شعرية المصاحبات النصية في ديوان " امرأة بتوقيت الأبد " لمحمد بشكار

" امرأة بتوقيت الأبد" ، هو اسم الديوان  السادس في

السجل الشعري  للمغربي محمد بشكار ، الصادر عن مكتبة سلمى الثقافية بتطوان 2024 ، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل ، يقع في 114صفحة ، وتزين غلافه لوحة تشكيلية للفنان المغربي أنس البوعناني .

والمقبل على غلاف الديوان يثير انتباهه رشاقة غلافه الأمامي والخلفي ، ثم شعرية مصاحباته النصية  اللغوية والأيقونية ، ونظرا لأهميتها ، ووظيفتها في إغراء وجذب القارئ وإثارته ،  ارتأينا الاهتمام بها في ديوان " امرأة بتوقيت الأبد "  ، لأنه " لا يمكن الدخول الى عالم  متن من المتون دون العبور عبر بوابات مصاحباته لأنها تقوم بدور الوشاية والبوح بنية النص .

المصاحبات النصية

تعتبر  المصاحبات النصية أو العتبات  أو اللواحق النصية ، و هي  " مجموع النصوص التي تحيط بمتن الكتاب من جميع جوانبه ، حواش وهوامش وعناوين رئيسية أخرى فرعية وفهارس ومقدمات وغيرها من بيانات النشر الذي يحفزه أو يحيط به ، بل إنه يلعب دوما هاما في نوعية القراءة وتوجيهها1" ، ومن تم بتحويل النص إلى كتاب معروض ، يغري القارئ باقتنائه .

وعليه  ،سنتناول في هذا التمرين النقدي المصاحبات النصية للغلاف الأمامي لديوان " امرأة بتوقيت الأبد " ، فهي الأولى التي ينظر إليها ، وآخر ما يتبقى في ذاكرة المتلقي .

اسم المؤلف

على الرغم من تلك النداءات الداعية إلى موت المؤلف، واستبداله بالنص والقارئ، فإنها تظل بلا صدى، لأنه يعد من الإشارات المشكلة لعتبة الدفة الأولى للغلاف  الخارجي، فلا يمكن أن يكون أي عمل  حافيا عاريا من اسم صاحبه ، ، لأن " النظام القولي لا يكتسب نصيته من بنيته الداخلية فحسب ، بل يتدخل فيها كذلك منتجه ليضيء بدوره النص 2 "

وبناء عليه ، يتموضع اسم الشاعر محمد بشكار  في أعلى صفحة الغلاف الأمامية  ، لتثبيت هويته  وأحقيته أدبا وقانونا ملكية الديوان ،و "العلامةالفارقةبينكاتبوآخر،إذيميزالاسمبينالأشخاص،فيعرفالمؤلفمنخلالاسمهالمّدونعلىالغلافويثبتالاسمملكيةالعمللصاحبه 3"

وبذلك يمكن اعتبار محمد بشكار شاعرا  " ينحت اسمه بصبر في سماء مشهدنا الشعري المغربي المعاصر ، وصبره يجعله منصتا لدبيب الشعر في كل ما يحيط به ، ومنصت في الآن نفسه لحركة الواقع المغربي وما يعرفه من تحولات ومفارقات 4" بإصداره لباقة من العناوين الشعرية والنثرية حتى .

من هذا المنطلق، يكون اسم الشاعر ، شبيه بتلك الجاذبية الميغناطيسية التي تجذب القارئ بمفعولها الشعري في ديوان الشعر المغربي ، ولا يمكن القفز عليه  أثناء تلقيه .

شعرية العنوان

يعد العنوان علامة جوهرية ، وعنصرا هاما من عناصر النص الموازي ،  هو " مجموعة من العلامات اللسانية التي يمكن أن توضع في أعلى النص لتحدده وتدل على محتواه ،لإغراء الجمهور المعني بقراءته 5"، و أول عتبة نصية يصادفها المتلقي قبل الشروع في القراءة ، مما يضعه إزاء نصين مختلفين ، نص أصغر يمثله العنوان ، ونص أكبر ممثلا في قصائد الديوان، مما يجعل المتلقي إزاء خطابات ا تتحاور بينهما.

وعطفا على ماسبق  ، جاء العنوان الرئيسي " امرأة بتوقيت الأبد " مؤنثنا ، ووفيا لتقاليد وأعراف العنونة الاسمية ،  كخاصية مميزة تميزها عن الفعل ، حيث يتعالى الاسم  على الزمن وتحولاته ، كما أن التوسل بالاسم يضمن لها الثبات والخلود ، وهو ما اشتغلت عليه بنية العنوان ، بقصدية عالية ،وآلية مزدوجة ، الأولى تسير  باتجاه " امرأة " نكرة ، والثانية  باتجاه " الأبد " الدال على الخلود ، مرورا بضبط "التوقيت".

ولعل هذه المجاورة بين ا المرأة والتوقيت والأبد يشي بالاستمرار في الوجود دون فناء أو موت ، مما حقق فعالية القراءة واصطياد  القارئ لاستقبال امرأة جديدة ولافتة  يقترحها العنوان ، وتستحق هذا التوقيت الخالد.

الصورة التشكيلية

تبرز أهمية عتبة الصورة التشكيلية في مساعدة المتلقي على والدخول إلى عوالمه الخفية، كما أنها تحمل إشارات ورؤى بصرية تحيل إلى مضمون العمل ،

ومن الواضع أن غلاف الديوان  يتشكل من لوحة تشكيلية ،  أبدعتها يد الفنان أنس البوعناني ؛ تمثل نصاً بصرياً، ولغة ثانية دالة وبشكل كثيف ، تحيل على نصف امرأة على شكل ساعة رملية جزؤها الأسفل رأس ،  والرمل المنساب من الساعة هو خصلات شعرها ، وكما لو أن الزمن  لا يمر إلا عبر المرأة ،  فهي الوجود و الزمن الفعلي ، وتأتي الألوان الترابية ألوان تركالبني والبرتقالي الفاتح والاصفر والرمادي لتدعم فكرة الزمن ولتتماهى مع انسحاب الرمل من الساعة ، وكلها إشارات تحيل على الزمن ، كحالة من حالات الخلود ، والانتشاء والذوبان في الآخر حبا فيه وحتى أبد الآبدين ,

وهكذا ،  تتضافر صورة الغلاف مع العنونة  ليختزلا معا نفس المعنى  ، وذلك لأن " الأشياء التي ترى وتدرك بالعين ، أي كل مايشتغل باعتباره علامات أيقونية ،لاينتظر إليها في حرفيتها ، بل من خلال اضوائها داخل هذا النسق أو ذاك 6".

المؤشر الأجناسي

يعتبر المؤشر الأجناسي  مصاحبة أولية للدخول إلى النص ، وذو وظيفة إخبارية " لأنه يقوم بتوجيهنا قصدا للنظام الجنسي للعمل ،أي يأتي ليخبر عن الجنس الذي ينتمي إليه هذا العمل أو ذاك 7"، وتجنيس النص أصبح ضروريا باعتباره ميثاقا قرائيا .

والمؤشر الأجناسي المثبت أسفل اللوحة التشكيلية لأنس البوعناني  هو "شعر"  ، مما يعني برمجة القارئ لينفتح على استقبال باقة من القصائد الشعرية التي تنحت طرازها الجديد ، وتجرب مستويات إيقاعية وتعبيرية متنوعة،  ومغايرة في السبيل إلى تحقيق مساحة خصبة من تجربة العصر الشعرية .

على سبيل الختام

وخلاصة القول أن المصاحبات النصية في ديوان " امرأة بتوقيت الأبد " ، لواحق جمالية متممة للقصائد ، لعبت دورا في فهم خصوصية المضمون وتحديد بعض جوانبه الأساسية من مقاصده الدلالية ، بعدما ظلت هذه المصاحبات مهمشة ، ولم يلتفت إليها النقاد .

إحالات

  • محمد فكري الجزار ، العنوان وسيميوتيكا الاتصال الأدبي ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب
  • أحمد فرشوخ ، جمالية النص الروائي
  • عبد الحق بلعابد، عتبات ( جيرار جينيت من النص إلى المناص)، تقديم : سعيد يقطين، الدار العربية للعلوم ناشرون،ط1، 2008، ص:63.
  • وللمتلقي واسع التأويل ،قراءات في الشعر المغربي المعاصر ، منشورات بيت الشعر في المغرب،دار أبي رقراق للطباعة والنشر ، ص
  • Hoek.la marque du titre . p17
  • .la marque du titre . p17
  • سعيد بنكراد ، النص السردي : نحو سيميائيات للإيديولوجيا ، الرباط ، دار الأمان ، ط1 ،1999 ، ص 17
  • عبد الحق بلعابد ، عتبات جيرار ، ص63

محمد عويس ، العنوان في الأدب العربي ، النشأة والتطور ، مكتبة الأنجلو المصرية، ط1، 1988، ص 35

بقلم: عبد الله المتقي

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115