حديث الزّمن..

ربّما نحتاج جميعا إلى إعادة النظر في علاقتنا بالزّمن

والتدقيق في تمثّلنا لمفهوم «السرعة» ، ففي هذه اللحظة التي توحي بالجمود والسكون، ويتوقف فيها الزمن لدى الكثيرين منا انتظاراً لعودة الكهرباء أو المياه الصالحة للشراب أو توجّساً من معاناة رحلة البحث عن قوارير المياه المعدنيّة والحاجيات المعيشيّة الأساسية التي تتناوب حضوراً وغياباً، وتتوقف عقارب الساعة لدى عائلات المحرومين من الحرية انتظاراً لخبر يطمئنها على قريب خلف القضبان أو صديق مضرب عن الطّعام ،

في هذه اللحظة التي يتوقف فيها الزمن على وقع مشاكل لا حلّ لها ووعود لا تتحقق ومجالس تنعقد لمناقشة ما نوقش مرّات بلا عدّ، وزيارات فجئية لأحياء تمّت زيارتها فجئياً في مناسبات بلا حدّ، تدور الأرض حول نفسها، فتأخذنا معها بسرعة تقارب 1700 كيلومتر في الساعة، ثم تندفع بنا، في رحلتها حول الشمس، بسرعة تفوق 107 آلاف كيلومتر في الساعة، بما يعادل نحو 120 مرّة سرعة الطائرة التي أقلّت ذات حجّ وفدا وزاريا إلى البقاع المقدسة .

والشمس نفسها، التي ساعدها بعضنا لجعل صائفتنا قطعة من العذاب، ليست جالسة تنتظرنا، بل تجرّ النظام الشمسي بأكمله حول مركز مجرة درب التبانة بسرعة تقارب 828 ألف كيلومتر في الساعة. ومجرّتنا بدورها تتحرك في الفضاء، فيما تقترب من جارتها أندروميدا بسرعة هائلة، في انتظار «لقاء» كوني مؤجل إلى ما بعد نحو 4.5 مليارات سنة.

باختصار، نحن حالة فريدة : نتحرك بسرعة جنونية… ولكن دون إحساس بالزّمن و لا وعي بالحركة !

لكن يبدو أن هناك زمناً آخر لا يخضع تماماً لقوانين الفيزياء: الزمن السياسي والإداري التونسي.

في الكون، لا تتوقف الأرض لتشكّل لجنة لدراسة دورانها حول نفسها، ولا يعقد النظام الشمسي مجلساً وزارياً مضيقاً قبل أن يقرر مواصلة رحلته حول المجرة. والمجرات نفسها، على ما يبدو، لا تحتاج إلى سنوات من الاجتماعات والمراسلات حتى تبدأ الاقتراب من بعضها بعضا..

وحده الزّمن التّونسي مستثنى من نظرية إينشتاين التي تقتضي أنّ مرور الزمن يتباطأ عندما يتحرك الجسم بسرعة عالية جداً تقارب سرعة الضوء ، فالزّمن عندنا يتباطأ دون حاجة للحركة أصلا ، فقد اكتشفنا زمناً من نوع آخر. زمنٌ يستطيع فيه مشروع أن يبقى مشروعاً، واللجنة أن تبقى لجنة، والمسار أن يبقى مساراً… إلى أن يصبح مرور السنوات جزءاً من طبيعة المشروع!

تكاد المحكمة الدستورية أن تصبح موضوع دراسة في كليات الحقوق في مبحث «المؤسسات الافتراضية المهجورة»، ولا ينتظر المجلس الأعلى للقضاء سوى رصاصة الرحمة ومنح صلاحياته بشكل رسمي للسلطة التنفيذية ليتواءم الواقع مع النص، بعدما أصبح الحديث عن تركيزه واستكمال مؤسسات العدالة حديثاً نظرياً غير منتج لأي أثر في الواقع.

أما الصلح الجزائي، فقد يكون المثال الأكثر طرافة على هذا «الزمن التونسي» الذي تلتبس فيه الفوارق بين الأيام والسنوات، كما التبست لدى البعض ، عند تعدّد الأرقام وتكاثر الأصفار، الفوارق بين الملايين والمليارات..!

فمنذ أن طرحت السّلطة فكرة الصلح الجزائي، كانت الأرقام التي جرى الحديث عنها أشبه بلمعان سراب أو  حلم يسيل اللّعاب : 13.5 مليار دينار تونسي، أي ما يقارب نصف ميزانية الدولة آنذاك، يمكن استرجاعها من «الفاسدين» وتوجيهها إلى تنمية المناطق المحرومة.

وبدل أن تكون «اللجنة الوطنية للصلح الجزائي» ، التي وُضع إطارها القانوني في 20 مارس 2022 ، مصدرا للمعلومة و الخبر حول تقدّم الإنجاز أصبحت هي الخبر ، بعد أن تمّ تمّ تغيير رئيسها ثلاث مرّات منذ تأسيسها ، آخرها في 08 جوان 2026 ، و بعد أن أصبحت في 2024 مكلّفة حصريّا بإعداد الملفات و تمّ بتجريدها  من الدّور التقريري و منحه لمجلس الأمن القومي برئاسة رئيس الجمهورية..!

وبعد تمديد تلاه تمديد ، يُرجّح أنّ ما تم استرجاعه لم يتجاوز ،حتى منتصف سنة 2023، 35 مليون دينار أي نحو 0.26% فقط من مبلغ الـ13.5 مليار دينار الذي كان يفترض أن يغيّر وجه التنمية في البلاد!

وهكذا، يبدو أن «الزمن التونسي» لا يقاس فقط بعدد السنوات التي تمرّ، بل أيضاً بالمسافة التي تفصل بين الوعود والأرقام والنتائج.

أما الشركات الأهلية، فقد انطلقت كفكرة يفترض أن تتحول سريعاً إلى واقع اقتصادي واجتماعي، فإذا بها تحتاج إلى زمن يكاد ينافس الزمن الجيولوجي!

ولأن الإنصاف يقتضي ألا نبحث عن «الزمن التونسي» في جهة واحدة فقط، فللمعارضة السياسية بدورها نصيب من هذا الزمن العجيب. فمنذ سنوات طويلة، تمرّ السنوات وتتبدّل الظروف وتتغيّر الأجيال، فيما تبدو بعض مكوّنات المعارضة وكأنها عالقة في اللحظة السياسية نفسها: الخطاب ذاته تقريباً و الأدوات ذاتها وأساليب التنظيم ذاتها وأحياناً حتى الأخطاء ذاتها!

فالزمن الذي يفترض أن يكون فرصة للتعلّم والمراجعة والتحسين، يتحول أحياناً إلى مجرد عدّ للسنوات. لا تحديث جدّي للهياكل، ولا تطوير كافٍ لوسائل التواصل مع المجتمع، ولا تقييم دوري للمردود، ولا تسلّح بشجاعة تجترح نقدا ذاتيّا يضع التجارب السابقة تحت المجهر، ولا مراجعات عميقة تميّز بين ما ينبغي التمسك به وما ينبغي التخلي عنه.

ولعل المعارضة، وهي تطالب السلطة بأن تتعلم من أخطائها وأن تحاسب نفسها، مطالبة هي الأخرى بالقدر نفسه من الشجاعة. فالنقد الذاتي ليس ترفاً سياسياً، والمراجعة ليست اعترافاً بالهزيمة، وتجديد الخطاب والتنظيم والقيادات ليس خيانة للماضي ، بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة سياسية هو أن يتحول معيار التعاطي مع ماضيها من الإحتفاظ و التّجاوز إلى الإحتفاظ و التّحفّظ و المحافظة،

وهكذا يصبح لدينا، حتى في المعارضة، نوع آخر من «الزمن التونسي»: زمنٌ تمرّ فيه السنوات، بينما تبقى بعض الأفكار في مكانها، وتبقى بعض الهياكل في مكانها، وتبقى بعض الوجوه في مكانها… وكأن الساعة السياسية توقفت، لا لأن الزمن توقّف، بل لأن أحداً لم يجرؤ على تحريك عقاربها

ولعل المفارقة الأطرف أن المدة الرئاسية، وفق التقويم الدستوري، خمس سنوات ،لكن وفق الإحساس بالزمن الذي تنتجه وتيرة الإنجاز، قد يخيّل للمواطن أنها عشرون سنة!

بقلم: سمير ديلو

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115