في هذه السلسلة من المقالات، وددت طرح مجموعة من المسائل "اللا مفكر فيه" و "اللا متحدث فيها"، و تناولنا في الجزء الأول غياب النموذج الفيبري الثالث (السلطة العقلانية-القانونية) في الإدارة التونسية، وفسّرنا هذا الغياب تاريخيًا بالاندماج البنيوي القديم بين الحزب الحاكم والإدارة، وعرّفنا "عقيدة الإدارة" بمكوناتها الأربعة: خضوع الدولة نفسها للقانون، الهوية المهنية القائمة على السلك، الحياد الإيجابي، والذاكرة المؤسسية كقيمة لا كجمود. وأنهينا بوعد: أن نُفصّل الثورة المفاهيمية اللازمة لبناء هذه العقيدة عمليًا ( الهيكلة، التكوين، التقييم، الانتداب والترقية، ثقافة الجدارة والكفاءة، الانفتاح على المجتمع، والوعي بالعالم مرورا ببعض التجارب المقارنة ) إلى جانب التوجهات الإصلاحية التي ينبغي التداول حولها. هذا هو موضوع هذا الجزء.
أولًا. الهيكلة: من يحمي من؟
الثورة المفاهيمية تبدأ من سؤال هيكلي بسيط: من يحمي الموظف حين يتمسك بعقيدته المهنية في وجه توجيه سياسي ظرفي؟ اليوم، لا أحد يحميه فعليًا. الجواب الهيكلي يقوم على ركيزتين متلازمتين:
أولًا، تحديد قانوني صريح ومحدود لدائرة "المناصب السياسية" التي يحق للحزب أو الائتلاف الفائز في الانتخابات ملؤها بثقته لتنفيذ برنامجه — لا أكثر ولا أقل — مقابل حماية صارمة لبقية السلك الإداري من التغيير الآلي مع كل استحقاق انتخابي. غياب هذه القائمة اليوم هو ما يجعل "التمكين" ممكنًا في كل اتجاه، كما فصّلنا في مقال سابق.
ثانيًا، نصوص قانونية جديدة تحمي الموظف تحديدًا من التعسف أو العزل بسبب مواقف تقنية أو مهنية لا تعجب سلطة الإشراف، ومراجعة شاملة لقوانين الوظيفة العمومية الحالية التي لا تزال، في جوهرها، امتدادًا لمنطق ما قبل 2011. هناك نقاشات و إجراءات عملية حول هذا الموضوع في عدة ديمقراطيات، ثقافتنا الراسخة تجعل هذا النقاش اليوم يكاد يكون مستحيلا.
ثانيًا. التجارب المقارنة
قبل الانتقال لتفصيل الثورة المفاهيمية داخليًا، تستحق التجربة المقارنة وقفة مستقلة، لأنها تُبرز مبدأً حاسمًا: العقيدة الفعّالة لا تُترك للعرف الضمني، بل تُكتَب وتُلزَم قانونيًا وتُدرَّس. في فرنسا، تُقنَّن "أخلاقيات الوظيفة العامة" (déontologie) ضمن نصوص ملزمة تُدرَّس منذ التكوين الأول. وفي بريطانيا، تُقدَّم "مدونة الخدمة المدنية" (Civil Service Code) كوثيقة يوقّع عليها كل موظف عند الالتحاق، وتُلزمه صراحة بأربع قيم: النزاهة، الأمانة، الموضوعية، والحياد بحيث يصبح الحياد التزامًا موقّعًا لا شعورًا اختياريًا.
نموذج ثالث، رغم بُعده عن قابلية التطبيق المباشر في سياقنا، يستحق التوقف عنده لأنه يذهب بمنطق الحياد إلى أقصى حدوده: النموذج السويدي. تقوم الإدارة السويدية على ثنائية دستورية راسخة منذ دستور 1809: وزارات صغيرة الحجم مهمتها صياغة السياسات فقط، مقابل مئات الوكالات الحكومية شبه المستقلة التي تتولى وحدها التنفيذ. والأهم أن الدستور السويدي يمنع صراحة الوزير الفرد من إصدار توجيه مباشر لوكالة بخصوص قرار جزئي محدد، مقترنًا بمبدأ شفافية شاملة (مبدأ العلنية) يجعل كل وثيقة إدارية متاحة مبدئيًا للعموم.
الدرس المستخلص ليس النموذج بحد ذاته ( فهو نتاج تراكم مؤسسي متصل منذ قرون لا تتوفر شروطه اليوم في تونس ) بل المبدأ الكامن خلفه: أقصى حماية ممكنة للحياد ليست في مدونة سلوك أخلاقية مهما بلغت صرامتها، بل في فصل هيكلي يجعل التدخل السياسي في القرار الفردي مستحيلًا قانونًا لا مجرد مستهجن سياسيا او أخلاقيا او عرفًا. وحتى لو بقي هذا الفصل الكامل بعيد المنال في المدى المنظور، فإن الاتجاه العام الذي يشير إليه من تقليص قدرة الفرد السياسي على التدخل المباشر في القرار الإداري يبقى بوصلة إصلاح صالحة حتى في ظل نموذج أقرب للفرنسي.
ثالثًا. التكوين: من التدرج الأول إلى القيادة
العقيدة لا تُفرض بمرسوم، بل تُغرَس بالتكوين. وهذا يستوجب إعادة بناء برامج تكوين الموظف العمومي بحيث تُدرَّس العقيدة كمادة مركزية لا هامشية منذ التدرج الأول، مع اعتماد مدونة سلوك وطنية ملزمة يوقّع عليها كل موظف عند انتدابه على غرار "مدونة الخدمة المدنية" البريطانية التي تُلزم الموظف صراحة بأربع قيم: النزاهة، الأمانة، الموضوعية، والحياد.
لكن التكوين المستمر هو الحلقة الأضعف اليوم، ويحتاج آليات ملموسة لا مجرد نية حسنة: كل نص قانوني جديد يستوجب تكوينًا مصاحبًا إلزاميًا لمنفذيه المباشرين خلال مهلة محددة من صدوره — بما يسد جزءًا من فجوة "الجهل بالتطبيق" التي تفسّر أحيانًا تعطّل الأوامر الترتيبية بقدر ما يفسّرها تعمّد المقاومة؛ ورصيد تكوين شخصي يملكه الموظف بمبادرته الخاصة لا بموافقة رئيسه المباشر وحده، على غرار "الحساب الشخصي للتكوين" الفرنسي، و لنا في تونس المؤسسة التي يمكن لها أن تضطلع بهذا الدور.
وتستحق الشهائد التصديقية (formations certifiantes) معالجة خاصة: يجب إدراجها كمعيار صريح ذي وزن محدد ضمن ملفات الترقية، عبر لائحة معادلات وطنية معتمدة مركزيًا لا تقدير حر لكل إدارة على حدة، مع اشتراط شهادة بعينها كشرط ولوج للمواقع التقنية عالية الحساسية (الأمن المعلوماتي، المشتريات الكبرى، الرقمنة)، وربط المنح المصاحبة بشرط سريان صلاحية الشهادة لا اكتسابها لمرة واحدة. وأخيرًا، يجب أن يكون التكوين إجباريًا لا اختياريًا عند كل انتقال إلى منصب قيادي، لأن القيادة الإدارية مهارة مستقلة عن الكفاءة التقنية التي أوصلت الموظف إلى موقعه أصلًا.
رابعًا. الانتداب والترقية والتقييم: من الانطباع إلى الأهداف
اعتماد الجدارة والمناظرة كمعيار وحيد للدخول والترقي في السلك العمومي غير السياسي هو الحد الأدنى. لكن الإصلاح الأعمق يخص منطق التقييم ذاته: تونس بدأت فعليًا تجربة "عقود الأهداف" التي تربط تقييم الأداء بأهداف عمل واضحة ومحددة سلفًا، لكن هذا التمشي بقي حبيس مستوى الإدارة العليا (المؤسسات والمنشآت العمومية ككيانات) ولم يُنزَّل بعدُ إلى مستوى الموظف الفردي داخل كل مصلحة. تعميم هذا المنطق ( تحديد أهداف عمل واضحة وقابلة للقياس لكل عون، وتقييمه بموجبها لا بموجب انطباع رئيسه ) يستبدل معيار "الرضا الشخصي للرئيس" بمعيار "الإنجاز الموضوعي القابل للتحقق". ويمكن استكماله بآلية تقييم تصاعدي محدودة (الموظف يُقيّم أسلوب مديره) كأحد مصادر تقييم الإطارات المُشرفة، شريطة أن يبقى مجهول الهوية ومُدمجًا مع مصادر أخرى.
ولا بد أن تحضى التسميات للمناصب القيادية بتكوين خاص في فنون القيادة و التسيير العصرية و هذا عنصر هام جدا بل و ربما وجب ربط التسميات بنتائج تأهيل التربص القيادي.
يُضاف إلى هذا انفتاح منظومة الانتداب على مسار موازٍ لمسار المناظرة الكلاسيكي، يسمح بانتداب خبرات عالية التخصص بعقود محددة المدة وبأجور تضاهي القطاع الخاص، لفائدة مشاريع تستوجب كفاءات نادرة (رقمنة، هندسة مالية، تحليل بيانات) لا يوفرها بالضرورة مسار التوظيف التقليدي على أن تُضبط هذه العقود بضوابط صارمة تمنع تحوّلها إلى قناة موازية للتمكين السياسي.
من الواضح هنا ان مهمات و تنظيم و هيكلة المدرسة القومية للإدارة لا بد أن تكون موضوع مراجعة في العمق.
خامسًا. ثقافة الجدارة والكفاءة: من النص إلى السلوك اليومي
يمكن أن تتوفر كل الآليات السابقة نصيًا وتبقى الإدارة عالقة في ثقافة مضادة للجدارة إن لم تُعالَج ثلاث ظواهر يومية متجذرة:
أولًا، ثقافة "عدم التميّز" الوقائية: في بيئة إدارية كافأت الولاء والأقدمية على حساب الإنجاز، يتعلّم الموظف الكفء أحيانًا أن التميّز يجلب أعباءً إضافية بلا مقابل حقيقي، فيُؤْثر الانضباط للمعدل العام على المبادرة. كسر هذه الثقافة يستوجب تعريفًا صريحًا وعلنيًا لما يُعتبر إنجازًا متميزًا، مقترنًا بتقدير فعلي (ماديًا ومعنويًا) يُرى ويُحتذى، لا يبقى استثناءً معزولًا.
ثانيًا، شفافية معايير الترقية: ثقافة الجدارة لا تُبنى إن ظل الموظف يجهل لماذا وقعت ترقية زميله ولم تقع ترقيته هو. نشر معايير الترقية ونتائجها بشكل علني ومقارن داخل كل إدارة يحوّل الجدارة من فكرة مجردة إلى واقع ملموس يمكن التحقق منه ومساءلته.
ثالثًا، مكافأة الكفاءة الجماعية لا الفردية فقط: الإدارة عمل تعاوني بطبيعته، وثقافة جدارة تكافئ الفرد المتميز فقط دون فريقه قد تُنتج تنافسًا مدمرًا للعمل الجماعي. تكميل التقييم الفردي بمؤشرات أداء جماعية (مصلحة، فريق مشروع) يوازن بين الحافز الفردي والانسجام الجماعي.
سادسًا. الوعي بالعالم: عقيدة لا تُبنى بمعزل عن تحولات الكوكب
هذا بُعد مختلف كليًا عن الاستلهام من التجارب الإدارية المقارنة (وهي فكرة أخرى مستقلة، تخص كيف نُصلح أدواتنا الداخلية). "الوعي بالعالم" هنا يعني شيئًا أعمق: أن تملك الإدارة، كجزء من عقيدتها، قدرة مؤسسية دائمة على استشراف التحولات الكونية الكبرى — الجيواستراتيجية، والمناخية، والتكنولوجية — التي لا تقع تحت سيطرة الدولة التونسية، لكنها تُعيد تشكيل الخيارات المتاحة أمامها بصرف النظر عن أي حكومة بعينها.
هذا الحقل له اسم راسخ في أدبيات الحوكمة المقارنة: "الاستشراف الاستراتيجي" أو "الحوكمة الاستباقية" (منهجية مؤسسية لاستكشاف مستقبلات محتملة متعددة (لا التنبؤ بمستقبل واحد) بهدف تحصين القرار العمومي من المفاجآت الكبرى، عبر أدوات و وسائل و تقنيات متخصصة.عدة دول أسّست لهذا الحقل هياكل دائمة: وحدة الاستشراف الاستراتيجي التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، و"France Stratégie" في فرنسا، ومكتب الاستشراف الحكومي البريطاني (Government Office for Science)، ومركز "المستقبلات الاستراتيجية" في سنغافورة الذي يُدمج رصد الأفق والسيناريوهات مباشرة في صياغة استراتيجياته الوطنية للذكاء الاصطناعي والمهارات.
الدرس الأهم هنا يخص كيفية إدماج هذه القدرة لا مجرد إحداثها شكليًا: التجربة الفنلندية تُظهر أن الاستشراف يكون أكثر فعالية حين يُدمَج داخل الهياكل القائمة ويُغذّي مباشرة عمليات فعلية كإعداد الميزانية، لا حين يُعزَل في هيئة استشارية هامشية بلا تأثير حقيقي على القرار وهذا بالضبط الفخ الذي يجب تفاديه في أي إحداث تونسي مماثل. كذلك تُظهر التجربة الإيطالية (عبر معهد المدرسة الوطنية للإدارة) أن بناء هذه القدرة يبدأ من التكوين: تدريب الموظف العمومي نفسه على أدوات تحليل التحولات الكبرى (كالهجرة والتحولات الديمغرافية)، لا الاكتفاء بخبراء منعزلين عن الجهاز التنفيذي.
لتونس تحديدًا، ثلاثة تحولات كونية تستوجب هذه القدرة الاستشرافية بإلحاح خاص: التحول الجيواستراتيجي الإقليمي(إعادة تموضع موازين القوى في المتوسط وشمال إفريقيا وتأثيرها على الهجرة والطاقة والأمن)، الأزمة المناخية والمائية(الشح المائي الذي يمس تونس بصفة مباشرة وبنيوية لا نظرية)، والتحول التكنولوجي المتسارع (الذكاء الاصطناعي وأثره على سوق الشغل والخدمة العمومية ذاتها). عقيدة إدارية لا تُدمج وعيًا مؤسسيًا دائمًا بهذه التحولات الثلاثة تخاطر بأن تبقى، مهما بلغت كفاءتها الداخلية، إدارة تُحسن تدبير الماضي بينما يُعاد تشكيل المستقبل من حولها بمعزل عن أي قرار تونسي.
سابعًا. الانفتاح على المجتمع: المواطن شريك لا مستفيد سلبي
كل ما سبق يبقى ناقصًا إن بقي المواطن غائبًا إلا بوصفه "شريكا أساسيا" في عملية بناء إدارة بعقيدة الصالح العام، مواطن يستفيد إيجابيا من إصلاح لم تصنعه النخب بمعزل عنه. دوره الفعلي يمتد عبر أربعة مسارات:
كمُفعِّل لمبدأ خضوع الدولة للقانون: عبر سجل علني وحيّ لأحكام القضاء الإداري غير المنفَّذة ضد الدولة : قائمة مُحدَّثة دوريًا، متاحة للعموم، تعرض كل حكم بات لم تنفذه الإدارة بعد، مع اسم المصلحة المعنية ومدة التأخير. مجرد العلنية تخلق ضغطًا يصعب تجاهله.
كمعيار تقييم فعلي: على غرار علامات الجودة التي تُمنح للمصالح بناءً على استطلاعات رضا حقيقية وتُدمَج نتائجها في تقييم مديرها، يمكن اعتماد تقييم فوري بعد كل معاملة يُغذّي مباشرة مؤشر أداء المصلحة. و ضمانا لمصداقية التقييم، لا بد لن يقع خارج المؤسسة و نشر نتائجه بصفة دورية.
كفاعل رقابي عبر الشفافية: تفعيل حقيقي لقانون النفاذ إلى المعلومة (2016)، بآجال إلزامية صارمة للرد وقرينة قبول لا رفض عند انقضاء الأجل، مقترنًا بمنصة رسمية علنية تعرض حالة تنفيذ كل قانون: هل صدرت أوامره الترتيبية أم لا، ومنذ متى.
كفاعل سياسي يحاسب على الإصلاح التقني لا الخطاب فقط: بطاقة تتبع تشريعي تُصنّف مواقف النواب والأحزاب من ملفات محددة (كالفصول القانونية التي سنعرض لها في القسم الموالي) عبر الدورات النيابية المتعاقبة، بدل أن يبقى الإصلاح الإداري حبيس أوراق النخبة وحدها.
ثامنًا. التوجهات الإصلاحية: من المبدأ إلى النص
بناءً على كل ما سبق، تتبلور جملة توجهات إصلاحية محددة ينبغي التداول حولها:
حماية الموظف من الأمر المخالف للقانون: الفصل 6 من قانون 112لسنة 1983 يُحمّل الموظف مسؤولية تنفيذ المهام المناطة بعهدته دون أي استثناء صريح لحالة الأمر المخالف للقانون بصفة جلية. وهذا الفراغ يقترن بتهديد معاكس: الفصل 96 من المجلة الجزائية الذي جرّم لعقود كل مخالفة للتراتيب دون حاجة لإثبات نية، فأنتج ما وُصف بـ"شلل نسبي" في عدد من المصالح. حل هذه الكماشة يقتضي إصلاحًا مزدوجًا: تنقيح الفصل 6لإضافة استثناء صريح، لا الاكتفاء بتخفيف الفصل 96 وحده.
قطع آلية استمرارية المنصب الوزاري كامتداد للمسار الإداري: الفصل 61 من نفس القانون يُدرج "ممارسة وظيفة عضو للحكومة" ضمن حالات "الإلحاق" أي أن الموظف الذي يصبح وزيرًا يبقى قانونًا منتميًا لسلكه الأصلي، يواصل التمتع بحقوقه في التدرج والترقية والتقاعد، وله أولوية العودة لمنصبه السابق. هذا يُكرّس معاملة المنصب الوزاري كدرجة إضافية ضمن نفس الهرم الإداري لا كقطيعة نوعية معه. التوجه الحاسم: إلغاء هذه الآلية تحديدًا لحالة العضوية الحكومية، بحيث يستقيل الموظف فعليًا من سلكه عند قبوله منصبًا وزاريًا، ويفقد أولوية العودة التلقائية. من يريد العودة للإدارة لاحقًا يعود عبر القنوات التنافسية العادية المتاحة لأي مترشح. فصل المسارات السياسية عن المسارات الإدارية هي حماية للموظفين و للإدارة من كل تلاعب أو دور وظيفي.
إلزام الدولة بالآجال وغرامة التأخير لفائدة المتضرر مباشرة: مبدأ "الدولة أولى الملزَمين بالقانون" يبقى نظريًا ما لم تُقرَّن مخالفته بجزاء مادي محسوس.التجارب المقارنة ("astreinte") تقدّم نموذجًا ناضجًا: غرامة تأخير يومية تتصاعد تراكميًا عند تجاوز الإدارة أجلًا قانونيًا محددًا، وتُفرَض فورًا ودون انتظار في حالة عدم الالتزام الصريح بقرار قضائي بات. والإضافة الحاسمة: تعميم الاستفادة من هذه الغرامة على المتضرر المباشر ( فردًا كان أو شركة أو جمعية ) بدل أن تبقى مبلغًا رمزيًا يُضخّ في خزينة الدولة. وبما أن الغرامة تُخصَم من ميزانية تسيير المصلحة المتسبِّبة، فإن أي تقصير غير مبرَّر يتحول فعليًا إلى إهدار موثَّق للمال العام يمكن إسناده لأعوان محددين ومساءلتهم عنه إداريًا. ولتفادي إعادة إنتاج مشكلة الفصل 96 من الاتجاه المعاكس، يجب أن تبقى الآلية مرتبطة حصرًا بتجاوز أجل قانوني موضوعي وقابل للتحقق بسهولة، لا بتقييم جوهر القرار الإداري.
كسر الحصرية التنفيذية في الرقابة على الإدارة: طالما بقيت جهات الرقابة والتأديب العليا تابعة بالكامل للسلطة التنفيذية نفسها التي تُصدر التوجيهات السياسية، سيبقى الحياد رهين حسن نية ظرفية لا ضمانة مؤسسية. التوجه هنا تدرجي: تعزيز استقلالية الهيئات القائمة (تركيبة أكثر توازنًا، رأي مُلزم لا استشاري في الحالات الحساسة) قبل التفكير في هيئات جديدة كليًا.
سد ثغرات النقل والتحوير التعسفي: كل عملية إعادة هيكلة إدارية يجب أن تمر وجوبًا عبر رأي استشاري فعلي لممثلي الموظفين، لا أن تبقى استثناءً مُتاحًا يُوظَّف لإبعاد موظف "غير مرغوب فيه" سياسيًا تحت غطاء تقني.
خاتمة: العقيدة تُكسَب بالزمن لا بالمرسوم
نص هذه التوجهات، مهما بلغت دقته، يبقى شرطًا ضروريًا لا كافيًا. تُكسَب معركة اعتماد عقيدة إدارية جديدة فعليًا حين تتحول إلى ثقافة راسخة في جسم الإدارة نفسه — لا حين تكتمل صياغتها في نص قانوني. وهذا لا يعني العودة إلى العرف الضمني الذي رفضناه في القسم الثاني: العقيدة يجب أن تبقى مكتوبة ومُدرَّسة ومُلزمة قانونًا كما بيّنّا في القسم الثاني، فالنص هو الأساس الذي يحمي الموظف ويمنع الانزلاق نحو "المصلحة العامة" كما يُعرّفها كل موظف بمفرده. لكن الفارق بين نجاح الإصلاح وفشله ليس في وجود النص من عدمه، بل في المسافة الزمنية الفاصلة بين "نص يُراجعه الموظف عند الحاجة" و"نص استُبطن حتى صار سلوكًا تلقائيًا" — وهذا التحول لا يحدث بمرسوم ولا حتى بجيل واحد من الموظفين، بل يستغرق الزمن الذي تستغرقه أي عملية تبنِّي مؤسساتي عميق. من هنا وجب عدم الاقتصاد في هذا الزمن: أي إصلاح يُقاس نجاحه بسرعة صدور نصوصه سيخيب حتمًا، لأن المعيار الحقيقي هو اللحظة التي تصبح فيها هذه العقيدة المكتوبة جزءًا من الحمض النووي للإدارة ذاتها — تُورَّث بالتكوين والممارسة والقدوة فوق أساس النص، لا بديلًا عنه.
بقلم فوزي بن عبد الرحمان