يضبط الشروط والإجراءات التنظيمية التي يتعين على البنوك مراعاتها في منح القروض والتمويلات الصغرى على الشرف، واضعا بذلك حلقة جديدة في مسار بدأ منذ سنتين، وانتقل تدريجيا من النص القانوني إلى التطبيق.
حيث يتّجه التّذكير أنّ القانون عدد 41 لسنة 2024، المؤرّخ في 2 أوت 2024، المتعلق بتنقيح بعض أحكام المجلة التجارية و اتمامها، والذي عُرِف بالخصوص من خلال جانبه المتعلق بالنظام الجديد للشيكات، أقر مبدأ القروض والتمويلات على الشرف، لكنه ترك عددا من المسائل المتعلّقة بشروط الانتفاع وكيفية التطبيق، في انتظار صدور النصوص الترتيبية.
وبعد قرابة سنتين، صدر الأمر عدد 148 لسنة 2026، المؤرّخ في 23 جويلية 2026، ليضبط شروط ومعايير إسناد التمويلات الصغرى على الشرف، ويوضح الفئات المعنية وسقوف التمويل. حيث تصل هذه السقوف إلى 5 آلاف دينار بالنسبة إلى الأفراد، و10 آلاف دينار لأصحاب المشاريع الصغرى، و25 ألف دينار للمؤسسات الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية، مع إمكانية فترة إمهال تصل إلى ستة أشهر ومدة سداد لا تتجاوز سنتين.
ومع دخول الأمر التطبيقي المذكور حيز النفاذ، بدأ الأفراد وأصحاب المشاريع والمؤسسات يتوجهون إلى البنوك للاستفسار ومحاولة تقديم مطالبهم. غير أنّ التطبيق العملي لم يكن قد دخل بعد مرحلته الكاملة، وهو ما أفرز خلال شهري جويلية وأوت عددا من التساؤلات حول كيفية إيداع المطالب وترتيبها وإجراءات البتّ فيها.
ومن هنا جاءت أهمية منشور البنك المركزي الأخير بخصوص الجوانب التطبيقيّة المتعلّقة بمنح القروض والتمويلات الصغرى على الشرف.
ومن أبرز ما جاء به هذا المنشور، الذي يدخل حيّز التنفيذ في غرّة أكتوبر 2026، تنظيم إيداع المطالب بصفة حصريّة عبر منصات رقمية يتعين على كل بنك إحداثها مع مراعاة الأحكام التشريعية والترتيبية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية ومتطلبات السلامة المعلوماتية. وتؤمن المنصة الختم الإلكتروني للمطالب المودعة من قبل الحرفاء بما يثبت تاريخ وتوقيت إيداعها و يمكّن من ترتيبها بحسب أسبقية تقديمها. ويُعتمد تاريخ وتوقيت إيداع المطلب المثبتان بختم التوقيت الإلكتروني لترتيب أسبقيّته واحتساب أجل البت فيه كما يقتضيه الفصل 6 من الأمر عدد 148 لسنة 2026 المتعلق بضبط شروط ومعايير اسناد تمويلات صغرى على الشرف المشار إليه.
و أوجب منشور البنك المركزي أن توفر المنصة إثر إيداع مطلب القرض أو التمويل، وبصفة آلية، وصلا يبلّغ إلى الحريف بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا يبّين تاريخ وتوقيت إيداع المطلب المثبتين بختم التوقيت الإلكتروني.
كما نص المنشور في فصله الثالث على أنه لا يُعتدّ بأي مطلب يتم تقديمه بأي وسيلة أخرى غير المنصة الإلكترونيّة المخصّصة للغرض، أي أنّ تقديم مطالب الإنتفاع بهذه التّمويلات يكون حصرا عبر المنصّة الإلكترونيّة.
ولئن كانت مسألة إقرار الحق في الحصول على هذا النوع الجديد من التمويل، محسومة بمقتضى قانون 2 أوت 2024 والأمر عدد 148 لسنة 2026 المؤرخ في 23 جويلية 2026 المشار إليهما أعلاه، و كذلك الشأن بخصوص تنظيم طلب هذه القروض، وضمان تكافؤ الفرص بين طالبيها، بمقتضى منشور البنك المركزي المؤرخ في غرّة سبتمبر 2026، فإنّ ما يميّز القروض على الشرف يتجاوز طريقة تقديم المطلب و إجراءات الحصول عليها.
ذلك أنّ القروض على الشرف تقوم على فلسفة مختلفة في علاقة البنك بالمقترض: فالأمر يتعلّق بتمويل دون فوائد، وبالأخص دون الضمانات التقليدية التي تشترط عادة في القروض البنكي، حيث يتّجه التذكير في هذا المستوى أنّ الأمر المؤرخ في 23 جويلية 2026 نص في فصله الثالث على أن القروض والتمويلات على خطوط التمويل الصغرى على الشرف تسند على المدى القصير وتسدد على فترة أقصاها سنتان دون فوائد، مع إمكانية منح مدة إمهال أقصاها ستة أشهر، مثلما سلف بيانه، كما ينصّ بالخصوص على أنّه لا يمكن للبنك أن يشترط تقديم تأمينات أو ضمانات مهما كان نوعها.
وهنا تحل الثقة محلّ الضمان. فالضّمانات العينية أو الشخصية تؤدي عادة وظيفة واضحة بالنسبة إلى البنك، فهي وسيلة لتقليص مخاطر عدم الخلاص. أمّا في القرض على الشرف، فقد اختار المشرع تسهيل النفاذ إلى التمويل بالنسبة إلى فئات قد لا تكون قادرة على تقديم مثل هذه الضمانات.
غير أنّه لا جدال في أنّ غياب الضمان لا يعني غياب الدين. فالقرض على الشرف ليس منحة، وعدم وجود رهن أو كفيل لا يعني أن المنتفع غير مطالب بإرجاع المبلغ الذي حصل عليه. فهو يظل مدينا تجاه البنك، وتبقى مسؤولية الخلاص وفق الشروط والآجال المحددة قائمة.
و من بين الإجراءات المتعلقة بحوكمة التصرّف في هذا النوع الجديد من التمويل، يشارإلى أنّ الفصل 4 من منشور البنك المركزي الأخير، نصّ على أن تصرّح البنوك لمركزية معلومات البنك المركزي التونسي بالقروض والتمويلات الصغرى على الشرف الممنوحة لمختلف المستفيدين بصفة حينية عند صرف القرض أو التمويل وذلك حسب رموز الأصناف المبينة بالملحق عدد 1 من ذات المنشور. كما يتعين على البنوك في صورة الموافقة على مطلب تمويل أو قرض يندرج ضمن أحد أصناف التمويل على الشرف، الإطلاع قبل صرف التمويل أو القرض، على وضعية تعهدات طالب التمويل لدى مركزية معلومات البنك المركزي التونسي للتحقق من عدم حصوله على قرض أو تمويل من نفس الصنف لم يتم خلاصه بالكامل.
كما أن البنك المركزي سيكون له، وفق المنشور الجديد، دور رقابي على القروض والتمويلات المسندة على موارد حساب خط التمويل على الشرف لضمان احترام الشروط والمعايير المنصوص عليها في المنشور ذاته وفي الأمر عدد 148 الصادر في 23 جويلية 2026، حيث يتعيّن على البنوك، موافاة البنك المركزي التونسي بكشف شهري في القروض والتمويلات المسندة على موارد حساب خط التمويل على الشرف وفي المبالغ المستخلصة وغير المستخلصة منها وجردا لكافة العمليات المسجلة.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لهذه التجربة: ماذا يحدث عندما يتعثر المنتفع في الخلاص؟ وماذا يحدث عندما يفشل المشروع الذي تمّ تمويله بالقرض؟ وهل يمكن التمييز بين من عجز فعلا عن السداد نتيجة ظروف اقتصادية أو اجتماعية، وبين من امتنع عن الوفاء رغم قدرته عليه؟
هذه الأسئلة ليست مجرد تفاصيل قانونية فحسب بل هي في صميم الاستدامة الاقتصادية لمنظومة القروض على الشرف.
فالأموال التي يقرضها البنك في إطار التمويل على الشرف يجب أن تعود إلى الدورة التمويلية حتى تتسنّى إعادة إسنادها إلى منتفعين آخرين، ما يدفع إلى التفكير حول آليّات بديلة تمكّن من ضمان تسديد هذه التمويلات. ومن هنا يبرز سؤال اقتصادي يستحق النقاش: إذا كانت الدولة قد أنشأت، منذ سنوات، آليات لضمان وتقاسم مخاطر بعض أصناف القروض الموجهة إلى المشاريع و المؤسسات الصغرى و المتوسطة، فهل يمكن الإستئناس بهذه التجارب والتفكير في آلية مماثلة لمرافقة القروض على الشرف على غرار إنشاء صندوق ضمان خاص بالقروض على الشرف، أو توسيع إحدى آليات الضمان القائمة لتغطية جزء من مخاطر عدم الخلاص؟
هذا الأمر لا يعني أن تتحمل الدولة ديون المقترضين، ولا أن يتحول القرض على الشرف إلى تمويل بلا مسؤولية. كما لا يعني أيضا إعفاء البنوك من دراسة الملفات ومتابعة المشاريع واستخلاص الديون، بل التفكير في مبدأ تقاسم المخاطر.
فيمكن، مثلا، تصور آلية لا تغطي كامل الدين، وإنما جزءا محددا من الخسائر التي قد تنتج عن التعثر في الخلاص، وفق شروط دقيقة تميز بين التعثّر الحقيقي وبين الامتناع عن الخلاص.
وقد يكون لهذا التصور أثر مزدوج: فمن جهة، يطمئن البنوك أن مخاطر هذه القروض لن تقع بالكامل على عاتقها، ومن جهة أخرى يحافظ على الهدف الأصلي للمنظومة، أي تسهيل النفاذ إلى التمويل بالنسبة إلى أشخاص ومشاريع قد تحول الضمانات التقليدية دون حصولهم عليه.
لكن إنشاء مثل هذه الآلية يطرح بدوره أسئلة لا تقل أهمية، على غرار تحديد من يمول صندوق الضمان؟ وما نسبة التغطية؟ ومتى يتدخل هذا الصندوق؟ وهل يكون التدخل بعد استنفاد إجراءات الاستخلاص؟
و عموما، فإنّ الأمر لا يتعلق بضمان شامل، وإنما بتحقيق توازن بين ثلاث مسؤوليات: مسؤولية المنتفع عن خلاص القرض، ومسؤولية البنك عن حسن إدارة التمويل، ومسؤولية الدولة عن إنجاح آلية اختارتها كأداة للإدماج المالي ودعم المبادرة.
وبذلك، فإنّ نجاح القروض على الشرف لن يقاس بعدد المطالب التي ستستقبلها المنصات الرقمية فحسب، ولا بعدد القروض التي ستسند خلال الأشهر الأولى، بل كذلك بقدرة هذه التمويلات على الاستمرار: فإذا عاد المال إلى البنوك في آجاله، أمكن إعادة توجيهه إلى منتفعين آخرين، وتحولت الثقة إلى آلية تمويل مستدامة. أما إذا ارتفعت نسب التعثّر وعدم الخلاص، فقد تتحول المخاطر إلى عبئ على المؤسسات المالية وعلى المنظومة العمومية نفسها.
ومن هنا تبدو القروض على الشرف أكثر من مجرد إجراء جديد في مجال التمويل: إنها تجربة تختبر إمكانية بناء علاقة جديدة بين البنك والمواطن، يكون فيها غياب الضمان التقليدي مقابلا لمسؤولية أكبر في الالتزام بالخلاص.
وقد يكون السؤال الذي سيحدد مستقبل هذه التجربة، بعد تجاوز مرحلة النص والإجراءات متعلّقا بمعرفة كيف ستتم إدارة مخاطر عدم الخلاص؟ فإذا كانت الثقة ستحل محل الضمان عند منح القرض، فهل يمكن أن يحلّ تقاسم المخاطر محلّ جزء من الضمان عند وقوع التعثر؟ ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال إحدى أهم شروط نجاح تجربة القروض على الشرف.
بقلم: كريم بن حميدة
باحث في القانون والاقتصاد الرقمي