الصراع الأمريكي الإيراني وانعكاساته الإقليمية

تتأرجح المنطقة العربية والإقليمية على وقع تطورات بالغة الخطورة

تكشف عن هشاشة التسويات المؤقتة وعودة آلة الحرب للعمل بضراوة على أكثر من جبهة. فالمواجهة المباشرة وغير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد محصورة في أطر الدبلوماسية السرية أو اتفاقات التهدئة الهشة، بل تجاوزتها لترسم مشهدا ميدانيا بالغ التعقيد يمتد من مياه مضيق هرمز الاستراتيجية، مرورا بجنوب لبنان المشتعل، وصولا إلى الساحل اليمني وعمق الخليج

مع انقضاء مفاعيل التهدئة المؤقتة ومذكرة التفاهم التي رعتها أطراف إقليمية، عادت لغة التهديد والوعيد لتتصدّر المشهد بين البيت الأبيض وطهران. تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول فرض حصار دائم و"إعلان مضيق هرمز أرضا أمريكية"، قابلتها طهران بتحد سافر عبر التأكيد على أن الممر المائي الحساس لن يُفتح أو يُغلق إلا بقرار إيراني، معتبرة أن سيادة المضيق خط أحمر.

هذا التجاذب العسكري والسياسي يعكس  مدى تعقد صراع الإرادات لفرض موازين قوى جديدة في المنطقة المتلهبة بملفاتها وحروبها وصراعاتها المتعددة، فواشنطن تسعى لتقويض القدرات الإيرانية وحماية مصالحها في المنطقة ومكاسبها السياسية الداخلية، بينما تتمسك طهران بأوراق ضغطها البحرية والاقتصادية، رافضة الخضوع لشروط الإملاءات الأمريكية، ومصرة على ربط أمن الملاحة برفع الحصار الشامل عن موانئها وإيقاف مسار العدوان  .

لم تكن دول الخليج بمعزل عن شظايا هذا التصعيد، فقد وجدت نفسها في عين العاصفة جراء استمرار الاستهدافات المتكررة لناقلات الطاقة (مثل سفن شركة أدنوك الإماراتية) في مضيق هرمز، مما دفع مجلس التعاون الخليجي إلى إطلاق مطالبات عاجلة للمجتمع الدولي بالتدخل لكبح الممارسات الإيرانية ووقف التهديدات المباشرة لأمن الملاحة . وفي السياق نفسه، ألقت الأزمة بظلالها القاتمة على العلاقات القطرية - الإيرانية، على خلفية مطالبة طهران المتكررة بالكشف عن مصير طيارين إيرانيين تقول إنهم محتجزون في الدوحة منذ ضربات مارس الماضي، وهو ما نفته قطر بشكل قاطع معتبرة تلك الادعاءات مضللة في توقيت حساس، مما يعكس مدى توتر شبكة التحالفات الإقليمية واختبار قدرة الوساطات على صيانة الاستقرار البيني.

على الجبهة اليمنية، تتسارع الأحداث الميدانية مع لجوء جماعة الحوثي إلى تصعيد هجماتها الصاروخية والمسيّرة باتجاه المناطق المأهولة في مأرب، ورد الجيش اليمني باستهداف مواقع ومتحركات الحوثيين في الجبهات الغربية للمحافظة. هذا التصعيد اليمني يمثل امتدادا عضويا لصراع النفوذ الإقليمي بين ايران وباقي الدول لتوسيع جبهات الضغط، بالتوازي مع التهديدات المستمرة للملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

أما في جنوب لبنان، فقد بلغ العدوان الإسرائيلي ذروة دموية جديدة مسجلا أعلى حصيلة يومية للضحايا منذ توقيع "اتفاق الإطار" في جوان  الماضي، إثر غارات عنيفة أسفرت عن استشهاد  قتلى بينهم أطفال في بلدتي أنصار ودير الزهراني، واستهداف قيادات ميدانية بارزة في حزب الله. هذا التصعيد الإسرائيلي الممنهج، المدعوم بروايات أمنية وسياسية تبريرية لواشنطن، يضع اتفاقات وقف إطلاق النار على المحك، وينذر بانفجار شامل قد يطيح بكل المظلات الدبلوماسية المتاحة.

إن المشهد الإقليمي الراهن يرسل دلالات واضحة على أن المنطقة قد دخلت مرحلة أشد خطورة ووطاة ، حيث تتداخل ساحات المواجهة العسكرية (لبنان، اليمن، الخليج) مع مسارات الحرب الاقتصادية والنفسية في مضيق هرمز. وبين تعنت الأطراف الدولية وإصرار قوى الإقليم على فرض معادلات جديدة بالقوة، تبقى الحلول السياسية رهينة لحسابات ميدانية دقيقة قد تفجرّ المنطقة بأسرها في أي لحظة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115