تونس تُعلّم.. والخارج يجني الثمار(1) هجرة الكفاءات.. مخيال يسبق؛ واقتصاد لا يلحق

يُطرح ملف هجرة الكفاءات في تونس فينقسم النقاش سريعاً:

من يحنّ إلى دولة كانت تستوعب خريجيها، ومن يرى في الهجرة فشلاً للمنظومة، ومن يدعو إلى التكيف مع الأمر الواقع والاستفادة من عائداته المالية. لكل موقف ما يبرره، ولكل موقف أيضاً ما يغيب عنه: فالحنين إلى دولة الأمس يصطدم بسؤال الموارد، وإدانة المنظومة لا تكفي دون بديل، والتكيف مع الخارج، إذا اقتصر على تدبير النتائج، قد ينتهي إلى قبول الأمر الواقع بدل مساءلة أسبابه.هذه المواقف كلها تبدأ من لحظة المغادرة. غير أن السؤال الأسبق يتعلق بكيفية تحوّل الخارج إلى أفق طبيعي للنجاح، قبل أن يصل الفرد أصلاً إلى قرار الرحيل؛ فالمغادرة، إذا وقعت، تكون غالباً الحلقة الأخيرة في مسار بدأ قبلها بسنوات.

عند الاستقلال، لم تكن المدرسة التونسية أداة لنقل المعرفة فقط، بل أداة لبناء الدولة والمجتمع، يحكمها عقد ضمني بسيط: الدولة تستثمر، والأسرة تراهن، والفرد يتعلم ويتقدم، فتجد الكفاءة مكانها داخل المجتمع. كانت الشهادة وعداً بالترقي، وكان النجاح الدراسي مرتبطاً في الوعي العام بمستقبل في الداخل. ونجحت تونس فعلاً في بناء منظومة تعليمية واسعة، وتكوين أجيال من الأطباء والمهندسين والتقنيين، بيد أن نجاحها في إنتاج الكفاءة لم يواكبه دائماً نجاح مماثل في استيعابها.

واستندت المدرسة التونسية، في جانب مهم منها، إلى النموذج الفرنسي المركزي، الذي جعل الدولة محور تنظيم التعليم وتحديد البرامج والمسارات والشهادات. ويحمل هذا النموذج، في جذوره الفكرية، ومن بينها الفكر الجمهوري ذي النزعة اليعقوبية، تصوراً للتقدم ارتبط تاريخياً ببناء مجتمع جديد على أسس عقلانية ومؤسساتية، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وقد انعكس بعض هذا التصور في النموذج التعليمي الذي استلهمته الدولة الوطنية؛ فلم يقتصر الاستلهام أحياناً على امتلاك أدوات العصر، بل امتد إلى تبني بعض مرجعيات النموذج الغربي، بما جعل الحد الفاصل بين الاستفادة من التجربة واستنساخها أقل وضوحاً.

أسهم هذا النموذج في نشر التعليم وبناء رأس مال بشري واسع، لكنه لم يطرح بالقدر نفسه سؤال تحويل هذا الرصيد إلى قوة منتجة داخل الاقتصاد. ومن هنا بدأت المفارقة: مدرسة تنتج الكفاءة، واقتصاد لا يجد لها موقعاً دائماً، وخارج يملك الطلب والقدرة على استقطابها.

يضاف إلى ذلك عامل أقل ظهوراً يتعلق بصورة النجاح نفسها، التي لم تتشكل بمعزل عن سؤال أوسع حول معنى التقدم. فالمشكلة ليست في السعي إلى التحديث؛ إذ لا تتقدم المجتمعات بالانغلاق، بل بامتلاك أدوات المعرفة والإنتاج التي تتيح لها المشاركة في عصرها.

بيد أن التحديث شيء، والحداثة شيء آخر، والتغريب شيء ثالث، وهذا الفرق غاب عن النقاش: فالتحديث بناء أدوات العلم والتكنولوجيا والإدارة والقدرة الإنتاجية؛ والحداثة تحوّل في علاقة المجتمع بالسلطة والعقل والمعرفة والمؤسسات؛ أما التغريب فتحويل تجربة تاريخية إلى معيار وحيد للتقدم، يُقاس النجاح بالاقتراب منه لا بملاءمته للسياق. وهذا ما بيّنه الأنثروبولوجي موريس غودلييه في كتابه»عندما يستولي الغرب على العالم: هل يمكن التحديث من دون تغريب؟: «امتلاك أدوات الحداثة لا يقتضي الذوبان في النموذج الغربي. وقد أدى الخلط بين هذه المستويات إلى انتقال معيار التفوق الدراسي من امتلاك أدوات العصر إلى محاكاة النموذج الغربي، بحيث أصبح الرحيل إلى الخارج امتداداً لمسار التفوق لا خروجاً عنه.ومع صعود اقتصاد المعرفة، لم يعد هذا التصور ثقافياً فحسب؛ فقد تضافرت سياسات استقطاب الكفاءات وأسواق العمل التي تكافئ التخصص بقيمة أعلى، فأصبح للتفوق الدراسي امتداد طبيعي خارج الحدود أكثر منه داخلها.

تكشف الأرقام حجم هذا التحول. في 2023 وحدها غادر تونس أكثر من 1500 طبيب، وهو عدد يفوق مجموع خريجي كليات الطب الأربع في السنة نفسها؛ وتقدّر عمادة الأطباء أن نحو 80% من الأطباء الشباب حديثي التخرج يغادرون سنوياً، خاصة نحو ألمانيا وفرنسا. وفي 2022 تجاوز عدد المهندسين المغادرين 6500 مهندس، فيما تشير عمادة المهندسين إلى أن أكثر من 45 ألفاً غادروا البلاد خلال العقد الأخير، أي نحو 42% من إجمالي المهندسين المسجلين لديها. وتستقطب فرنسا وحدها نحو 5000 طالب تونسي جديد سنوياً، ليبلغ إجمالي الدارسين هناك نحو 16 ألفاً، في مسار يتحول لدى عدد مهم منهم من تجربة دراسية مؤقتة إلى مشروع استقرار طويل الأمد.

ولا ينفصل هذا كله عن مسار سياسي أعمق: فقد أضعفت برامج الإصلاح الهيكلي، منذ منتصف الثمانينيات، قدرة القطاعين الصحي والتعليمي على استيعاب خريجيهما، فالتقى البعد الثقافي بالبعد المؤسسي: مرجعية رمزية تجذب نحو الخارج، وخدمة عمومية أقل قدرة على الاستيعاب تدفع من الداخل.

لكن الرقم، مهما كان صادماً، ليس القضية كلها؛ فأهم ما يكشفه أن هجرة الكفاءات لم تعد حدثاً بعد التخرج فقط، بل دخلت في حسابات الاختيار الدراسي والمهني نفسها.

وتكشف خبرة التوجيه المدرسي والجامعي، على امتداد ثلاثة عقود، هذا التحول أكثر مما تكشفه الإحصاءات. ومن موقع الممارسة المهنية، لاحظنا تغيراً في أسئلة الشباب وأوليائهم: لم يعد السؤال دائماً «ما فرصي في هذا الاختصاص في تونس؟»، بل «ما آفاقه في الخارج؟». وكان بعضهم يسأل حتى عن شروط الحصول على الجنسية الأجنبية، بما يكشف حضور الخارج في المخيال، لا مجرد البحث عن وظيفة.

ولا تكمن الدلالة في أن هذه الأسئلة تتعلق بالهجرة، فذلك طبيعي في عالم مفتوح، وإنما في أنها تكشف حضور الخارج مبكراً في حساب المستقبل، حتى أصبح اختيار الاختصاص نفسه يُبنى أحياناً على أفق سوق عمل خارجية.

وهذه ليست حجة ضد المهاجر؛ فالفرد لا يُلام لأنه بحث عن حياة أفضل. المشكلة أدق:اختلال في توزيع عائد الاستثمار في المعرفة بين بلد يكوّن وبلد يستفيد، ولا يفسره الخارج وحده، بل يكشف أيضاً ضعف قدرتنا على تحويل التعليم إلى عمل، والعمل إلى إنتاج، والكفاءة إلى قيمة مضافة.

فمسار الكفاءة يتشكل قبل المغادرة بسنوات، حين يتعلم الفرد ما يعنيه النجاح أصلاً. والمغادرة ليست سوى الحلقة الأخيرة في مسار طويل، لا نقطة انطلاقه.

بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115