اضطرابات موسمية يمكن تجاوزها ببعض الإجراءات الظرفية، بل أصبحت مؤشرا على هشاشة منظومتين حيويتين تمسان الحياة اليومية والاقتصاد والصحة العامة. فمع ارتفاع درجات الحرارة، تتكرر انقطاعات الكهرباء، وتتراجع القدرة على التزود المنتظم بالماء، فيما يجد المواطن نفسه أمام نقص متزايد في المياه المعلبة، التي أصبحت بالنسبة إلى التونسيين بديلا إجباريا عن ماء الحنفية.
والمفارقة أن تونس لا تعاني فقط من نقص الموارد، وإنما من مشكلة أعمق تتعلق بكفاءة إدارة الموارد الموجودة، وبقدم الشبكات، وارتفاع كلفة الطاقة، وتراجع جودة بعض مصادر المياه. كما تعاني من غياب منظومة طوارئ قادرة على الاستجابة السريعة عندما تتزامن موجات الحر مع ارتفاع الطلب على الكهرباء والمياه.
ولعل أخطر ما كشفته الأزمة الحالية هو الترابط الوثيق بين الماء والطاقة. فالمياه تحتاج إلى الكهرباء للضخ والمعالجة والتحلية والتوزيع، والكهرباء تحتاج بدورها إلى كميات متزايدة من المياه في بعض مراحل إنتاجها، بينما تؤدي موجات الحر إلى رفع استهلاك الطاقة بسبب أجهزة التكييف، وفي الوقت نفسه إلى زيادة الطلب على المياه. وهكذا تتحول الأزمة إلى حلقة متصلة باعتبار أن ارتفاع الحرارة يرفع استهلاك الكهرباء، وانقطاع الكهرباء يعطل محطات الضخ، وتعطل الضخ يفاقم أزمة المياه، ونقص مياه الحنفية يدفع المواطنين إلى المياه المعلبة، فيرتفع الضغط على مصانع إنتاجها ونقلها وتوزيعها.
وبالتالي، فإن المطلوب لم يعد مجرد إصلاح عطب هنا أو تشغيل محطة هناك، وإنما إطلاق خطة وطنية عاجلة للأمن المائي والطاقة. وتقوم هذه الخطة على قرارات عملية قابلة للتنفيذ في المدى القصير، وعلى رؤية استراتيجية تمنع تكرار السيناريو نفسه كل صيف.
خلية وطنية دائمة
أولى الخطوات الضرورية تتمثل في إنشاء خلية وطنية دائمة لإدارة أزمة الماء والكهرباء، تكون مهمتها متابعة الوضع على مدار الساعة، وتحديد المناطق الأكثر تضررا، والتدخل قبل تحول الأعطاب المحلية إلى أزمات واسعة. ويجب أن تعتمد هذه الخلية على خريطة يومية توضح مناطق انقطاع الكهرباء والمياه، ومستويات الضغط، وأعطاب شبكات التوزيع، ومخزون المياه المعلبة، بما يسمح بتوجيه التدخلات إلى الأماكن الأكثر حاجة.
وفي هذا السياق، ينبغي اعتبار محطات الضخ والمعالجة والتحلية والمنشآت المائية الكبرى منشآت حيوية، وإعطاؤها أولوية في التزود بالكهرباء. كما يجب تجهيز المحطات الأكثر أهمية بمولدات احتياطية وبطاريات تخزين، حتى لا يؤدي انقطاع الكهرباء إلى توقف منظومة المياه بأكملها.
أما الطاقة الشمسية، فلا ينبغي أن تظل مرتبطة فقط بالمشاريع الكبرى التي تحتاج إلى آجال طويلة للإنجاز. فالمرحلة الحالية تستوجب برنامجا سريعا لتركيب الألواح الشمسية فوق محطات الضخ والمعالجة والتحلية وخزانات المياه، بما يسمح بإنتاج جزء من الطاقة في المكان الذي تستهلك فيه مباشرة. ويمكن دعم هذه المنظومة بالبطاريات، خصوصا بالنسبة إلى المنشآت التي لا تحتمل توقف التشغيل.
كما يمكن إطلاق برنامج وطني لتخفيض كلفة إنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية وتخزينها بالنسبة للمواطنين، ولتركيب الطاقة الشمسية فوق أسطح المؤسسات العمومية، من المدارس والمستشفيات إلى الجامعات والإدارات والبلديات. فآلاف المباني العمومية تمتلك مساحات يمكن استغلالها لإنتاج الكهرباء، بما يخفف الضغط عن الشبكة الوطنية، خاصة خلال ساعات الذروة.
غير أن معالجة أزمة الكهرباء لا تعني فقط إنتاج مزيد من الطاقة، وإنما أيضا تخفيض الاستهلاك في أوقات الذروة. ولذلك يمكن اعتماد حوافز لتشجيع المؤسسات والمصانع على نقل جزء من استهلاكها إلى خارج فترات الذروة، إلى جانب برنامج لتشجيع استبدال أجهزة التكييف القديمة بأخرى أكثر نجاعة، ودعم العزل الحراري للمباني. فالطاقة التي لا نستهلكها هي في حد ذاتها طاقة منتجة.
وفي الجانب المائي، تبرز ضرورة الانتقال من سياسة انتظار الأمطار إلى سياسة تخزين كل قطرة ممكنة. ويمكن إطلاق برنامج وطني للخزانات، يشمل المباني الجديدة والمؤسسات العمومية والمنشآت الكبرى، بما يسمح بتكوين احتياطي محلي يخفف أثر الانقطاعات. كما ينبغي التوسع في حصاد مياه الأمطار، خصوصاً فوق المدارس والمباني الإدارية والمنشآت الرياضية، واستخدامها في التنظيف والري وبعض الاستعمالات التي لا تتطلب ماءً صالحا للشرب.
أما تحلية مياه البحر، فيمكن تسريعها من خلال اعتماد وحدات تحلية صغيرة ومتوسطة قابلة للتركيب السريع في المناطق الساحلية التي تعاني من نقص المياه، بدل انتظار المشاريع العملاقة وحدها. والأفضل أن تقترن هذه الوحدات بالطاقة الشمسية لتقليص كلفة التشغيل.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تستمر تونس في استهلاك مياه الشرب في أغراض يمكن أن تؤديها المياه المعالجة. فالتوسع في إعادة استعمال المياه المستعملة المعالجة لري المساحات الخضراء والفلاحة وبعض الأنشطة الصناعية يمكن أن يوفر كميات مهمة من المياه العذبة.
ولعل الإجراء الأسرع والأقل كلفة هو مواجهة نزيف المياه داخل الشبكات. فكل لتر يتسرب قبل وصوله إلى المواطن هو مورد ضائع. ولذلك تحتاج تونس إلى فرق تدخل سريعة مزودة بتكنولوجيا الكشف عن التسربات، وإلى تقسيم الشبكات إلى مناطق يمكن قياس تدفقاتها وضغوطها ومراقبتها رقميا، مع إعطاء الأولوية للأجزاء الأكثر تهرؤا.
ويبقى ملف المياه المعلبة جزءا لا يمكن تجاهله من الأزمة. فقد أصبحت قارورة الماء المصنعة بالنسبة إلى الأسر التونسية بديلا عن ماء الحنفية، ولذلك فإن أي اضطراب في الإنتاج أو النقل يتحول بسرعة إلى أزمة اجتماعية. ومن الضروري في هذا الإطار توفير مخزون استراتيجي من المياه المعلبة، موزع جغرافيا، يمكن اللجوء إليه في حالات الطوارئ، مع ضمان استمرارية الكهرباء للمصانع الكبرى المنتجة للمياه باعتبارها منشآت ذات أهمية حيوية خلال فترات الأزمات.
استعادة الثقة في ماء الحنفية
غير أن كل هذه الحلول ستظل جزئية إذا لم تطرح تونس السؤال الأهم: لماذا أصبح جزء كبير من المواطنين لا يثقون في ماء الحنفية؟ فالقول بأن مياه الحنفية في كامل البلاد أصبحت غير صالحة للشرب هو أمر يحتاج إلى إثبات مخبري ومنطقة بمنطقة، ولا يمكن تعميمه صحيا من دون تحاليل رسمية. لكن الواقع الاجتماعي واضح وجلي ويتمثل في وجود تراجع كبير في ثقة المواطن في جودة المياه، سواء بسبب تغير الطعم أو الرائحة أو الملوحة في بعض المناطق، أو بسبب قدم الشبكات، أو بسبب الانقطاعات المتكررة وما يمكن أن يرافقها من اضطرابات في الشبكة. وهنا يجب أن تتحول جودة مياه الحنفية إلى أولوية وطنية بحد ذاتها.
إن المطلوب هو إطلاق برنامج عاجل لتحليل المياه في مختلف المناطق، على أن تكون النتائج شفافة ومتاحة للمواطنين، مع تحديد المناطق التي تستوجب تدخلا سريعا. ويجب ألا يقتصر التحليل على المياه عند خروجها من محطات المعالجة، بل يشمل أيضاً المياه بعد انتقالها عبر شبكات التوزيع، لأن جودة المياه يمكن أن تتأثر بمسارها داخل شبكة قديمة أو متضررة. كما ينبغي تحديد خريطة وطنية لجودة مياه الشرب، توضح للمواطن مستوى الملوحة والكلور والمؤشرات الكيميائية والميكروبيولوجية الأساسية، وما إذا كانت المياه صالحة للشرب مباشرة أو تحتاج إلى معالجة إضافية.
إن استعادة الثقة في ماء الحنفية ليست مسألة تقنية فقط، وإنما هي قضية اقتصادية واجتماعية وبيئية أيضا. فاعتماد ملايين المواطنين على المياه المعلبة يعني استنزافا إضافيا لدخل الأسر، وزيادة في استعمال البلاستيك، وضغطا أكبر على المصانع وشبكات النقل والتوزيع. وإعادة مياه الحنفية إلى موقعها الطبيعي كمصدر رئيسي وآمن للشرب ستخفف الضغط على المياه المعلبة، وتقلل النفايات البلاستيكية، وتمنح المواطن موردا يوميا مستقرا لا يتأثر بنقص القوارير في الأسواق.
إن تونس تحتاج اليوم إلى مشروع وطني واضح يمكن تسميته على سبيل المثال"الأمن المائي والطاقة 2030"، لا باعتباره شعارا جديدا، وإنما باعتباره خطة عملية ذات آجال ومؤشرات ومحاسبة. فالشمس يمكن أن توفر الكهرباء اللازمة لضخ المياه وتحليتها، والمياه المعالجة يمكن أن توفر موارد جديدة للفلاحة والصناعة، والأمطار يمكن تخزينها، والرقمنة يمكن أن تقلص التسربات، وتجديد الشبكات يمكن أن يحافظ على جودة المياه، كما يمكن لإدارة الطلب أن تخفف الضغط عن الكهرباء.
وبالتالي، لا ينبغي أن يكون طموح الدولة هو أن يجد المواطن قارورة ماء في المتجر فقط، ولا أن تمر ساعات الصيف من دون انقطاع للكهرباء. فالطموح الحقيقي هو بناء منظومة تجعل هذه الأزمات أقل احتمالا، وأقل كلفة عندما تقع.
فالماء والكهرباء ليسا مجرد خدمتين عموميتين، بل هما جزء من الأمن الوطني ومن القدرة على حماية الاقتصاد والصحة والاستقرار الاجتماعي. وما كشفه "صيف الأزمات" هو أن تونس لم تعد تملك رفاهية تأجيل الإصلاحات.
لقد حان الوقت للانتقال من إدارة الانقطاع إلى إدارة الموارد، ومن انتظار الأزمة إلى استباقها، ومن البحث عن حلول ظرفية إلى بناء منظومة دائمة للماء والطاقة. والهدف الأكثر وضوحا يجب أن يكون بسيطا ومباشرا وهو أن يستطيع التونسي، في كل مدينة وقرية، أن يفتح حنفية منزله بثقة، وأن يجد الكهرباء مستقرة، وأن تكون الدولة قد أمنت له هذين الموردين الأساسيين وذلك بعد أن تحولت ندرة الماء والطاقة إلى أزمة أكبر من قدرة المجتمع على تحملها.