ولا رغبة في الدخول في سجال مع صاحب التدوينة، وإنما بدافع ضمير الأستاذ والباحث الذي واكب مسيرة السيدة يسرى بلالي لأكثر من عقد من الزمن، منذ كانت طالبة في قسم الفلسفة وإلى أن أصبحت دكتورة باحثة وصحفية وناشطة مدنية. وقد كنت المشرف عليها في إعداد أطروحتها في الفلسفة الاجتماعية. كما ساعدتني، على مدى عامين، بوصفها سكرتيرة وعضوًا في مخبر "بحوث في التنوير والحداثة والتنوع الثقافي" بجامعة تونس المنار والذي كنت أشرف على إدارته. وكانت ولا تزال محل تقدير من الأساتذة والطلبة الباحثين.
كل هذه المدة التي واكبت فيها تكوين الطالبة واختيارها طريق الاختصاص تجعلني أرفع صوتي عاليًا لأشهد بأنها كانت متميزة، جادة في دراستها، نموذجية في سلوكها، ونشيطة في الحركة الطلابية، وصادقة في التزامها المدني والسياسي. وكان ثمة انسجام واضح بين تكوينها الفكري وبحثها الأكاديمي - الذي توجته بأطروحة جريئة ومشرّفة جدًا حول فلسفة الاعتراف - وبين اهتمامها بقضايا الحرية والكرامة والحقوق.
أما ما يقدمه هذا المنشور من "أدلة" لتوجيه تهم خطيرة ضدّها، فلا أرى فيه سوى تجميع لقرائن واهية، وإيحاءات تقوم على منطق الاشتباه والوصم أكثر مما تقوم على وقائع تثبت شيئًا. والأخطر من ذلك أن الجنسية المغربية تُقدَّم فيه كما لو كانت في حد ذاتها قرينة اتهام! وهذا منطق مؤسف وعنصري، خصوصًا في بلد ينتمي إلى فضاء مغاربي واحد، وفي زمن يُفترض أن نميّز فيه بين الأنظمة السياسية والشعوب، وأن نرى في وحدة المغاربيين أفقًا لا تهمة.
أما الزج بأسماء الأشخاص وعلاقاتهم الزوجية والمهنية، وربطهم ببعضهم البعض، ثم الانتقال من ذلك إلى الحديث عن "الصهيونية" و"الإخوان" و"الارتباطات المشبوهة"، فهو أقرب إلى صناعة الشبهة بالتداعي والإيحاء منه إلى تقديم أدلة على ارتكاب فعل مجرَّم. إنها طريقة في الدعاية والتعبئة تقوم على التشويه قبل أن تقوم على البرهان.
لقد آلمَني، بصفتي أستاذًا، أن أرى هذا القدر من السلخ والتشويه الذي يتعرض له خيرة شباب تونس الذين اختاروا طريق الصدق والحرية، وحققوا نجاحهم في الدراسة والمهنة والإبداع والنضال المدني. ويسرى بلالي واحدة من هؤلاء، وهي في ذلك مثل وليد الماجري ومحمد اليوسفي ومالك الزغدودي والعديد من زملائهم في الكتيبة الذين يقدمون عملا نوعيا.
هؤلاء الشباب ليسوا أعداءً لتونس ولا خطرًا عليها. إنهم، بما يملكون من مسار نضالي وكفاءة وشجاعة واستقلال في التفكير، جزء من مستقبلها المضيء.
أما الذين يصرخون فوق خرابها، فليس من حقهم أن يحجبوا هذا المستقبل عن أعيننا.
بقلم: محسن الخوني أستاذ باحث في الفلسفة الاجتماعية والسياسية