لكنها تؤدي في النهاية إلى نتيجة معاكسة تماما للهدف الذي وُضعت من أجله. وتونس تقدم اليوم أكثر من مثال على ذلك.
اذ منذ سنوات، جعلت السلطات من القدرة الشرائية للمواطن أولوية اقتصادية. وهي نية مشروعة، خاصة أن القدرة الشرائية تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. لكن سؤالا يفرض نفسه: إذا كانت السياسات المعتمدة تهدف إلى حماية القدرة الشرائية، فلماذا تواصل هذه القدرة تراجعها؟
ربما تكمن الإجابة في الأدوات المستخدمة أكثر مما تكمن في الهدف نفسه.
حين يؤدي تجميد الأسعار في النهاية إلى ارتفاعها
لنأخذ الحليب نصف الدسم مثالا. فقد تم تحديد سعره إداريا وتجميده منذ عدة سنوات بهدف حماية المستهلك. لكن، في المقابل، ارتفعت كلفة الإنتاج بشكل كبير: أسعار أعلاف الحيوانات أصبحت أكثر ارتفاعا في الأسواق العالمية، كما تراجعت موارد الأعلاف في تونس بفعل موجات الجفاف...
وعندما لا يعود سعر البيع كافيا لتغطية تكاليف الإنتاج، تتدهور ربحية القطاع بأكمله. ويكون المربي الصغير، باعتباره الحلقة الأضعف في السلسلة، أول من يدفع الثمن.
عندها يبدأ قطيع الأبقار الحلوب في التراجع تدريجيا وبلا توقف. تُباع الأبقار، ويُرسل بعضها إلى المسالخ، ومعها يختفي جزء من العجول التي كانت تساهم أيضا في تغذية قطاع اللحوم. وهكذا ينكمش عرض اللحوم الحمراء. وفي مواجهة طلب لا يتراجع، ترتفع الأسعار.
وتسير اللحوم الضأن، باعتبارها منتجا بديلا، في الاتجاه نفسه.
وهكذا، فإن سياسة تهدف إلى حماية المستهلك من ارتفاع سعر الحليب قد تساهم، بصورة غير مباشرة، في تقليص عرض اللحوم وارتفاع أسعارها بشكل حاد. أما الإجراءات التصحيحية، مثل دعم صغار المربين وإنشاء ديوان للأعلاف، فلم تكن كافية لعكس هذا الاتجاه.
وهنا يكمن التناقض: في محاولة منع ارتفاع سعر منتج ما، قد ينتهي الأمر أحيانا إلى التسبب في نقصه، بما يؤدي إلى ارتفاع أسعار منتجات أخرى.
الزيت: حماية السعر إلى حد اختفاء المنتج
وتبدو حالة الزيوت النباتية أكثر دلالة.
فقد جرى الحفاظ على سعر الزيت المدعّم لسنوات، في الوقت الذي ارتفعت فيه الأسعار العالمية بشكل كبير. وأصبح الفارق بين السعر الحقيقي وسعر البيع للعموم كبيرا للغاية، فيما تتكفل الدولة بتغطية هذا الفارق.
لكن عندما تؤدي القيود على الميزانية إلى تأخير صرف الدعم، تجد السلسلة بأكملها نفسها في وضع هش. وقد تقلص قطاع الزيت المدعّم تدريجيا لصالح الزيت غير المدعّم.
والنتيجة لا تخلو من مفارقة: المنتج الذي يفترض أن يكون الأرخص يصبح من الصعب العثور عليه، فيما يجد المستهلك نفسه مضطرا إلى شراء المنتج الأعلى سعرا.
كان الهدف هو تخفيف فاتورة الأسرة. أما النتيجة فهي ارتفاع هذه الفاتورة نفسها.
حين يؤدي إنقاذ التقاعد إلى إضعاف الصحة
وتظهر الآلية نفسها في مجال أكثر حساسية بكثير، هو مجال الحماية الاجتماعية.
فالمساهمات المخصصة للصندوق الوطني للتأمين على المرض «الكنام» تُجمع من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، قبل أن تُحال إلى صندوق التأمين على المرض. لكن العجز المتزايد لهذه الصناديق خلق تدريجيا ضغوطا مالية كبيرة.
ولتجنب اتخاذ القرارات الصعبة، والضرورية لإعادة التوازن إلى صناديق التقاعد بصورة مستدامة، جرى اقتطاع مبالغ من موارد «الكنام».
وعلى الورق، تسمح هذه الخطوة بالحفاظ على صرف جرايات التقاعد. لكن في الواقع، فإنها تضعف السيولة المالية لـ«الكنام»، وبشكل غير مباشر، تضعف كامل سلسلة تمويل منظومة الصحة: المستشفيات العمومية، والصيدلية المركزية، والصيدليات المتعاقدة، والأطباء المتعاقدين...
وهكذا تجد منظومة صحية بُنيت تدريجيا منذ الاستقلال نفسها أمام إضعاف متواصل، في الوقت الذي يُدفع فيه المواطن أكثر فأكثر نحو خدمات صحية خاصة وغير مدعّمة.
وهنا أيضا تكمن المفارقة القاسية: فالسياسة التي يفترض أن تحمي القدرة الشرائية للمتقاعدين تنتهي إلى زيادة نفقاتهم الصحية.
القضية الحقيقية إذن ليست النية، وإنما قابلية الاستدامة.
الحليب، والزيت، والحبوب، واللحوم البيضاء، والحديد، والسكن... الأمثلة كثيرة. والملاحظة نفسها تتكرر دائما: غالبا ما يأتي التدخل العمومي استجابة لحاجة ملحّة ومشروعة، لكن من دون أن يجري دائما تقدير تداعياته على المدى الطويل بالقدر الكافي.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من وهم شائع: فالسعر الذي تحدده الدولة إداريا ليس بالضرورة سعرا منخفضا، كما أن الدعم لا يمثل تلقائيا حماية للقدرة الشرائية.
فالسعر المنخفض بصورة مصطنعة يمكن أن يؤدي إلى نقص في المعروض. والدعم الذي لا يُضبط بالشكل المناسب يمكن أن يؤدي إلى إضعاف قطاع بأكمله. كما أن نقل التمويل من صندوق إلى آخر قد يعطي انطباعا بحل مشكلة، بينما يؤدي في الواقع إلى إضعاف المنظومة ككل.
لذلك ينبغي أن يكون السؤال أقل ارتباطا بـ: كيف نمنع ارتفاع السعر اليوم؟
وأكثر ارتباطا بـ: كيف نضمن أن يبقى المنتج متوفرا غدا، وأن يظل القطاع مربحا، وأن يواصل المستهلك قدرته على شراء هذا المنتج؟
لا بد، في مرحلة ما، من «تحريك الخطوط»
الحلول موجودة. وبعضها كان بالفعل موضوع نقاش بين الإدارة والمتعاملين المعنيين. لكنها تفترض تحديدا ما يتردد المسؤولون العموميون في القيام به في كثير من الأحيان: الخروج من الحلول السهلة، وقبول الإصلاحات التي لن تظهر آثارها الإيجابية إلا على المدى المتوسط أو الطويل.
فحماية القدرة الشرائية لا تعني فقط منع الأسعار من الارتفاع. إنها تعني، قبل كل شيء، إعادة قدرة الاقتصاد على الإنتاج بكميات أكبر، وبكلفة أقل، وبصورة مستدامة.
وهذا أقل إثارة من قرار تجميد الأسعار. كما أنه أصعب سياسيا. لكنه، على الأرجح، أكثر فاعلية بكثير.
لأن أفضل النوايا، في الاقتصاد كما في غيره، لا تكفي. وعندما نرفض معالجة الأسباب من أجل التخفيف من حدة الأعراض، فإن الجحيم يكون أحيانا معبدة بالنوايا الحسنة.
بقلم: شكيب بن مصطفى