من سجلّات العذاب والتعذيب في السجون التونسية من 1956 إلى اليوم

قضّيت في سجن سوسة سنة 1994 حوالي الثلاثة

أشهر ونصف في الإيقاف. كان هناك سجين محلّ استهزاء من بقية السجناء… كانوا يقولون عنه وهو يضحكون: “شدّوه على شمّة». لم أفهم من الأمر شيئا بل ذهب في ظنّي أنّه موقوف بسبب تناول مخدّر إى أن فسّر لي أحد السجناء أنّ المعني «مواطن مغبون» يعيش في العراء ويعاني من الفقر والجوع وكان كلما مرّ بشارع بوجعفر في سوسة أمام بائع وجبات أكل خفيفة إلا و»ضربته» رائحة الدجاج المصلي فاشتهاه من شدّة الجوع. فكان يتوقّف أمام المحلّ ويستنشق بقوّة تلك الرائحة ليملأ بها صدره. فاشتكاه صاحب المحلّ للبوليس فأحاله على المحكمة التي حكمت بسجنه لمدّة شهرين بتهمة «إزعاج سوّاح» وكانت هذه التهمة شائعة في ذلك الوقت وهي تُعتمد لسجن البؤساء الذين لا مسكن لهم في فصل الصيف حتى لا يزعجوا السوّاح. كنت أقول في نفسي: “لا يوجد حدّ مطلقا لغباء دولة الاستبداد وجورها...كما لا يوجد حدّ لجشع بعض «الخلق»  فما ضرّ لو أعطاه صاحب المحلّ وجبة كلّ يوم يسدّ بها رمقه ”

تقديم:

كتبتُ، في مقالٍ نُشر بجريدة المغرب بتاريخ 31 أوت 2026، بعض الأفكار حول المنظومة السجنيّة التونسيّة. وكانت الفكرة الأساسية للمقال هو أنّ السياسة الجزائيّة للدولة كانت وما تزال متخلفّة، لا تنبني على مبادئ حقوق الإنسان حتّى يكون السجن محطّة لإعادة تأهيل السجين وإدماجه في المجتمع وحمايته من العودة. إن الفلسفة التي قامت عليها المنظومة السجنية في تونس منذ البداية هي فلسفة العقاب والانتقام والتشفّي بدعوى أنّها تردع مرتكب الجريمة وتثنيه عن العودة في حين أنّها تغذّي فيه روح النقمة وتعمّق القطيعة بينه وبين المجتمع وتمهّد له طريق العودة إلى السجن.

إنّ ما غاب عن دعاة هذه الفلسفة هو أنّ من يرتكب جريمة في لحظة ما لا يفقد صفته البشريّة بل يبقى بشرا وأنّ دور المنظومة القضائيّة الجزائيّة يتمثّل في إصلاحه عبر التربية والتكوين والعمل ليراجع نفسه ويستعيد توازنه ويندمج من جديد في المجتمع. وما من شكّ في أن منظومتنا القضائية الجزائيّة التي تعيش اليوم أزمة مزمنة وعميقة لن يتهيّأ لها وهي على هذه الحال تغيير الواقع الجزائيّ والسجنيّ الذي يتطلّب نضالا مريرا من القوى الديمقراطيّة التقدميّة لتوفير شروط قيام منظومة جديدة تقطع مع الثقافة المتوحّشة، عميقة الجذور، في مجتمعنا من خلال فلسفة جديدة تتعمّق في أسباب الجريمة وتكشف عن جذورها الكامنة في طبيعة النظام الاجتماعي القائم لا في طبيعة الإنسان.

وسأحاول في المقال الحالي سرد بعض المعطيات حول أشكال التعذيب وامتهان البشر في مراحل مختلفة من تاريخ السجون التونسيّة، من حكم بورقيبة إلى اليوم، حتّى تكتمل الصورة لدى القارئ حول واقع لا بدّ من تغييره خاصّة في الظرف الحالي الذي تمرّ فيه اليبلاد بموجة حرارة استثنائية يمثّل السجناء إلى جانب مرضى المستشفيات، أكبر ضحاياها وفقا لبيانات المصادر الحقوقية والطبية.

نظام يرث عسف المستعمر

ورث نظام بورقيبة عند قيامه في أواسط خمسينات القرن العشرين المنظومة العقابية الجزائيّة الاستعماريّة-البايويّة ولم يسع إلى تغييرها ولا حتّى تحسينها فظلّ التعذيب في مراكز الأمن وفي السجون ممارسة ممنهجة بل جزءا من عقيدة نظام الحكم. فحين سأل القاضي قاتل الشهيد نبيل بركاتي (ماي 1987) عن سبب وجود عصيّ و»كرافاشات» وغيرها في مركز الأمن بقعفور أجابه بكلّ بساطة: «هذاكة ماعون الخدمة» مؤكّدا بذلك مأسسة التعذيب. وعندما استقبل بورقيبة سنة 1980 بقصر قرطاج سجناء سياسيّين من «منظمة العامل التونسي» وأثير موضوع التعذيب أجابهم «كيفاش تحبّو إمّالا يقَرّروكم؟». وهو ما كرّره سنة 1981 بمناسبة استقبال قيادات من حزب الوحدة الشعبية. إلى ذلك حدّثني أحد الأصدقاء أنّ إدريس قيقة ذكر له أنّه اقترح في بدايات «عهد الاستقلال» على بورقيبة تغيير  اسم جهاز «الجادرميّة» لما اكتسبه من سمعة سيّئة زمن الاستعمار بسبب معاملته الوحشية  للتونسيّين فردّ عليه قائلا: «لا...لا خلّي هكّاكة...نحبّهم يبقاو (أي المواطنين) يخافوا”. كلّ هذا الذي يمثّل وجها من أوجه نظام بورقيبة الدكتاتوري (فرض نظام الحزب الواحد، إعلان الرئاسة مدى الحياة، قتل اليوسفيين، إغراق الإضراب النقابي العام في 26 جانفي 1978 في الدم، مجزرة انتفاضة الخبز سنة 1984، عشرات المحاكمات السياسية...) نتج عنه أنّ المواطن، ظلّ لمدّة عقود، حين يقصد مركز الأمن حتى لاستخراج وثيقة يستولي عليه الخوف والقلق لأنّه يتصوّر نفسه عرضة لسوء المعاملة حتّى لو لم يرتكب أيّ خطأ وكلّما اقتيد إلى السجن لسبب ما إلّا وذهب في ظنّه أنّه أصبح من “المنسيّين”. ولئن تحرّر المواطن نسبيّا بعد الثورة من عقدة الخوف فقد تملّكه مجدّدا شيء من تلك الهواجس في السنوات الأخيرة خاصّة بعد انقلاب 25 جويلية 2021.

من الأشغال الشاقة إلى عقوبة «الإقصاء» 

في هذا السياق التاريخي حافظت المنظومة العقابيّة السجنية في عهد بورقيبة على عقوبة «الأشغال الشاقّة» الموروثة عن الاستعمار وهي عبارة عن «عقوبة تكميليّة» لعقوبة السجن المسلّطة حيث لا يُكتفى بسلب حرية السجين بل يُنكّل به أيضا. وكان المعاقبون بالأشغال الشاقة يوجّهون إلى «كرّاكة غار الملح» بولاية بنزرت، وهي سجن قائم منذ العهد العثماني ثمّ استخدمه المستعمر الفرنسي للتنكيل بالمقاومين، ولكنّ نظام بورقيبة عوض غلقه بعد «إعلان الاستقلال» حافظ عليه ليستعمله بدوره للتنكيل بمعارضيه وببعض أصناف سجناء الحقّ العام. كان المساجين المعزولون بالكامل عن العالم الخارجي يُجبرون في «كرّاكة غار الملح» على أداء أعمال يوميّة، شاقّة، مثل تكسير الحجر وخدمة الَحلْفاء وكانوا في نفس الوقت يُقيّدون بسلاسل ويجرّون خلفهم كتلا حديدية وكان الأعوان يضربونهم باستمرار بالسياط والهراوات كما كانت وجبات الأكل التي تقدّم إليهم سيّئة للغاية. أمّا معارضو بورقيبة السياسيون فقد كانوا يقضون وقتهم مكبّلين بالسلاسل والأغلال الحديدية إلى الحائط في العتمة والظلام الدامس في زنزانات «عنق الجمل» التي تبلغ حوالي 100 قدم تحت مستوى الأرض. ومن أبرز المساجين الذين عاشوا هذه الظروف بكراكة غار الملح في العهد البورقيبي أنصار صالح بن يوسف والمشاركون في المحاولة الانقلابية في مطلع ستينات القرن الماضي. وأُغلقت كرّاكة غار الملح سنة 1964 ونقل المساجين المحاكمون في المحاولة الانقلابية إلى سجن برج الرومي ببنزرت (سجن الناظور حاليا) في سنة 1965 ووضعوا في كهف السجن (30 درجة تحت الأرض)، وظلّوا مقيدين طوال الوقت بسلاسل في زنزانات شديدة الرطوبة، غارقة في الظلام الدامس، تفتقد إلى أدنى مقوّمات الحياة وهم عرضة بشكل مستمرّ للضرب والتنكيل ولا يتناولون إلّا وجبات يُتعمّد حشوها بمواد وسخة لا تصلح حتّى للحيوانات بهدف التجويع والإذلال. ولم يخرج هؤلاء السجناء من الكهف إلّا بعد حوالي 4 سنوات. ثم عفا عنهم بورقيبة سنة 1973. أما عقوبة الأشغال الشاقة فقد تم التخلي عمليا عن تنفيذها منذ ذلك الوقت لكنها لم تُلغ من القانون التونسي إلّا سنة 1989بمقتضى القانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرّخ في 27 فيفري 1989 وجاء ذلك بعد مصادقة الدولة التونسيّة على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية.

وبالإضافة إلى الأشغال الشاقّة كانت توجد عقوبة أخرى تكميليّة تُسمّى «الإقصاء» الواردة في القانون المؤرّخ في 30 مارس 1964تقضي بها المحاكم وهي تتمثّل في إيداع السجين لمدّة معيّنة بعد قضاء عقوبته في «مؤسسة ذات تنظيم خاص» عامّة ما تكون «مراكز شغل وإصلاح» تابعة لوزارة الداخلية بدعوى “تقويم الانحراف”. وكان المحكومون يُساقون إلى إحدى مناطق الجنوب التونسي حيث يقومون بأشغال دون مقابل (سخرة) ويتمتّع مدير المركز بسلطة تقديريّة فيما يخصّ إخلاء سبيلهم وكان في الغالب يتعسّف عليهم ويُمدّد «إقامتهم» لمواصلة استغلالهم. ويذكر أنّ «المقصيّين» قاموا بحركة احتجاجيّة سنة 1976 ونُقلوا من الجنوب إلى سجن برج الرومي (الناظور حاليّا) وبعد مدّة سُرّحوا ولم تُلغ هذه العقوبة التكميلية إلّا بموجب القانون عدد 9 لسنو 1995 المؤرّخ في 23 جانفي 1995 المتعلق بتنقيح بعض أحكام المجلة الجزائية.

التعذيب... أسلوب حكم وتحكّم

ظلّ  التعذيب البدني ممارسة رسميّة وممنهجة داخل السجون التونسيّة، كما في المراكز الأمنيّة ومحلات البوليس السياسي بمختلف فرقه، طوال عهدي بورقيبة وبن علي. وكانت «الفلقة»، إلى جانب التقييد والضرب بالأيدي والعصي والركل بالأرجل، أهمّ أشكال التعذيب المستعملة. في سجن 9 أفريل بالعاصمة، وهو أكبر السجون التونسية (أغلق سنة 2006 وهُدم سنة 2009 وعوّض بسجن المرناقيّة)،كان التعذيب يمارس أساسا في «سقيفة» جناح السجن المضيّق المتكوّن من 18 زنزانة والمخصّص للمُعاقبين والسياسيّين والمحكومين بالإعدام.كان «سكّان» الجناح يعيشون يوميّا على صراخ المساجين الذين يُساقون من غرفهم ليعلّقوا ويعذّبوا في «السقيفة» بسبب مخالفة ارتكبوها. وكان هؤلاء يعودون إلى غرفهم بعد تعذيبهم وأغلبهم لا يقدر على المشي من شدّة الآلام ومن الجراح النازفة في باطن القدم. أمّا من يبقى منهم في الجناح ويعاقب بـ»السيلون» فهو يُرغم على لباس زيّ السجن الوسخ وغالبا ما يقضي حاجاته البشرية داخل هذه الزنزانات في «قصرية» لأن «المراحيض» و»السبابل» لم تكن موجودة فيها إلى حدود أواخر ثمانينات القرن الماضي. وكان العون المشرف على الجناح يخرج المساجين المعاقبين كل صباح إلى «الآريا» (ساحة الجناح) ويُصفّفهم الواحد وراء الآخر ويأمرهم بالدوران في الساحة وكان يعترضهم في كلّ «دورة» ويضربهم بـ»الكرافاش» الواحد تلو الآخر على ظهورهم فكان الواحد منهم لا يكمل عقوبته بالجناح إلّا وقد أُدمي ظهره. كانت السجون التونسية تُدار في تلك الفترة بالأعراف المستوحاة من «الأوامر العليّة» القديمة ومنها أمر 1913.

وقد تواصل التعذيب البدني زمن بن علي بشكل عام وممنهج في كافة السجون ودون حسيب أو رقيب. ولم يكن ضحاياه المساجين السياسيون الذين أصبحوا يُعدّون بالآلاف فحسب بل كل المساجين. تظاهر بن علي بعد انقلاب 7 نوفمبر 1987 بإصدار قانون للسجون لكنّ القانون بقي حبرا على ورق واستمرّ العسف والجور سيّد الموقف. تواصلت الفلقة والضرب والاعتداءات الوحشية على المساجين وخاصة منهم السياسيّين، يساريين كانوا أو «نهضويّين» أو نشطاء طلّابيّين أو حقوقيّين. وما يمكن تأكيده في هذا المجال هو أنّ التعذيب البدني في زمن بن علي، علاوة على طابعه الممنهج والعام، أصبح أكثر تطوّرا وتعقيدا وتنوّعا وصلفا ويعود ذلك خاصّة إلى التغيّر العام في الكادر السجني الذي أصبح من حاملي الشهادات العليا المطّلعين على «الخبرات السجنية» الأخرى والعارفين بالحياة السياسيّة ومكوّناتها والقادرين على التمويه والتظاهر باحترام المواثيق الدولية. وفي هذا السياق فإذا كان الكادر السجنيّ المحدود تعليميّا وثقافيّا في زمن بورقيبة يركّز على التعذيب المادي أساسا، أصبح الكادر الجديد المتخرّج في زمن بن علي من الأكاديميّة العسكريّة أو كلية الحقوق أو كلية الآداب (علم النفس خاصة) والذي أجرى عدّة تربصات تكوينيّة بالخارج (بلدان الاتحاد الأوروبي خاصة) ينوّع أشكال التعذيب ويدمج فيها بشكل خاص البعد النفسي. ومن أبشع الوسائل التي استعملت في عهد بن علي مثلا تعمّد بعض الحراس في سجن 9 أفريل في تسعينات القرن الماضيي وضع «كاسكات الحاكم» على غصن شجرة بجانب الممرّ الذي يعود منه السجناء من «الأدواش» إلى «عنابرهم» وما أن يتجاوز السجناء «الكسكات» حتى يلتحق بهم الأعوان ويفرزوا منهم السياسيين وينهالوا عليهم ضربا لأنّهم لم يحيّوا « رمز السلطة ». وحسب بعض الروايات فقد استعملت هذه الطريقة في «كرّاكة غار الملح» في ستّينات القرن العشرين وكان من نتائجها فقدان أحد سجناء «مجموعة المحاولة الانقلابية» إحدى عينيه. وبالإضافة إلى ذلك كانت الإدارة في السجون الرئيسية خاصة (تونس، الناظور، برج الرومي، المهدية، المسعدين…) تراقب تطوّر الحالة المعنويّة للسجناء السياسيّين ويحرّر الأعوان في شأنهم تقارير. فكلّما لوحظ أنّ هذا السجين أو ذاك يتمتّع بمعنويّات جيّدة إلّا وعملت الإدارة على تدميره عبر الاستفزاز والضرب والإهانة وإن اقتضى الأمر نقله إلى سجن آخر حتى لا يؤثّر إيجابيّا في محيطه ويتحوّل إلى قائد يستنهض رفقاءه من السياسيّين أو حتّى سجناء الحق العام الذين يعيشون أوضاعا مزرية. وأخيرا وليس آخرا فقد تطوّرت في عهد بن علي بشكل رهيب شبكة «الصبّابة والقواّدة» من السجناء الذين يراقبون كل كبيرة وصغيرة داخل «العنابر» ويبلغون عنها. ومن أشنع الأساليب التي اعتمدت ضد السجناء السياسيّين منعهم من الحديث مع بعضهم البعض أو مع بقية سجناء الحق العام في نفس «الغرفة» كمنعهم من التعامل مع بعضهم البعض، وبعبارة أخرى تُفرض العزلة على السجين وهو وسط السجناء وهنا تصبح المسألة مرتبطة بإرادته : هل يقبل عزل نفسه بنفسه أم يتمرّد على وضعه وهو ما كان سبب مواجهات كبيرة مع الإدارة السجنية. وإلى ذلك كلّه أصبح للإدارة العامة للسجون في عهد بن علي «فرقها الإرشادية» من أصحاب الزيّ المدني.

العزلة عن العالم الخارجيّ

إلى حدود سنة 1975 كانت العزلة عن العالم الخارجي، وهي شكل من أشكال التعذيب النفسيّ، هي القاعدة فالسجين لا حق له في أن يعرف ما يجري خارج أسوار السجن. فالاتصال الوحيد بالعالم الخارجيّ كان يتم عبر المحامي، مع العلم أن زيارات المحامين نفسها أصبحت شيئا فشيئا خاضعة للمراقبة عبر الكاميرات والأجهزة الألكترونيّة. أما زيارات العائلة فكانت بدورها مراقبة وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرسائل التي تطلع عليها الإدارة ولا يسمح فيها بالكلام إلّا في حدود ما يهم العائلة ولا تصل إلا بعد مدّة طويلة. كانت الجرائد ممنوعة وبالطبع الراديو والتلفزة. وكان النوم على «البيّاص» وهو مصنوع من الحلفاء مع «زاورة» للغطاء. ولم تتحسّن الأمور جزئيا إلا بداية من سنة 1975 على إثر العمل الجبّار الذي كانت تقوم به لجان الدفاع في الداخل والخارج ممّا اضطر وزارة الداخلية إلى إدخال بعض “الإصلاحات” على المؤسسة السجنيّة (القانون عدد 83 لسنة 1975). وقتها أخذ السرير مكان «البيّاص» وأدخل تحسين طفيف على «الصُبّة» (وجبة الأكل) ودخلت التلفزة التي كانت وقتها تبثّ في المساء لمدة ساعات قليلة وسُمح بقراءة بعض الجرائد الرسمية أي التابعة للحزب الحاكم والحكومة (لابراس) وحاولت الإدارة استبدال اسم السجين بالنزيل و»الحارس» (gardien) بـ»عون إصلاح» لكنّ التسميات القديمة هي التي ظلت سارية لشكلية العملية الإصلاحية وسطحيّتها ناهيك أن التسميات الجديدة أصبحت محلّ تندّر. وستتواصل الأمور في عهد بن علي على نفس النسق مع ظاهرة جديدة وهي أن الإدارة أصبحت «تقصّ» المقالات التي يمكن أن تساعد السجين السياسي خاصة على متابعة الحياة العامة فتصله الجريدة كلّها «شبابيك» كما كنّا نسمي ذلك في السجن. وكانت الكتب في الغالب ممنوعة وفي أفضل الحالات لا يصل ما يُقبل منها إلى السجين إلّا بعد مدّة، علاوة على أنّ السجين لا يسمح له في الغالب بامتلاك أوراق وقلم خوفا من كتابة رسائل وتسريبها إلى الخارج. في العديد من السجون كان العون يسلّم السجين قلم حبر (ستيلو) ليكتب به الرسالة ثم يستردّه منه على الفور. وخلافا لما أصبح جاريا به العمل في الغالبية العظمى من دول العالم (أكثر من 150 دولة) من السماح للسجناء باستعمال الهاتف للاتصال بعائلاتهم كإجراء لإعادة تأهيلهم والحفاظ على روابطهم الأسريّة، فإن السلطات التونسية تمنع هذا الاستعمال منعا باتّا بل إنّها تعمل على الحدِّ أقصى ما يمكن من صلة السجين بالعالم الخارجي.

ومن المهمّ في هذا السياق التذكير بمعاناة التلامذة والطلّاب المعتقلين الذين يريدون مواصلة تعليمهم وقد أصبحوا يُعدّون بالمئات في زمن بن علي. كان الحرمان هو القاعدة إلى أن خاضت مجموعة من معتقلي اتحاد الشباب الشيوعي التونسي نضالا مريرا سنة 1998 من أجل الحق في مواصلة التعليم وكُلّل تحرّكهم بالنجاح واعترف بهذا الحقّ منذ ذلك الوقت إلى اليوم.   

عذابات النقلة من سجن إلى آخر

كانت النقلة من سجن إلى آخر في عهدي بورقيبة وبن علي ترعب المساجين لأنّ السجن الذي يوجّهون إليه يستقبلهم فيه الأعوان بالضرب. وفي سجن برج الرومي والناظور كان الاستقبال يُسمّى «الحفلة». والهدف منه ترويع المساجين وإذلالهم وتخويفهم. في تسعينات القرن الماضي كان أحد «تكتيكات» نظام بن علي نقل المساجين السياسيين، الذين يعدّون بالآلاف وهم أساسا من حركة النهضة (الأغلبيّة) وحزب العمّال، بشكل دوريّ، من سجن إلى آخر. كان الهدف من هذا الإجراء منع السجين من الشعور بالاستقرار ومن تكوين شبكة علاقات، إلى جانب إرهاق عائلته وإثنائها عن الزيارة بسبب طول المسافات وارتفاع تكاليف التنقّل.كان مدير سجن برج الرومي (الناظور سابقا) ينظّم «حفلة» لكل «كونفة» جديدة ويشرف عليها بنفسه. يرغم السجناء على نزع ثيابهم (صيفا أو شتاء) والبقاء في «كلصون» والمشي في وضع «الجرمانة» والصياح: «قاقا رانا دجاج» لمدّة طويلة وهو وأعوانه يضربونهم على أجسادهم بالعصيّ وبعد «الحفلة» يودعونهم في الغرف. وكان ذلك يتم بعلم من المدير  العام للسجون، أحمد الحاجي، وقتها، الذي يعتبر أهمّ مهندس لمنظومة التعذيب المادي والنفسي الممنهج في السجون التونسية في مطلع تسعينات القرن الماضي بدعم من وزير الداخلية عبد الله القلّال. وتفيد تقارير المنظّمات الحقوقية مواصلة اتباع سياسة إبعاد السجناء السياسيين عن عائلاتهم حتّى  اليوم. فهم لا يُجمعون مع بعضهم البعض ولا يودعون على الأقل في سجون قريبة من ذويهم إلّا بعناء كبير.

الاكتظاظ: التدمير البدني والنفسي

ويمثّل الاكتظاظ أحد أهمّ أساليب التعذيب في تونس. ظلّ الاكتظاظ ظاهرة ملازمة للسجون التونسيّة منذ أواخر فترة بورقيبة ثمّ تفاقمت مع بن علي. لكنّها بلغت في السنوات الأخيرة حدّا لا يطاق إذ وصلت النسبة العامة للاكتظاظ 188 بالمائة وهي تتجاوز الـ200 بالمائة في بعض السجون ناهيك أنّ السجين، لا يتمتّع بأكثر من متر ونصف إلى مترين مربّع في أفضل الحالات مقابل 4 أمتار مربّع كمساحة دنيا منصوص عليها دوليّا. وتعتبر المنظمات الحقوقيّة الدولية أن نسبة الاكتظاظ حين تتجاوز 150 بالمائة، تصبح شكلا من أشكال التعذيب. عوض أن ينام فرد واحد على «قطعة الاسمنت» المعدّة كفراش ينام عليها اثنان أو ثلاثة «راس وذنبة». أمّا بقيّة السجناء فينامون في «الكدس» أيّ في الممرّات وقريبا من المراحيض (جماعة «الببّاصة» أي “الخيشة التي عادة ما توضع في مدخل المرحاض). وهناك من ينام تحت السرير أو حسب عبارة «الحبس» في «وضع الميكانيسيان»، «تحت الكميون» أي تحت «قطعة الاسمنت» السفلى. وهو ما يسهّل انتقال الأمراض المعدية وحصول أمراض جديدة  عدا الأوساخ ونقص المراحيض وكثرة الاعتداءات الجنسية. ومن الأمراض التي تتفشّى في هذه الظروف، بسبب انعدام النظافة («دوش» واحد في الأسبوع لا يتجاوز بضع دقائق) وقلّة التهوئة، الأمراض الصدريّة والجلديّة خاصة. وإلى ذلك يؤدّي ارتفاع درجات الحرارة إلى تكاثر حالات الاختناق التي تكون نتيجتها الوفاة كما هو الحال اليوم في بعض السجون (سجون المرناقية والمنستير وقفصة والقيروان وصفاقس...) حسب مصادر حقوقيّة (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان). كما ينتشر «القمل» وحشرة أخرى تسمّى «بوفرّاش» «تلصق» في الأماكن التي يوجد فيها شعر. ومن النافل أنّ السجين لا يمكنه في مثل هذا الضيق الذي يعيشه على الأقل لمدة 23 ساعة في اليوم أن يشعر بالراحة أو أن يختلي بنفسه ولو للحظات… وفي مناخ كهذا يقضي السجناء وقتهم في الخصومات وتبادل العنف والتآمر على بعضهم البعض و«التعلّم» من بعضهم البعض «أصول الإجرام» في غياب أيّ نشاط مهنيّ أو ثقافيّ أو رياضيّ متاح لكافّة المساجين، يملأ أوقات فراغهم وينمّي ملكاتهم المهدورة ويهيّئهم للاندماج مجدّدا في المجتمع.

بقلم: حمة الهمامي 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115