التربية العمرانية: درس تونسي في توطين الأفكار الوافدة 2/4 من الفكرة إلى الممارسة: ماذا تعلمنا التجارب؟

رأينا في الجزء الأول كيف غيّرت تونس اسم

مشروع «التربية السكانية» ومدخله وأبقت غايته: التوطين تغيير في الطريق لا في الوجهة. ويقودنا ذلك إلى سؤال طرحته اليونسكو في تقريرها الصادر في نوفمبر 2021 حول مستقبل التعليم في أفق 2050: ماذا يجب أن نواصل؟ وماذا نتخلى عنه؟ وما الذي نحتاج إلى ابتكاره من جديد؟ وفي ذاكرتنا التربوية ما يصلح لاختبار هذه الأسئلة.

ما نحافظ عليه؟ أن نبدأ من حاجات المتعلم، وأن نصل المعرفة العلمية بمرجعياتنا الثقافية والقانونية، وأن نكوّن المدرّس قبل إدخال المحتوى أو بالتوازي معه، وأن نتعلم من الخارج دون أن نذوب فيه. فالاستناد إلى مرجع دولي ليس مشكلة في حد ذاته؛ فقد استند إصلاح 2002، مثل التربية العمرانية، إلى أطر دولية. المشكلة تبدأ عند الانتقال من المرجع إلى الممارسة. لذلك فالسؤال ليس: هل استندنا إلى مرجع خارجي؟ وإنما: ماذا حدث بين المرجع والممارسة داخل الفصل؟

وما نتخلى عنه؟ ثلاثة أشياء يسهل الخلط بينها: رفض الفكرة بسبب مصدرها دون فحص مضمونها؛ وتبنّي الواجهة، أي تبني خطاب أو معيار أو مشروع دون بناء شروط انتقاله إلى الممارسة؛ والارتهان لتمويل خارجي دون تصور لاستدامة التجربة بعد انتهائه. لا يكفي أن نرفض الفكرة بسبب مصدرها، ولا أن نقبلها بسبب مصدرها؛ ففي الحالتين نتوقف عن فحصها.

وقد رصدت الباحثة بياتريس هيبو، في تحليلها لتونس في عهد بن علي، جانباً من هذا النمط: أن تصبح الإصلاحات والمعايير المستوحاة من النماذج الدولية وسيلة لإظهار البلد كـ«بلد سبّاق» رغم محدودية نتائج برامجه، وهو ما تختصره بعبارة.«le primisme tunisien».وتكشف التربية العمرانية الفرق: لم تكتفِ بتبنّي مرجع دولي، بل حوّلته إلى تكوين وممارسة وأثر استمر بعد انتهاء المشروع.

كان إصلاح 2002 واسع الطموح، شمل البرامج وطرائق التدريس والتقييم والتوجيه والتكنولوجيا والتعلمات الاختيارية... فكيف ترك فجوة بين ما نص عليه وما استقر في الممارسة؟ تبدأ الإجابة من فكرة المشروع نفسها، خياراً استراتيجياً تمسكت به الوزارة حتى بعد تعثره: فحين ألغت التعلمات الاختيارية، أعادت طرحه في الشهر ذاته بصيغة أخرى. أربع تجارب تتقاطع فيها الفكرة: التعلمات الاختيارية، ثم «إنجاز مشروع»، ثم مشروع المؤسسة، وأخيراً الإعداديات التقنية.

كانت التعلمات الاختيارية، وما تلاها من مادة «إنجاز مشروع»، أقرب الأمثلة إلى التربية العمرانية، وهما معاً موضوع أطروحتنا للدكتوراه. أُطلقت التعلمات الاختيارية سنة 2003 وشملت أكثر من ربع مليون تلميذ، ثم توقفت في مارس 2006 أمام إصرار نقابة التعليم الثانوي على إلغائها. وقد عبّر نجيب الزبيدي، المتفقد الذي شارك في بحثنا وعايش التجربة عن قرب، عن هذه المفارقة بقوله: «فجأة أسقطت الوزارة تجربة فيها الكثير من الخيال والمرونة... على واقع ظل لسنوات طويلة يتصف بغلبة الآلية والنظام والانضباط الحرفي للنصوص والقوانين». فكرة مرنة أُدخلت إلى منظومة لم تتهيأ لحملها: الشرط الغائب كان التدرّج والتكوين والمرافقة.

وجاءت مادة «إنجاز مشروع» لتعوضها بمفارقة معاكسة: ففي الشهر نفسه أدرجها منشور التوجيه المدرسي المؤرخ 30 مارس 2006، ضمن جدول المواد الاختيارية، في فقرة قصيرة جداً - إدراجاً بهدوء لا إعلاناً - وبلغ عدد مختاريها في انطلاقتها 1042 تلميذاً، مقابل ربع المليون الذين شملتهم التجربة الأولى. وارتبط إطلاقها أيضاً بالتزام تجاه ممولين دوليين يتابعون مؤشر المبادرة وبعث المشاريع، فكان لا بد من إبقائها ولو عند حدها الأدنى. وفي غياب التأطير، انحرفت عن أهدافها، وتصاعد الإقبال عليها حين اكتشف التلاميذ، على حد تعبير أحدهم، أنها «لا تفعل شيئاً وتحصل على 18 من 20»، حتى شاعت كـ«أسهل مادة اختيارية»، قبل إلغائها سنة 2015. وامتد أثر هذا الانحراف إلى اختيارات مواد أخرى، وفي مقدمتها اللغات الأجنبية الثالثة: فمن 0.84% من تلاميذ الثالثة ثانوي عند انطلاقتها سنة 2006-2007، قفزت نسبة مختاري «إنجاز مشروع» إلى 13.25% في باكالوريا 2014،في مقابل تراجع نسبة مختاري الألمانية من 22.98% إلى 13.24% خلال الفترة نفسها (لمزيد من تفاصيل النتائج المنحرفة للتجربتين، راجع المدونة البيداغوجية). وهنا ظهر شرط آخر: وضوح الهدف وملاءمة التقييم للممارسة الفعلية.

سبق الأمر المنظم للحياة المدرسية (4 أكتوبر 2004) مادة «إنجاز مشروع» بسنة ونصف، ناقلاً فكرة المشروع من التلميذ إلى المؤسسة: أراد لـ«مشروع المؤسسة» أن يضمن الانسجام بين مشاريعها وأنشطتها. لكن النقابة العامة للتعليم الثانوي رفضت، في ندوتها سنة 2005، القانون التوجيهي لسنة 2002 وما انبثق عنه من آليات، فتعطّل تطبيقه، وتعثرت الفكرة على المستويين الفردي والمؤسسي. والشرط الغائب: الحوار المسبق مع الأطراف المعنية قبل إدخال آليات تمس علاقات السلطة، لا بعده.

وامتدت فكرة المشروع إلى بنية التعليم نفسها مع «الإعداديات التقنية» سنة 2006، إذ بشّر الوزير بأن يصبح التعليم الإعدادي، بعد نحو عشر سنوات، نصفه عاماً ونصفه تقنياً، على غرار ألمانيا. وفي فيفري 2008 صدر قانون ينظم الباكالوريا المهنية، امتداداً للمنطق نفسه في ربط التعلم بالحياة العملية، ووسيلة لتحسين صورة تونس في مؤشرات المتابعة الدولية لتجديدات المبادرة وبعث المشاريع. لكن المسار نجح في الأوراق، وتعثر في الميدان، إذ غابت عنه شروط الاستدامة من تأطير وتجهيز وصورة اجتماعية للمسار.

ولا يعني تعثر هذه التجارب أن فكرة المشروع نفسها خاطئة. فقد راكمت التربية بالمشروع خبرة دولية وأدلة على إمكاناتها في التعلم النشط والتعاون وحل المشكلات، مع تفاوت نتائجها بحسب السياقات وشروط التطبيق. وفي المقابل، قد تنزلق إلى منطق المردودية والمقاولة إذا نُقلت بلا تكييف. وهذامعنى التوطين: أن نأخذ الأداة دون أن نستورد فلسفتها الاقتصادية كاملة.

وهنا يظهر الشق الثالث من أسئلة اليونسكو: ما نبتكره؟ ليس بالضرورة فكرة جديدة، وإنما مهارات تجعل التوطين ممارسة لا شعاراً: أن نقرأ النص الدولي قراءة نقدية، وأن نقرر بوضوح ما نعدّله فيه، وأن نشرح ذلك لمن سيتلقاه، وأن نصغي إلى ردود أفعاله. وهذا ما نعنيه بالتوطين: لا نسخاً ولا رفضاً، فقطنقلا مدروسا.

والتجديدات المتعطلة ليست بالضرورة تجارب ضائعة، إنما رصيد يمكن استئنافه متى تهيأت شروطه، فنقطة انطلاق الإصلاح ليست الصفر، بل ما تعلمته المؤسسة من محاولاتها. وقبل أن نسأل: هل الفكرة جيدة؟ علينا أن نسأل أيضاً: هل المؤسسة مستعدة لحملها؟

وبهذه المهارات نقرأ ما مضى، لا لنحكم بأن التربية العمرانية نجحت وأن ما جاء بعدها فشل، فقط لنرى ما كشفه كل تعثّر. فقد قرأت التربية العمرانية النص الدولي نقدياً، وعدّلت اسمه ومدخله، وشرحته بالتكوين والنوادي، واستوعبت المقاومة. أما التجارب اللاحقة فافتقدت بعضها بدرجات مختلفة: الشرح والمرافقة في التعلمات الاختيارية، ووضوح الهدف في «إنجاز مشروع»، والحوار المسبق في مشروع المؤسسة، والقراءة النقدية للسياق في الإعداديات التقنية.

فالمقاومة ليست دليلاً على فشل التجديد، إنّما تكشف ما يحتاج إلى تفسير أو تعديل أو تهيئة. فالأسهل أن نتهم التلاميذ بالكسل، أو المدرّسين بالتقصير، أو النقابات بمواقف عطّلت قسماً كبيراً من مسارات الإصلاح، والأصعب أن نسأل: هل كانت الطريقة نفسها جاهزة لما طلبناه منهم، أم أننا لم نُعدّهم كما ينبغي لذلك؟

وتعود المسألة مع كل قرار يدخل المدرسة:قد تبدو الفكرة مقنعة على الورق، لكن نجاحها يتوقف على ما أُعدّ لها من فضاءات وموارد وتأطير. وكم من إصلاح أُعلن بحماس، ثم واجه العاملون في الميدان واقعاً لم يتغير إلا في اسمه. فسرعة القرار لا تختصر زمن التنفيذ.

لكن ماذا حدث حين واجهت تونس الاختبار نفسه بعد 2011، في سياق تغيّر فيه النظام السياسي واتسع فيه هامش الحريات وتعدد الفاعلون؟ فمتى تتحول الفكرة الوافدة من مشروع معلَن إلى ممارسة محلية راسخة؟ هذا ما نتناوله في الجزء الثالث.

بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115