هندسة الإحلال الاستعماري في ظل تقاطعات الصراع الأمريكي-الإيراني

يتكشف المشهد الميداني في جنوب لبنان عن تحول

استراتيجي خطير يتبلور عبر مخططات الاحتلال الإسرائيلي لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد. فبين غارات مدمرة تستهدف ما تبقى من البنى التحتية المدنية والخدماتية -وعلى رأسها تدمير مستشفى غندور في النبطية الفوقا واستهداف المقار الحكومية -تسعى تل أبيب إلى إعادة هندسة حدودها الجنوبية عبر طرح عسكري ميداني يُعرف بـ "الخط الرمادي"، مستغلة الهامش الواسع المتاح لها في خضم الصراع الإقليمي المفتوح بين واشنطن وطهران.

ويتلخص مفهوم "الخط الرمادي" في مقترح عسكري إسرائيلي يهدف إلى تقليص حجم القوات المنتشرة في العمق اللبناني والتراجع نحو شريط حدودي ضيق يتراوح عمقه بين 3 إلى 4 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. يأتي هذا المخطط بعد مرحلة من التدمير الممنهج والنسف الواسع للقرى والبلدات الحدودية (مثل ميس الجبل وبني حيان والمنصوري) لجرف الغطاء النباتي وإزالة المباني، بغية إقامة مواقع عسكرية متقدمة ونقاط مراقبة ترتبط بمنظومات إنذار مبكر لحماية امن المستوطنات الصهيونية الشمالية.

أما الفرق الجوهري بينه وبين "الخط الأصفر" أو مفهوم "المنطقة الأمنية" الواسعة التي فرضها الاحتلال سابقا وبلغ عمقها نحو عشرة كيلومترات، فيكمن في التحول من الاحتلال الواسع والاشتباك المفتوح في العمق إلى استراتيجية " الرصد المتقدم". ويهدف هذا الخط المستجد إلى تقليل الخسائر البشرية المباشرة في صفوف جيش الاحتلال مع ضمان الهيمنة الاستخباراتية المطلقة وتحويل الشريط الحدودي إلى منطقة عازلة محروقة ومفرغة من سكانها وبناها التحتية.

ولا يمكن فصل هذه العمليات العسكرية عن عقيدة الإحلال والتوسع الاستعماري التي تطبقها "إسرائيل" في الجنوب اللبناني. إن النسف الممنهج للبنية التحتية، وتدمير المؤسسات المدنية كوزارة المالية والمرافق الصحية، لا يقتصر على أهداف عسكرية بحرية أو برية تكتيكية، بل يرقى إلى هندسة ديموغرافية قسرية تهدف إلى جعل الحياة في الجنوب مستحيلة، ومنع عودة النازحين، وتكريس وقائع أرضية تحرم الدولة اللبنانية من بسط سيادتها الفعلية على حدودها.

وتتحرك آلة الحرب الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية بتناغم وثيق مع مسرح المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. فالتصعيد الأخير - المتزامن مع التصعيد العسكري البحري  وتبادل الضربات في الخليج ومضيق هرمز، وتحديات العقوبات المالية  على طهران - يعكس رغبة إسرائيلية أمريكية مشتركة في الضغط على حلفاء طهران وتحجيم أي أوراق تفاوضية إقليمية.

الأكيد ان الهدوء النسبي الذي ساد منذ مذكرات التفاهم السابقة بات مهددا بالانهيار الكامل، حيث تستخدم تل أبيب كل خرق ميداني ذريعة لتثبيت ركائز استراتيجيتها بعيدة المدى، تاركة الدولة اللبنانية وشعبها في مواجهة فاتورة ثقيلة من الدمار والنزوح المستمر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115