للتربية والتعليم، توقفنا عند لحظة تسمية أعضاء هيئته العليا يوم 14 أوت 2026، متسائلين عن قدرة التمثيلية وحدها على إنتاج رؤية وطنية مستقلة. منذ ذلك التاريخ، عُقدت الجلسة الافتتاحية يوم 17 أوت، لكن الجدل لم يهدأ، وإنما تجاوز سؤال التركيبة إلى سؤال أعمق: كيف تُحَوِّل مؤسسة كهذه تعدد الأصوات إلى معرفة مشتركة ورؤية مؤثرة في القرار؟
فهذا الجدل يعكس توتراً أوسع في المجال العام التونسي: من يملك حق الكلام في الشأن العام، ومن يملك حق تعريف الكفاءة؟ بين من يرى أن التربية شأن لا يفهمه إلا المختصون، ومن يرى أن لكل مواطن حقاً في الكلام فيما يمس مدرسته ومجتمعه، يتجدد صراع قديم بلغة جديدة هي صراع النخبوية والشعبوية.
غير أن المشكلة أعمق من الاختيار بين الطرفين؛ فالتحدي، كما تؤكد اليونسكو في تقريرها «إعادة تصور مستقبلنا معاً» (نوفمبر 2021)، هو بناء آليات تجعل تعدد الفاعلين والخبرات مدخلاً للتعاون وإنتاج معرفة مشتركة؛ فالتعليم مسؤولية تتقاسمها "جميع الفاعلين وعلى جميع المستويات" (All actors, all levels).
ينطلق الخطاب النخبوي من أن التربية شأن معقد لا يستغني عن أهل الاختصاص، وهذا صحيح في جوهره، وقد عبّرت بعض التعليقات عن هذا القلق المشروع بالمطالبة بخبراء ودكاترة "لهم زاد معرفي كبير في التربية". لكن الخطر يبدأ حين تتحول الكفاءة إلى امتياز في الكلام، والاختصاص إلى احتكار لتعريف المشكلة والحل، كما في تعليق زكّى فيه أحدهم صديقه المختص بثقة مطلقة: "لو كانت ثمة نية صادقة في الاختيار، لكنت أنت الأجدر بذلك". فالتحولات السريعة، وخاصة الرقمنة والذكاء الاصطناعي، لا تلغي قيمة الخبرة، لكنها تفرض على الخبراء مراجعة أدواتهم ومفاهيمهم باستمرار؛ ليصبح التواضع المعرفي شرطاً لتجددها، لا انتقاصاً منها.
في المقابل، ينطلق الخطاب الشعبي من حق من يعيشون المدرسة ويختبرون مشكلاتها يومياً في الكلام عنها، ومن رفض تحوّل الخبرة إلى وصاية. وهذا مطلب مشروع لا ينبغي وصمه بالشعبوية لمجرد صدوره عن أصوات من خارج دوائر الاختصاص، لكن الشعبوية تبدأ حين يتحول حق الكلام إلى مساواة بين الموقف والخبرة، أو بين الرأي والحجة، أو حين يُختزل الجدل برمته في «عصبيات جهوية وحسابات نقابية وإيديولوجيا ومصالح».
واللافت أن العبارة نفسها قد تصدر عن الجهتين بمعانٍ مختلفة: فـ"مجلس لا يُرجى منه فائدة" قد تعبّر عن نقد مؤسسي لمحدودية جدواه، وقد تعبّر عن رفض للمؤسسة أصلاً وعدم ثقة في الخبرة. العبارة واحدة، لكن المنطلق والدلالة مختلفان، فالمهم ليس مَن يتكلم فقط، بل كيف يفكر وما الحجة التي يستند إليها.
لفهم حدة هذا التوتر، يجب استحضار السياق التونسي: فمحدودية المجال العام قبل 2011، حين ارتبطت المعرفة والقرار العام بالمؤسسة والسلطة ضمن تقليد ثقافي وسياسي أقدم تلخصه عبارة «إلجام العوام عن الخوض في الشأن العام»،وأعادت الدولة الحديثة، في بعض صورها البيروقراطية، إنتاج جانب من هذا التمييز. ثم فتحت لحظة 2011 المجال أمام أصوات وفاعلين جدد، وتزامن ذلك مع صعود
فيسبوك وشبكات التواصل، فانفجرت إمكانات التعبير من دون أن يواكبها تطور مماثل في ثقافة الإنصات والحوار. ومن هذا التفاوت بالذات ينشأ الصدام الراهن، بين نخبة تخشى تهميش الخبرة وأصوات شعبية ترفض أن تتحول الخبرة إلى وصاية.
واليوم، لم تعد التربية شأناً مدرسياً خالصاً، فهي تتقاطع مع الأسرة والإعلام والفضاء الرقمي والاقتصاد وسوق الشغل والذكاء الاصطناعي. فأزمة المدرسة مركبة، لا يمكن اختزالها في بعدها البيداغوجي أو التنظيمي، ولذلك فإن تعدد الاختصاصات والقطاعات الممثلة في المجلس يمكن أن يكون أحد عناصر قوته، لا مجرد توسيع لتمثيليته: فوجود ممثلين عن الوزارات المعنية بالتربية ومحيطها يتيح، إذا أُحسن توظيفه، جمع ما ظل طويلاً موزعاً بين الإدارات والبرامج القطاعية، وربط قرارات المدرسة بما يحدث في المجتمع وسوق الشغل والفضاء الرقمي.
وقد تكون هذه فرصة لتجاوز أحد أوجه القصور المزمنة في العمل العمومي: أن تنتج كل جهة تشخيصها وتوصياتها، ثم تحفظها الملفات، ليبدأ كل مسؤول من جديد بدل أن تتراكم المعرفة داخل مشروع مشترك. فالتحدي ليس في إنتاج مزيد من التقارير، وإنما في تحويل تعدد الرؤى والموارد إلى قدرة جماعية على الفعل. وهذا هو المعنى الأعمق للاستقلالية الفكرية للمجلس: ليست استقلالاً عن السلطة فحسب، بل قدرة على الجمع بين البحث العلمي والاستماع إلى الميدان، ووصل المعرفة بالفعل العمومي، فلا الشهادة العلمية تمنح صاحبها حق احتكار الحقيقة، ولا تجربة العيش داخل المدرسة تكفي وحدها لإنتاج سياسة عمومية للتربية. والمطلوب أن تجد أصوات الفاعلين وخبراتهم طريقاً واضحاً إلى صناعة القرار، عبر آليات كاللجان الدائمة أو المؤقتة، لا أن يكون الجميع أعضاء في المجلس. ومن هنا تكتسب الأسئلة الكبرى التي ينظر فيها المجلس معناها العملي: أي مجتمع نريد أن تعدّ له المدرسة؟ كيف ستعيد التحولات الديمغرافية والاقتصادية تشكيل حاجاته ومهن المستقبل؟ وما الذي سيفعله الذكاء الاصطناعي بأدوار المعلم والمتعلم وبمفهوم المعرفة نفسه؟ فالرهان اليوم ليس في صياغة الأسئلة، وإنما في امتلاك قدرة مؤسسية مشتركة على الإجابة عنها وتحويلها إلى سياسات.
لكن يبقى سؤال لا يقل أهمية عن سؤال التركيبة: ماذا سيفعل المجلس بالمعرفة التي ينتجها؟ فوفقاً لإطاره المنظم، تتمثل وظيفته في إبداء الرأي في الخطط الوطنية الكبرى وإعداد تقرير سنوي. والسؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يتحول هذا الرأي، حين يستند إلى البحث والتقييم، إلى عنصر مؤثر في صناعة السياسة العمومية للتربية، لا إلى وثيقة تضاف إلى أرشيف المؤسسات؟
في النهاية، لا يحتاج المجتمع إلى نخبة تتكلم باسمه، ولا إلى شعبوية تنفي قيمة الخبرة، بل إلى مؤسسات تجعل المعرفة قابلة للنقاش، والنقاش قادراً على إنتاج معرفة. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمجلس الأعلى للتربية والتعليم: ليس في أن يضع حداً للجدل، وإنما في أن يحوّل تعدد الأصوات إلى إنصات، والإنصات إلى معرفة، والمعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى قرار. عندها فقط يصبح اختلاف الآراء قوة للمؤسسة لا سبباً لتعطيلها.
بقلم : مصطفي الشيخ الزوالي