لتونس، لكنها لا يمكن أن تقوم مقام السياسة الطاقية بمفردها. وتصويرها على أنهاالحل لمشكلة انقطاعات الكهرباء وللتبعية الطاقية يعني الخلط بين مكوّن مفيد من مكونات الانتقال الطاقي وبين المشكلةبرمّتها.
أهداف مفيدة، لكن محدودة الأثر
تهدف الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي إلى بلوغ نسبة 35% من الطاقات المتجددة في مزيج الكهرباء لدى الشركةالتونسية للكهرباء والغاز (STEG) بحلول سنة 2030. لكن عند احتساب هذه النسبة من إجمالي الاستهلاك الوطني للطاقة،فإنها لا تمثل سوى ما يزيد قليلاً على عُشر الاستهلاك الإجمالي. وهو تقدم مهم، شريطة تحقيقه. لكنه لا يكفي لمعالجةهشاشة منظومة يتجاوز الطلب فيها نطاق الكهرباء وحدها بكثير.
أول رقم ينبغي وضعه في الاعتبار هو 49%: وهي حصة الغاز من الاستهلاك الوطني للطاقة الأولية. أما النسبة المتبقية،فتعتمد أساساً على أنواع أخرى من الوقود الأحفوري، ولا سيما المحروقات المستخدمة في قطاع النقل. أما الرقم الثاني فهو72%: وهي نسبة الغاز الذي تستهلكه الشركة التونسية للكهرباء والغاز لإنتاج الكهرباء. وبذلك، يستحوذ إنتاج الكهرباء إجمالاًعلى نحو 35% من الاستهلاك الوطني للطاقة الأولية.
أما الرقم الثالث فهو 35%، وهي النسبة المستهدفة للطاقات المتجددة ضمن مزيج الكهرباء لدى الشركة التونسية للكهرباءوالغاز في أفق 2030. وحتى في حال تحقيق هذه النسبة، سيظل نحو 88% من الاستهلاك الوطني للطاقة معتمداً على الوقودالأحفوري. لذلك لا يمكن اختزال النقاش في مجرد التوسع في الطاقة الشمسية.
كلفة التأخر في طاقة الرياح
تنص الاستراتيجية على إسناد 1200 ميغاواط من طاقة الرياح في شكل امتيازات، ضمن هدف إجمالي يبلغ 4850 ميغاواطبحلول سنة 2030. لكن منذ دخول محطتي ماتلين وكشباطة حيز التشغيل بين عامي 2012 و2013، لم يتم ربط أي مشروعكبير لطاقة الرياح بالشبكة التجارية التونسية.
ويحرم هذا التأخر البلاد من مصدر مكمل للطاقة الشمسية الكهروضوئية، كما يقلص من مصداقية برمجة تقوم على تنويعمصادر الطاقة.
إن التركيز على الطاقة الشمسية يعني، بذلك، معالجة جزء محدود فقط من الاستهلاك الأولي للطاقة. فالطاقة الشمسيةضرورية، لكن مساهمتها ستظل مرتبطة أيضاً بقدرة الشركة التونسية للكهرباء والغاز على تعزيز شبكات نقل الكهرباءوتوزيعها. وقد قُدّرت حاجات الاستثمار في هذا المجال بـ 6 مليارات دينار.
ويتطلب ذلك أيضاً شركة تتمتع بوضع مالي متماسك، وتحويل دعم الاستغلال في آجاله، وتسوية المتخلدات المستحقة لدىالإدارات والمؤسسات العمومية الحرفاء.
أما الإعلانات الأخيرة — من بينها طلب عروض لمشاريع بقدرة 2000 ميغاواط من طاقة الرياح، وتوسعة برنامج PROSOLELEC لتبلغ قدرته 600 ميغاواط، ومنح تراخيص بقدرة 743 ميغاواط — فتشير إلى أن معطيات الاستراتيجية الأصلية قدتغيرت.
ومن الضروري، تبعاً لذلك، تحيين هذه الاستراتيجية بشكل واضح. فمن دون جدول زمني متناسق، وقدرات ربط محددة،ومصادر تمويل واضحة، فإن تراكم الإعلانات لا يشكل سياسة طاقية متكاملة.
أمن الطاقة لا يزال رهين الوقود الأحفوري
في سنة 2024، لم تكن الموارد الطاقية الوطنية تغطي سوى نحو 41% من الاستهلاك الأولي للطاقة. وفي سنة 2026، يُتوقعأن تكون هذه التغطية قد تراجعت إلى نحو 34%.
وبالتالي، فإن تراجع الإنتاج الوطني يؤثر في جزء من الاستهلاك يفوق بكثير ذلك الذي تستهدفه الطاقة الشمسية الكهروضوئية،مع تداعيات مباشرة على الواردات وعلى الميزان التجاري.
ولم يُعلن، في المقابل، عن أي مبادرة مماثلة في مجال استكشاف واستغلال النفط والغاز. ومع ذلك، تتوفر تونس على حقولهامشية موثقة، ظلت مهملة لفترة طويلة عندما كانت الأسعار منخفضة، ويمكن إعادة النظر فيها في سياق أسعار أكثرملاءمة. ويمكن لحقول الغاز أو الغاز المصاحب في الجنوب، على وجه الخصوص، الاستفادة من خط أنابيب نوارة الذي يربطتطاوين بقابس.
ويستحق الأمر دراسة اعتماد نظام جبائي ملائم لإنتاج أصبح أكثر تواضعاً، إلى جانب تجديد الترويج للإمكانات التونسية لدىالمستثمرين المتخصصين.
تأمين ذروة الاستهلاك المسائية
لا تستطيع الطبيعة المتقطعة لإنتاج طاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية، بمفردها، الاستجابة لذروة الاستهلاك الثانيةخلال أمسيات الصيف. لذلك تظل محطات الدورة المركبة أو محطات الغاز ضرورية لضمان توازن الشبكة.
غير أن هذه المحطات سترفع الحاجة إلى الغاز، في وقت قد لا تعود فيه طاقة استيعاب خط أنابيب ترانس ميد (Transmed) كافية على المدى الطويل.
وتنص الاستراتيجية الوطنية على إنشاء أربع محطات جديدة لإنتاج الكهرباء بحلول سنة 2035، اثنتان في الصخيرة واثنتان فيبنزرت، إلى جانب ميناء مخصص لاستقبال الغاز الطبيعي المسال.
ولم تدخل هذه المشاريع بعد مرحلة الإنجاز. وينبغي التعامل معها باعتبارها عناصر أساسية لأمن التزويد بالطاقة، وليسباعتبارها ملفات ثانوية في مواجهة التركيز على طلبات عروض مشاريع الطاقات المتجددة.
سياسة متكاملة بدل التعويل على وعد واحد
يمثل الانتقال الطاقي فرصة اقتصادية، وتشكل الطاقة الشمسية الكهروضوئية أحد أعمدته. لكن يتعين على تونس أن توفّقبين تطوير الطاقات المتجددة، وتعزيز الشبكة، وإعادة التوازن المالي للشركة التونسية للكهرباء والغاز، وضمان توفر الغاز،وإعادة تنشيط عمليات الاستكشاف، والاستثمار في قدرات إنتاج الكهرباء اللازمة لتغطية فترات الذروة.
وهذه هي الشروط التي تتيح للبلاد تقليص تبعيتها، والحد من كلفة الواردات، وتفادي تكرار انقطاعات الكهرباء التي شهدتهاالبلاد هذا الصيف.
بقلم: شكيب بن مصطفى