من كلمات بيرم التونسي وألحان محمد عبد الوهاب. ظهرت في أواخر ثلاثينات القرن الماضي، وغنّتها أسمهان في فيلم «يوم سعيد»، قبل أن يسجلها عبد الوهاب بصوته لاحقاً. وبعد قرابة قرن، لم تفقد الأغنية قدرتها على استدعاء صورة بعينها عن الريف.
لحن رشيق، وكلمات تحتفي بالأرض والفلاح. ويُروى أن أم كلثوم، وهي من أسرة فلاحية، علّقت يوماً بأن صاحب الأغنية، الآتي من الأرستقراطية المصرية، لا يعرف شيئاً عن «عيشة الفلاح» التي يتغنى بها. وسواء صحت الحكاية أم لا، فإنها تختصر سؤالاً أعمق من جدل فني عابر: من يملك حق الكلام عن تجربة لم يعشها؟ ومن يصنع «صورة» الفلاح حين يكون هو نفسه غائباً عن صناعتها؟
هذا التوتر لم يبقَ حكراً على الأغنية. فبعد الاستقلال، وجدت دول عربية، ومنها تونس ومصر، في صورة الفلاح مادة جاهزة للخطاب الرسمي، فتحول إلى رمز للأصالة الوطنية والعمل والإنتاج، بينما ظلت شروط عيشه الفعلية أقل حضوراً. واحتفظت الصورة بالبنية نفسها: من يملك أدوات التعبير يقرر كيف يبدو الفلاح، لا الفلاح نفسه.
وإذا كان السؤال في الأغنية هو من يملك حق الكلام عن «عيشة الفلاح»، فإنه يُطرح داخل المدرسة بصيغة أخرى: من يرسم صورة الريف في الكتاب المدرسي، وكيف يتلقاها أبناؤه؟
من هنا جاءت دراستنا «صورة الريف بين الكتاب المدرسي وتمثلات التلاميذ: دراسة في تحولات برامج التعليم الابتدائي التونسي (1990–2026)»، المنشورة هذا الأسبوع في العدد الأخير من «المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية» (العدد المزدوج 154-155). قارنت الدراسة بين كتب القراءة في التعليم الابتدائي منذ أواخر الثمانينات وحتى برامج اليوم، وكتابات تلاميذ من وسطين مختلفين، جُمعت في أفريل 1990، حين كنت أدرّس بالمرحلة الابتدائية.
والنتيجة تشبه، بصورة مدهشة، مفارقة عبد الوهاب وأم كلثوم. فالكتاب المدرسي آنذاك رسم فلاحاً سعيداً منسجماً مع أرضه، تحيط به العصافير وأغاني الحصاد، في صورة رومانسية تجعل الأرض مصدر الرزق والهوية والهناء. لكن هذه الصورة الحالمة كانت تتجاور مع واقع ريفي يتفكك تحت ضغط التحولات الاجتماعية؛ فقد تراجعت نسبة سكان الأرياف من 67% سنة 1955 إلى 52% سنة 1975. ومع ذلك، لم تُقرأ ظاهرة النزوح دائماً بوصفها نتيجة لاختلالات بنيوية، بل ظهرت في بعض النصوص كما لو كانت تنكّراً لقيم الأرض. ففي نص «في شوارع العاصمة»، ينتهي الشاب الذي «هزّ زاده وقصد العاصمة» إلى «نقمة على وضعه» تقوده إلى السكر والعربدة والتسول والسرقة. ولم يكن المقصود بالضرورة وصم النازح، لكن الصورة التي يقدمها النص كانت تترك هذا الأثر: فالنازح يظهر في النهاية مسؤولاً عن مآل ارتبط، في الواقع، بتحولات اجتماعية أوسع.
والأهم أن هذه الازدواجية انتقلت إلى وعي التلاميذ أنفسهم. فحين طُلب من تلاميذ مدرسة ريفية كتابة حوار بين فلاح وتاجر، جاءت كتاباتهم صدى شبه حرفي للصورة المدرسية: «ما أجمل الفلاح في أرضه، كانت تلعب بجانبه العصافير... تحوم حوله الفراشات المزركشة». وتظهر الصورة نفسها في كتابة أخرى: فالفلاح يقول: «أنا أجد راحتي وأنا أزرع وأجني. ما أحسن الفلاح وهو يقوم بعمله»، بينما يصف التاجر مشقة هذا العمل قائلاً: «أنت منهار القوة، أحرقتك الشمس، وغيّرت لون بشرتك، ولسعك البرد».تتجاور، هكذا، في كتابات التلاميذ صورتان للريف: ريف جميل كما تصفه المدرسة، وريف يُعاش في مواجهة مشقّات الحياة وتحولاتها.
ومع الوقت، لم تتغير هذه الصورة، بل ازدادت تجمّلاً. ففي مقارنة بين طبعتي كتاب السنة السادسة لسنتي 1986 و1989، وجدت الدراسة أن الصبغة الرومانسية ازدادت في الطبعة الأحدث، وكأن الكتاب كلما ابتعد الريف الحقيقي عن الصورة، زاد من تجميلها.وهو ما وصفه الباحث جلال التليلي (1997)، في دراسته «صورة الريف في الكتاب المدرسي..»: لم يعد الريف المدرسي «ريفاً مثالياً» فحسب،بل صار «ريفاً متحفياً»: محفوظاً في صورة من الماضي، مليئاً بالطبيعة والفلكلور، لكنه قليل الصلة بالتحولات التي يعيشها سكانه.
ثم جاء إصلاح 2002 ليضيف طبقة أخرى إلى الإشكال. فمع تعميم «المقاربة بالكفايات»، لم يعد اختيار النصوص ينطلق من محاور اجتماعية كـ«في القرية» أو «الحياة الفلاحية»، بل من قدرة النص على خدمة مهارات معينةضمن خمسة «مدارات» أقرّتها وثيقة «برنامج البرامج» سنة 2003: الصحة والرفاه، المبادرة، المحيط والاستهلاك، الإعلام، المواطنة.وهي مدارات كونية تصنّف النصوص وفق وظيفتها في خدمة الكفايات المستهدفة (كالقراءة وغيرها)، لا وفق محاورها الاجتماعية، فيصبح حضور أي محتوى محلي، ريفياً كان أم غيره، تابعاً لا محورياً.وهكذا تراجع الريف من محاور اجتماعية مستقلة، كما كان في كتبالثمانينات، إلى حضور عابر في الكتاب المدرسي. ففي كتاب السنة السادسة الحالي، المعمول به منذ 2005، لا يحضر إلا في نصّين من أصل أربعة وستين نصاً، دون أن تُطرح معه تحولاته الفعلية: النزوح، والجفاف، وتغيّر علاقات الإنتاج، وشح المياه.
ولم يبقَ هذا الغياب حكراً على قاعة الدرس. ففي الوقت الذي تراجع فيه الريف من الكتاب المدرسي، كان حاضراً بقوة على الركح والشاشة، بصورة معكوسة تماماً. فالمسرحية الشهيرة «المكي وزكية»، التي واصلت عروضها قرابة عقد كامل حتى بيعت تذاكرها في السوق الموازية، جعلت من الفارق بين الشاب القادم من الريف وعالم العاصمة أحد مصادر الكوميديا الأساسية.
وبعدها بسنوات، استعاد مسلسل «نسيبتي العزيزة»، عبر ثمانية مواسم، النمط نفسه في شخصية الجار الريفي بائع الملابس المستعملة، حاضراً كنكتة جاهزة لا كصوت مستقل. فحين يغيب الريف الحقيقي عن المدرسة، يحضر بديلاً عنه ريف آخر على الشاشة، يُستدعى أساساً بوصفه مادة للضحك.
فما يجمع الأغنية والكتاب المدرسي والخطاب الرسمي والدراما الكوميدية أن الفلاح يظل موضوعاً يُتكلّم عنه أكثر مما يُتاح له أن يتكلم.
ويعيدنا ذلك إلى سؤال أم كلثوم: من يعرّف «عيشة الفلاح»؟ الفنان، أم الخطاب الرسمي، أم المدرسة، أم الشاشة؟ فبين الريف الذي يعيشه أهله والريف كما تصفه الأغنية والكتاب المدرسي والخطاب العام والشاشة، تتشكل صور متعددة عن الريف وأهل، فأيُّ ريف نرى؟.
بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي