مسار الانتقال الديمقراطي في تونس من زاوية "اللامتحدث عنه"، الملفات التي تُذكر عرضًا في الخطاب السياسي دون أن تخضع لتفكيك جدي. بدأنا بثقافة التقييم الموضوعي والعلمي كأساس لأي إصلاح، ثم تناولنا "التمكين وغنيمة الحكم"، ثم "عقيدة الإدارة" في جزئين. اليوم ننتقل إلى ملف لا يقل أهمية، بل ربما يفوقها: اللامركزية واللامحورية، أو كيف تُدار الدولة في علاقتها بالمجال والمواطن البعيد عن العاصمة. ولا بد من التمييز منذ البداية بين قسمين مترابطين لكن مختلفين: اللامركزية كتعبير عن الإرادة الشعبية المحلية عبر هياكل منتخبة تملك صلاحية القرار، واللامحورية كمجموعة سياسات عمومية تنفيذية هدفها تقريب خدمات الدولة المركزية من المواطن دون أن تستوجب بالضرورة انتخابًا محليًا.
نظرًا لغنى الملف وتشعبه، اخترنا معالجته في أربعة أجزاء متكاملة: هذا الجزء الأول يعرض التشخيص التاريخي والمؤسسي : من أين أتت المركزية التونسية، وكيف تعاملت الدولة مع محاولة الإصلاح الوحيدة بعد 2011، ولماذا غاب أي تقييم رسمي لهذا الفشل. الجزء الثاني يعرض الأدلة الرقمية على كلفة هذا الفشل ويربطها بسؤال الصلاحيات الحقيقية. الجزء الثالث يقترح تصورًا للهيكلة الإدارية ومصير الوظائف الوسيطة (الولاة، المعتمدون، العمد) ومعضلة الأطر. أما الجزء الرابع فيخصَّص للرؤية الرقمية والابتكارية الشاملة لهذا الإصلاح، وخاتمة السلسلة بأكملها.
أولًا. تاريخ علاقة ملتبسة: من المركزية البنيوية إلى نسف المحاولة الوحيدة
المركزية في تونس ليست خيارًا إداريًا عابرًا، بل بنية تاريخية عميقة. منذ الاستقلال، لم تنخرط الدولة التونسية فعليًا لا في اللامركزية (نقل صلاحيات وموارد لجماعات محلية منتخبة) ولا حتى في اللامحورية (نقل مهام تنفيذية لممثلي الدولة في الجهات). كان توسيع عدد الولايات من 11 إلى 24 أداة سيطرة أمنية وسياسية أكثر منه إصلاحًا إداريًا: المناطق التي شكّلت معاقل معارضة للسلطة المركزية "عوقبت" تنمويًا لعقود، وهو الجذر البنيوي للتفاوت الجهوي الذي نعيشه اليوم. تحت الحزب الواحد، اختلطت سلطة الحزب بسلطة الدولة، وبقيت أغلب المسؤوليات المحلية معيّنة من المركز وخاضعة لوصاية وزارة الداخلية.
جاء دستور 2014 بقطيعة نظرية حقيقية: خصّص بابًا كاملًا (السابع، الفصول 131-142) لـ"السلطة المحلية" القائمة على اللامركزية، مع مبدأ التمييز الإيجابي لفائدة الجهات الأقل نموًا. تلاه القانون الأساسي عدد 29 لسنة 2018 (مجلة الجماعات المحلية)، نص طموح من نحو 400 فصل كرّس مبدأ التدبير الحر والديمقراطية التشاركية. لكن الفجوة بين النص والتطبيق كانت فادحة: مجالس الجهات والأقاليم المنتخبة، المنصوص عليها صراحة، لم تُنشأ قط. بقيت البلديات وحدها الحلقة المُفعّلة جزئيًا، ورهينة المركز ماليًا (نحو 65% من ميزانياتها تحويلات من الدولة، والموارد الذاتية لا تتجاوز 3.1%).
ثم جاء "البناء القاعدي" ليقدّم نفسه بديلًا، لكنه في الجوهر نسخٌ لا إصلاح. حلّ سعيّد المجالس البلدية المنتخبة قبل نهاية عهدتها، وأرسى مجالس محلية تُنتخب أفرادًا بلا قوائم حزبية، تُصعّد بالقرعة نحو مجالس جهوية وأقاليم فمجلس وطني للجهات والأقاليم. النتيجة كانت فشلًا ذريعًا بكل المقاييس: مشاركة انتخابية لم تتجاوز 11.66% في ديسمبر 2023 (مقابل 35.6% في بلديات 2018)، مع 26 دائرة بلا مترشح و218 بمترشح وحيد. انتُخب الأعضاء دون معرفة صلاحياتهم، وحين صدر أخيرًا القانون المنظم لعملهم (عدد 4 لسنة 2025) بعد أكثر من سنة، جاء في عشرة فصول فقط، ألغى الاستقلالية المالية، وأحال أملاك المجالس الجهوية إلى الولاة المعيّنين — أي إعادة مركزة كاملة تحت غطاء تشاركي. حتى أفريل 2026، اعترف وزير الداخلية نفسه أمام المجلس الوطني للجهات والأقاليم بأن مشروع قانون البلديات "لا يزال قيد الإعداد". وأتت الضربة القاصمة ضد هذه المجالس الصورية ليس من نص قانوني معطِّل فحسب، بل من عدم الاعتراف الحكومي الفعلي بوجودها على أرض الممارسة السياسية اليومية: فحتى رئاسة الجمهورية نفسها — التي أسّست دستوريًا لهذه الهياكل بوصفها القناة الشرعية لمخاطبة الشعب وعرض برامجها عليه، كما ينص عليه دستورها ذاته — لم تلجأ إليها لتبليغ توجهاتها أو مساءلتها عن أدائها. إنكار الواقع لهذه المجالس من الجهة التي أنشأتها هو أبلغ اعتراف بفشلها من أي تقييم خارجي.
ثانيًا. غياب فاضح للتقييم المؤسسي
اللافت أن الدولة لم تُصدر قط تقييمًا منهجيًا رسميًا لتجربة اللامركزية قبل نسفها، ولا لتجربة "البناء القاعدي" بعد ثلاث سنوات من إطلاقها — وهذا القصور الفكري والعملي هو بالضبط ما تحدثنا عنه في مقالنا حول ثقافة التقييم: غياب ثقافة إدارية وسياسية تراكمية تُخضع كل سياسة عمومية لمساءلة موضوعية قبل الانتقال إلى ما يليها. الفراغ سدّه المجتمع المدني: تقرير منظمة البوصلة المرجعي (جانفي 2024) وتقارير لاحقة (2025-2026)، ومجموعة الأزمات الدولية، ومؤسسة كارنيغي، والبنك الدولي. هذا الغياب الرسمي هو ذاته جزء من "اللامتحدث عنه": سلطة تنسف مسارًا كاملًا دون أن تقيّمه، فتحرم البلاد من أي تراكم معرفي يمكّن من الإصلاح لاحقًا بدل إعادة الاختراع من الصفر في كل مرة.
هذا الغياب المؤسسي للتقييم يترك سؤالًا معلّقًا لا يمكن تأجيله: ما الذي كان يمكن أن يكشفه تقييم موضوعي لو أُجري فعلًا؟ سأتجاوز التحليل لتقديم نتيجة بديهية : لا يمكن لعقل لايؤمن الا بالمركزية أن يبني لا مركزية حقيقية، و لذلك فنحن نرى أن ما يعطى بعد سنين من النقاش باليد اليمنى ، يفتك بسرعة عجيبة باليد اليسرى.
في الجزء الثاني من هذه السلسلة، نجيب عن هذا السؤال بالأرقام: التفاوت الجهوي كما توثّقه الإحصائيات الرسمية، وربطه المباشر بسؤال الصلاحيات الحقيقية التي يجب أن يحملها أي إصلاح مقبل.
بقلم: فوزي عبد الرحمان