من يملك تونس؟

«نحنا ملاكة موش كرّاية». قالها تونسيون/ات في الشارع

ذات سنوات، وهم يتحدثون عن بلد شعروا أنه خرج من بين أيديهم، وعن وطن يريدون استعادته من سلطة احتكرت القرار والفعل وحتى الحلم. أتذكر تلك العبارة اليوم فأشعر أنها كانت أكبر من كلماتها. كنا نقول إن تونس لنا، وإن البلد الذي ولدنا فيه وعشنا تفاصيله ودفعنا ثمن أخطائه وأحلامه يستحق أن يكون لنا فيه مكان حقيقي.. كنا نريد تونس التي نستطيع أن نعيش فيها كما نريد، ونحلم فيها كما نريد، ونختلف فيها كما نريد، ونكبر فيها ونحن نشعر أن السنوات التي نعطيها لهذا البلد ستعود إلينا في شكل حياة وانتماء وكرامة.

أفكر اليوم في تلك العبارة فأشعر أن شيئًا ما تبدل في معناها. كبرنا نحن، وكبرت تونس معنا، ثم وجدنا أنفسنا في منتصف العمر تقريبًا ونحن نحاول أن نفهم أين ذهبت أشياء كثيرة كنا نظنها قريبة منا.. وانتبهت أننا نمارس الإنكار، فنحن "كرّاية" ولسنا "ملاكة".. 

في العشرينات، كان لكل واحد منا وجهٌ ما للمستقبل، صورة صغيرة يرسمها في داخله وهو يظن أن السنوات ستقوده إليها بهدوء. تخيّل أحدنا بيتًا يشبهه، يفتح بابه آخر النهار فيجد فيه نفسه؛ ورأى آخر مهنةً تليق بما تعلّم وبما كان يحلم أن يكونه؛ وأراد أحدنا أن يكتب، وآخر أن يسافر بعيدًا ثم يعود محمّلًا بما رآه، وآخر أن يبني شيئًا يحمل اسمه ويشبه يديه. وكان بيننا من لم يطلب من الحياة أكثر من عيشٍ عادي، فيه شيء من الأمان، وشيء من الحب، ووقتٌ كافٍ لأن يرى أبناءه يكبرون، وأن يلتفت ذات مساء إلى عمره فيجد فيه حياةً عاشها فعلًا.. كنا نرى كل ذلك ببساطة وربما بسذاجة من يظن أن العمر طويل، وأن أمامه وقتًا كافيًا ليجرّب ويخطئ ويبدأ من جديد..

ثم أخذت الحياة قطعة حيّة من كل حلم.. فرص تأخرت، وأموال تأخرت، ومشاريع تأجلت، وعلاقات انتهت، وبلد تغير.. ولم يعد يشبهنا.. أكل منّا اللحم وحتى العظم وانتزع من الحلم..

كبرنا ونحن نؤجل بعض الأشياء إلى حين تتحسن الظروف.. ثم احتاجت الظروف إلى ظروف أخرى حتى تتحسن، وهكذا صار التأجيل أسلوب حياة هنا. «بعد أن أستقر»، «بعد أن أجد عملًا أفضل»، «بعد أن أجمع المال»، «بعد أن أرتب حياتي». ثم تمر مرحلة وراء مرحلة،  ونكتشف أن العمر كان يمشي في الاتجاه نفسه..

أنا من جيل عاش أكثر من تونس في حياته. عشنا تونس التي كانت تتحدث عن المستقبل بطريقة مختلفة، وعشنا لحظة الثورة بكل ما حملته من اندفاع وإرادة  وأمل، وعشنا السنوات التي جاءت بعدها وهي تبحث عن شكلها، ثم رأينا السياسة تضيق مرة أخرى، ورأينا البلاد تدخل في تعب طويل يجعل الإنسان يفكر في أبسط الأشياء باعتبارها إنجازًا.

صار الحصول على عمل مكسبًا، والاستقرار مكسبًا، والقدرة على دفع الكراء مكسبًا، والعثور على طبيب مكسبًا، والحصول على الماء والكهرباء والنقل في ظروف معقولة شيئًا يستحق الامتنان..  وعرفنا في الأخير أنّ هذا شكل من أشكال الإذلال .. وأكلتنا الحياة لنتخلى عن الأحلام حلما حلما ..

السياسة تدخل إلى حياة الناس من هذه التفاصيل تحديدًا.. حين تجعل الإنسان يستهلك طاقته كلها في تدبير يومه، وحين تجعل المستقبل غامضًا إلى درجة يصبح معها التخطيط رفاهية.. يحتاج الإنسان إلى قدر من الاستقرار حتى يحلم، وإلى شعور بأن الغد يمكن أن يحمل شيئًا قابلًا للبناء حتى يغامر، وإلى مؤسسات تمنحه ثقة في أن جهده سيجد مكانًا في المجتمع.. وحين تتآكل هذه الأشياء، يبدأ الإنسان في تقليص المسافة بين ما يريده وما يستطيع تحمله، ثم يتعلم بالتدريج أن يعيش داخل الممكن..

وهذا هو الجزء الذي يؤلمني أكثر حين أفكر في جيلي. تعلمنا كيف نكون عمليين أكثر مما ينبغي. تعلمنا كيف نحسب، وكيف نحتاط، وكيف ننتظر، وكيف نؤجل، وكيف نحيا ول نعيش..  تعلمنا أن نخفض سقف توقعاتنا حتى يصبح الواقع قابلًا للسكن. ومع كل حلم نضعه جانبًا، كنا نكسب شيئًا من الحكمة ونخسر شيئًا من أنفسنا..

وحتى الذين غادروا تونس حملوا معهم جزءًا من هذه الحكاية، لأن الهجرة نفسها أصبحت عند كثيرين طريقة لاستعادة حقهم في التخطيط لحياتهم.. وهناك من بقي، مثلي ومثل كثيرين، يحمل علاقة معقدة جدًا بهذا البلد. نغضب منه، ونكتب عنه، ونضحك عليه، ونحاول إصلاح شيء فيه، ثم نشتاق إليه حين نغادره..

كنت أظن أن الوطن يمنح الإنسان جذورًا، ثم اكتشفت أن الوطن يحتاج أيضًا إلى أن يمنحه مساحة وأجنحة.. مساحة للحلم، والاختلاف، والمبادرة، والخطأ، ومساحة لأن يبدأ الإنسان من جديد.. فالوطن الذي يطلب من أبنائه التكيف المستمر مع ظروفه يعلّمهم أن حياتهم مشروع للتأقلم..  وهنا تعود إليّ «نحنا ملاكة موش كرّاية».

فقد أردنا أن تكون لنا كلمة في شكل حياتنا، في شكل مدننا، في تعليم أبنائنا، في مستقبلهم، في اقتصادنا، في ثقافتنا، وفي المجال الذي يستطيع فيه الإنسان أن يقول رأيه ويمضي إلى بيته وهو يشعر أن صوته جزء من البلد..أردنا سلطة يعرف المواطن أنها تمر به، وأن المؤسسات التي تحكمه تعمل باسمه، وأن القرار العام يظل ملكًا للناس حتى حين يمارس شخص ما الحكم... غير أنّ الدولة موجودة فوقنا أكثر مما هي موجودة معنا..

أعرف أن السياسة تُكتب عادة بلغة الأرقام والدساتير والصلاحيات، لكن الإنسان يعيش نتائجها بطريقة أخرى.. يعيشها في العمر الذي يمر، وفي المشروع الذي يؤجله، وفي المهنة التي يتركها، وفي الصديق الذي يغادر، وفي الشاب الذي ينظر إلى الطائرة باعتبارها أقرب طريق إلى مستقبله. .. يعيشها الكاتب الذي يكتب أقل مما يريد، والفنان الذي يعمل في شيء آخر حتى يستطيع أن يمارس فنه، وفي جيل كامل بدأ حياته وهو يتخيل إمكانات كثيرة ثم وجد نفسه يقيس النجاح بقدرته على الصمود.

ربما لهذا أشعر أحيانًا أن أكثر ما خسرناه خلال هذه السنوات كان ذلك الإحساس الجميل بأن المستقبل ملكنا. كنا نراه أمامنا واسعًا ومفتوحًا، ثم بدأ يضيق كلما تقدمنا نحوه. صارت هناك أبواب أكثر، وشروط أكثر، وحسابات أكثر، وخوف أكثر، وأصبح الإنسان يعرف جيدًا ما يستطيع تحمله، إلى درجة صار معها يعرف أيضًا ما الذي عليه أن يتخلى عنه.

ومع ذلك، حين أنظر إلى جيلي، أرى أشخاصًا ما زالوا يحاولون.. والشرف كما يقال يبقى دائما في المحاولة .. ولأنني حين أقول «نحنا ملاكة موش كرّاية»، لا أفكر اليوم في ملكية الأرض، ولا في مفاتيح البيوت، ولا في السجلات العقارية. فقط أفكر في أبسط من ذلك بكثير،  في أنّي أريد أن أشعر أن حياتي هنا تخصني.. وأريد للذين جاءوا بعدنا أن يكبروا وهم يشعرون بالشيء نفسه.

أريد أن يحلم الشاب بحياته قبل أن يحسب كلفتها، وأن تختار المرأة طريقها قبل أن تحسب عدد المعترضين عليه، وأن يكتب الكاتب ما يريد، وأن يبدأ صاحب المشروع مشروعه وهو يفكر في نجاحه، وأن يدخل السياسي إلى السلطة وهو يعرف أن المواطن يستطيع أن يخرجه منها، وأن يكبر الإنسان وهو يشعر أن السنوات التي أمامه ملكه هو.

تلك، بالنسبة إليّ، هي ملكية تونس..أن يكون للناس حق في قرارها، وفي مستقبلها، وفي صورتها التي يريدونها.

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115