بنقردان.. المدينة التي هزمت الإرهاب... فتركتها الدولة تواجه اليأس

منذ عشر سنوات كانت بنقردان محل أنظار كل التونسيين

والعالم، حينها تحدث الجميع عن ملحمة وطن قادها شباب بنقردان، رفقة قواتنا الأمنية والعسكرية، لدحر الإرهاب الذي حاول غدر تونس في خاصرتها الحدودية، ولا يمكن أن ننسى مقولة العمّ مبروك الموثق الذي فقد ابنته سارة ذات الثلاثة عشر ربيعا، برصاص الغدر الإرهابي: "بلادي قبل أولادي، ووطني قبل بطني". لكن ماذا تحقق لأهالي بنقردان بعد أكثر من عشر سنوات دعنا نبسّط الإجابة ونقول إنه لم يتحقق إلا مزيدا من التهميش والتفقير والبطالة وانعدام الخدمات، واليوم ونحن نعيش هذه الفاجعة بعد موت 14 شابا في عمر الزهور، يمكننا القول أنه ليس كل من مات في البحر مات غرقا، بعضهم بدأ الغرق قبل ذلك بسنوات طويلة.

يوم أُغلقت في وجه شبابنا في بنقردان أبواب العمل وكانوا ضحايا لفشل سياسات الدولة التي قنّنت البطالة الأزلية، ويوم صار رزق مدينة كاملة رهينة مزاج الحدود وتقلبات أوضاع المعبر مع ليبيا، ويوم تحولت الوعود إلى خطب، والخطب إلى احتفالات، والاحتفالات إلى صور تذكارية في ذكرى بطولة قديمة، منذ ذلك الحين غرق من غرق.

أما الأحياء منّا، في بن قردان، فيعرفون أن البحر لم يكن يوما هو المشكلة وحده فالبحر كان فقط آخر باب بعد أن أُغلقت كل الأبواب، وكل سبل العيش الكريم. بالمناسبة العيش الكريم ليس مأكلا ومشربا ومسكنا ومحل تجاري صغير تقتات منه عائلة، كما ذهب إلى ذلك بعض مرضى النفوس من ثقفوت هذا الزمان، بل هو أشياء أخرى لا يعرفها إلا من أراد الكرامة الحقيقية.

اليوم ونحن ننتشل جثث أبنائنا والقلوب يعتصرها الألم على هؤلاء الشباب الذين خرجوا بحثا عن حياة وأمل، خمسة عشر شبابا على مركب واحد، لم ينجُ منهم إلا شخص واحد، لا نرى إلا المقابر وهي تلتهم الزهور ويُدفن معها ما بقي من حلم بوطن أفضل.

حيواتنا ليست مجرد أرقام

كل رقم هنا له أم وأب وإخوة وبيت وحلم مؤجل. وكل جثة تخرج من البحر تحمل معها سؤالا ينبغي أن يطاردنا جميعا.. كيف وصل أبناء بن قردان إلى هذه النقطة؟

ولنكن صريحين، ليس الجواب أنهم "متهورون"، ولا أنهم "عشاق مغامرة"، ولا أن الحكاية تبدأ وتنتهي عند مهرّب قبض المال ووضعهم في قارب الموت. المهرّب مجرم، نعم، وشبكات الاتجار بالبشر يجب تفكيكها ومحاسبتها، لكن من السهل جدا أن نعثر، بعد كل كارثة، على مهرّب نعلّق في عنقه كل الخطايا، ثم نغلق الملف وننتظر المركب التالي.

ويبقى السؤال الأصعب هو: من الذي أوصل هؤلاء الشباب أصلا إلى اللحظة التي يصبح فيها الموت احتمالا مقبولا، لأن الحياة في الوطن لم تعد تبدو كذلك؟

بنقردان تعرف جيدا معنى الدفاع عن الوطن

من ينسى السابع من مارس 2016؟ في ذلك اليوم، لم تكن بن قردان مجرد مدينة حدودية على أطراف الخريطة بل كانت تونس كلها تمر عبر شوارعها. عندما جاء الإرهابيون يريدون تحويل المدينة إلى موطئ قدم لداعش، وإقامة مشروعهم الدموي في الجنوب، ظنوا أن المدينة يمكن أن تُؤخذ كما تؤخذ النقاط على الخريطة، وأن الحدود الهشة والبطالة والتهميش يمكن أن تكون ثغرة يعبرون منها إلى قلب الدولة. لكنهم أخطأوا في حساب بن قردان.

لم يسأل أبناؤها يومها: ماذا أعطتنا الدولة؟

لم يقولوا: نحن منطقة مهمشة، ونحن بعيدون عن العاصمة، ونحن بلا مصانع كبرى ولا مشاريع عملاقة ولا فرص عمل كافية. وحين جاء الخطر، لم تفتح بنقردان دفاتر الحسابات. دافعت فقط عن تونس.

كان ذلك، أو هكذا ظننا، عقدا جديدا بين المدينة والدولة. لحظة يفترض أن تقول فيها تونس لأهالي بنقردان: لقد وقفتم معنا حين كان الوطن في خطر، ولن نترككم وحدكم بعد اليوم.

لكن السنوات التي تلت قالت شيئا آخر.. احتفلنا ببن قردان في الذكرى.. صفقنا لبطولتها، وألقينا الخطب عن "الملحمة" وكتبنا حتى الكتب.. ووضعنا الأكاليل على قبور الشهداء، ثم عدنا إلى ترك المدينة تواجه مصيرها. وكأن المطلوب من بن قردان أن تظل بطلة في المناسبات، ومنسية في السياسات العمومية وحسابات الدولة. ذنب بن قردان أنها على الحدود، فمنذ الاستقلال، ظل قدر المدينة مرتبطًا بجغرافيتها.

ماذا تعني المدينة على تخوم الحدود؟

الحدود في عقل الدولة المركزية، غالبا ما تكون مشكلة أمنية قبل أن تكون فرصة اقتصادية، وهكذا جرى اختزال بن قردان لعقود في صورة واحدة هي تهريب ومعبر، تجارة، بنزين، سلع، وسيارات تعبر ذهابا وإيابا لقد أصبحت وصما..

وفي الحقيقة عندما كان النشاط الحدودي مزدهرا، استفادت آلاف العائلات بطريقة أو بأخرى ولم يكن ذلك الاقتصاد مثاليا، ولم تكن كل أشكاله قانونية أو سليمة، لكن الدولة نفسها كانت تعرف أن المدينة والجهة تعيش، بدرجة كبيرة، على هذا الشريان.

ثم جاءت سنوات الاضطراب في ليبيا، وتذبذب حركة رأس جدير، وإغلاقات الحدود، والتوترات الأمنية، والقيود المتزايدة على التجارة الحدودية.وكان من المفترض أن تسأل الدولة سؤالا بسيطا: إذا أُغلق هذا الباب، فما الباب الآخر الذي فتحناه؟

لكن في كثير من الأحيان كان المطلوب هو الغلق، من دون التفكير الجدي في البديل، نضيّق على مورد رزق، ثم نستنكر البطالة، ونغلق الحدود ثم نسأل لماذا يحاول الشباب عبورها. نجرّم "الحرقة" ثم لا نسأل ماذا فعلنا كي تصبح "الحرقة" في نظر بعضهم أقل قسوة من البقاء. هذه ليست دعوة إلى تمجيد الهجرة غير النظامية، ولا إلى تبرير المخاطرة بالحياة. لا أحد عاقل يمكن أن يطلب من شاب أن يرمي بنفسه في البحر.

لكن الأسوأ من التبرير هو الكذب، والكذب هو أن نُحمّل الضحية وحدها مسؤولية الرحلة، وأن نتحدث عن "الاختيار الفردي" وكأن الجميع يختارون من الموقع نفسه، وبالشروط نفسها، وبين البدائل نفسها.

ماذا يختار الشاب الذي يعيش سنوات من الانتظار؟ أي مستقبل يراه من ينتقل بين البطالة والعمل الهش والموسمي؟ وماذا يفعل ابن مدينة يصبح اقتصادها كله تقريبا رهينة بوابة تُفتح وتُغلق بقرارات لا يملك هو فيها شيئا؟ من حارب الإرهاب لا يجوز أن يُترك فريسة لليأس، هناك درس لم تتعلمه الدولة بعد، الأمن ليس فقط سلاح في يد جندي، فالأمن هو أيضا وظيفة وهو مدرسة جيدة، وهو مستشفى محترم، وهو طريق آمن دون حفر، وهو كذلك مشروع يستطيع الشاب أن يبدأه من دون أن يغرق في الديون والبيروقراطية. كما هو شعور المواطن بأن له مكانا في المستقبل.

ولهذا فإن التهميش ليس مجرد قضية اجتماعية يمكن تأجيلها إلى ما بعد حل "المشاكل الكبرى" فالتهميش نفسه مشكلة كبرى وبنقردان تعرف ذلك أكثر من غيرها.

أما التنمية فتبدو دائما مجرد شعارات وخطب جوفاء، لا تعالجوا صرخة الأمهات بالهراوات بعد كل كارثة اجتماعية، تتكرر الآلية نفسها، غضب فاحتجاجات فقمع فصراخ فتبرير للعنف، ثم يُطرح السؤال سريعا.. كيف نعيد الهدوء؟ والسؤال الذي يجب أن يُطرح أولا هو.. لماذا انفجر الغضب؟

ومن هذا المنطلق نقول إن أهالي بن قردان الذين فقدوا أبناءهم لا يحتاجون إلى درس في الانضباط إنهم يحتاجون إلى من يفهم أن وراء الغضب حزنا، وأن وراء الحزن قهرا متراكما، وأن وراء القهر سنوات من الشعور بأن مدينتهم لا تُذكر إلا عندما تقع الكارثة أو عندما يحل موعد ذكرى السابع من مارس.

لا أحد يبرر الاعتداء على الأمن أو الممتلكات العامة، لكن لا أحد يملك أيضا أن يختزل مدينة مفجوعة في مشهد احتكاك أو احتجاج، فالقمع لا ينتشل الغرقى، والحل الأمني لا يفتح فرص العمل، والملفات القضائية وحدها، مهما كانت ضرورية لمعاقبة المتورطين في تنظيم رحلات الموت، لن تجيب عن السؤال السياسي الذي تطرحه هذه الفاجعة. لأنها ليست قضية جزائية فقط، إنها قضية دولة، قضية خيارات اقتصادية واجتماعية، قضية نموذج تنموي ظل ينظر إلى الأطراف باعتبارها مناطق ينبغي إدارتها، لا مناطق ينبغي الاستثمار فيها. كما أنها قضية سياسة حدودية جرى التعامل معها في كثير من الأحيان بمنطق الحارس أكثر من منطق التنمية والسيادة والمصلحة الوطنية.

لقد آن الأوان لقولها بوضوح، بنقردان لا تحتاج إلى مزيد من المديح، لقد أخذت من المديح ما يكفي. لا تحتاج إلى أغنية جديدة عن البطولة. ولا إلى خطاب رسمي آخر عن "المدينة الصامدة"، ولا إلى صورة جديدة لمسؤول يضع إكليلا من الزهور في ذكرى المعركة. ما تحتاجه بن قردان هو أن تتحول من هامش جغرافي إلى مركز اقتصادي.

أن تصبح فعلا بوابة تونس نحو ليبيا وإفريقيا، لا مجرد نقطة عبور تخضع كل يوم لحسابات أمنية أو ظرفية.

تحتاج إلى بنية تحتية واستثمارات ومناطق لوجستية ومؤسسات اقتصادية ومشاريع حقيقية. تحتاج إلى سياسة واضحة للاقتصاد الحدودي، تعترف بأن التجارة عبر الحدود ليست جريمة في ذاتها، وأن المناطق الحدودية لا يمكن أن تُدار بسياسة "أغلق وافتح" من دون بدائل. تحتاج إلى تنويع مصادر الرزق وإلى دعم حقيقي للمؤسسات الصغرى وإلى تمكين الشباب من العمل لا من الانتظار وإلى دولة تسأل أبناءها: ماذا يمكن أن نفعل لكي تبقوا؟ لا أن تكتفي بمطاردتهم عندما يقررون الرحيل.

رحم الله من ابتلعهم البحر ورحم الله كل حلم انكسر قبل أن يصل إلى الشاطئ.

بقلم: سمير جراي

 

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115