكبرى، وهي اللقطة التي تُلغي المسافة، وتركّز على شيء واحد مكبّر، لتكشف ما لا تراه العين العادية، وتتجسّد هنا في زواج سعدة من (خلف سركال الشيخ حرب)، هذا الشيخ المعروف بالحظ والبخت حتى بات في مخيلة سعدة كائنا خارج المألوف، تتمنّى لو تجالسه وتحكي معه،"فهذا الذي يتعمم بعمّة الأولياء لا يستطيع أحد أن يشكّ بكون أحشائه أطهر من الجوهر"، وهنا يشتغل ما يسمّى في التداوليّات التناقض بين المعنى الصريح والمعنى المضمر؛ إذ تُحرّك الرواية أدواتها اللغويّة لتكشف، عبر اللقطة الكبيرة جدّا التي تلتقط التفاصيل الدقيقة بأسلوب التكبير الشديد، أنّ الشيخ حرب إنسان بالغ القباحة والسذاجة موصوف بالغدر وتدبير المكائد، فالصورة المعلنة اجتماعيّا تُناقض الحقيقة المُضمرة سرديّا.

 وترميرواية (الياقوتة السوداء) إلى إظهار هوية مجتمع الريف العراقيّ، فيظهر صور الخير في مواجهة الشرّ؛ فيرسم شخصيّاته مركّزا على خفاياه وعاداته وتقاليده، مجسّدا صور الظلم الاجتماعيّ الذي بلغ حد الانتهاكات الجسديّة المتواصلة على نساء القرية وتصفية رجالها وإقصائهم، والرواية في مجملها صرخة تذكير بمجتمع أبادته الأنظمة الاجتماعية الجاهلة، وفيها يجسّد الشطريّ إيمانه العميق بثوريّة الأدب، ومن يتناول مجتمع الريف يحتاج إلى معرفة حقيقية به وتغلغل بين سكانه للوقوف على أسراره وخفاياه، يُضاف إلى ذلك الجرأة على اقتحام مناطق جديدة في اللغة واكتشاف علاقاتها. والرواية بما تملك من إمتاع تجرّ القارئ إلى سياحة تدمج المتناقضات، اعتمد فيها الكاتب على الموضوعيّة والواقعيّة الاجتماعيّة والفن اللغويّ والأسلوب الأدبيّ وشيء من التحليل الفكريّ الحواريّ وتوصيل المعنى بالإحساس.

والشطريّ يُفخّخ سرده بجمل تشير إلى معانٍ عميقة تكشفها الرواية بعد حين، وهذه الجمل أفعال كلاميّة غير مباشرة بمفهوم التداوليّات؛ إذ تصف في الظاهر وتُنذر في الباطن، ففي سياق ولادة سعدة يقولالشطريّ: "كأنها ترفض رؤية العالم الجديد"تمهيدا لما ستعيشه من مصائب، وفي سياق قصص الريف يقول: "ذلك الذي بالغت فيه أمها"، ويتجلى ذلك في علاقة (بدر) بـ(بدرية)؛ إذ يقول: "بحنان متدفّق يشوبه القلق المبهم - تضع يده اليمنى على قلبها ثم تقبله"، وتلك اليد اليمنى نفسها أطلقت رصاصة الموت في قلبها أوّلا ثمّ في فمها، فهذه الجمل السرديّة تشير إلى أحداث مهمّة تكشفها الرواية شيئافشيئا.

والروائيّ الشطريّ بارع في رسم الشخصيّة عبر سيميائية الأسماء؛ فالأسماء في روايته حاملة لأبعاد رمزيّة وتداوليّة في آنٍ واحد؛ إذ لم يختر أسماء عشوائيّة يُلصقها بشخوصه،وإنّما مثّلت كلّ تسمية فعلا دلاليّا مقصودا، خذ مثلا (بدرية)، فهو اسم يوحي بجمال صاحبه ورقّته، وهو ما يُجسّده السرد فعلاً:"تلك الملامح التي لم تحظَ بها ابنة ريف على الإطلاق"، هذه الفتاة التي رسمت الرواية عذريتها؛ إذ لم تسمح حتى لأشعة الشمس بالولوج إلى وجهها والتلاعب بمفاتنه، تُقتل بذريعة"غسل العار"، وهو بوح بأنّ هذه الذريعة ما هي إلّا كذبة لتحقيق هدف فاسد، وتلك سعدة (السوداء) بيضاء القلب والسريرة، كلّ ما يصدر منها ممدوح كطيب رائحة السعد: "خد سعدة ريحته مثل المسك"، والتضاد بين اسمها وبؤسها قاد إلى سيادة التخيلات المشوشة التي خلطت بين الحلم والحقيقة، فسعدة غالبا ما تجد نفسها منقسمة على ذاتها: "يمه ليش همه سود... فدوة يمه - عود ليش الله ما خلق الناس خلقة وحدة؟ لو بيض لو سود مو أحسن، لا يمه هذا الكلام حرام قابل الله ما عنده بيها غاية –غايتيش"،وهذا تناقض بين الدال ومدلوله يُشكّل محورا من محاور الصراع الداخلي للشخصية؛ إذ يعكس حالة التمزق الهوياتي التي تعيشها سعدة بين ما تُسمَّى به وما تعيشه، وتبلغ سيميائية الأسماء ذروتها في(الشيخ حرب) صاحب الحظ والبخت؛ فالحرب اسم جامع لكلّ معاني الانتهاك وسلب الحريات، وهو معنى يتجسد في هذه الشخصية حتى يمكن القول إنّ الشطريّ أنسن المعاني وبثّها في شخوصه؛ فأصحاب الحظ والبخت يسيّرون الأمور لمصالحهم على حساب الآخرين، يبتزّون أعراضهم وهم في الوقت نفسه رعاة كرامة الناس وعزّتهم في مخيّلتهم، حتى يؤمن بهم الناس إيمانا يبلغ حد العبادة.

 وقاموس الشطريّ يختلف من شخصية إلى أخرى؛ فالألفاظ الرقيقة ترافق الرقيق، والألفاظ الخشنة توافق (حرب)، وألفاظ الذل والهوان توافق (خلف)لفظاومعنى، وهذه الشخصيات على الرغم من رمزيّتها يجمعها قاسم مشترك،وهو البحث عن السعادة والحياة الآمنة، لكن بطرق متباينة شرعيّة وغير شرعيّة، وهذا محور الصراع في الرواية.

 يضع الشطري القارئ أسير قلمه ينتقل به بين سطور الموت والحياة، وهي حياة مشحونة بكلّ معاني الذل والهوان، فأهل الريف مسلوبو الإرادة، وإذا ماتوا"مهما كان قربهم من حرب" لم يُحدث ذلك خللاً ملحوظا، بخلاف المدينة؛ إذ"كان الحدث المؤلم يوجع المدينة بأكملها"،وهذا تفاوت في قيمة المتلقي داخل منظومتين اجتماعيتين متناقضتين: المدينة والريف، وألفاظ الجوع والحرمان التي سردت حال سعدة وأبيها وأمها أقامت مقاربة فنّيّة بينهما، وجسّدت في الوقت نفسه الصراع القيميّ والأخلاقيّ بينهما إلى حدّ العزلة، وظهر ذلك في انعزال الزوجة صفيّة الحضريّة عن باقي زوجات الشيخ حرب، ولم تقترب إلّا من سعدة كونها من المدينة.

 وخاتمة الرواية نهاية مفتوحة على أفق من التشاؤم وانعدام الأمل؛ فكلّ مصادر النور قد انطفأت وضاع بريقها: بدر وبدرية وشمران حتى سعدة البيضاء، وهذا الانفتاح، بالمفهوم التداوليّ، موقف إنجازيّ يوجّهه الشطريّ إلى قارئه؛إذ لا يمنح الروائيّ الشرّ انتصارا كاملا، فشخصيّات روايته المظلومين (بدر وبدرية وسعدة)، وإن طواهم الموت،تركوا في النفس أثرا لا يمحوه ظالم؛لأنّ الخير حين يُهزم بالقوّة لا يُهزم في الضمير، وهذا ما يفعلها لأدب حين يكون صادقا؛ إذ لا ينتصر للخير بتغيير النهايات، ولكنّه يجعل القارئ يخرج من الرواية مؤمنا به على الرغم من كلّ شيء.

بقلم: د. هاني كنهر العتّابيّ/ أكاديميّ عراقيّ

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115