قيظٌ شديدٌ نهارا وليلا، والمكيّفُ يترنّح. تقولُ لي زوجتي: "ألا نذهبُ إلى البحر؟"، فأردّ: "كيف واللّصوصُ يتربّصون بنا؟ ومن سيحرسُ البيتَ في غيابنا؟". تضيفُ: " حتّى أصدقائي الّذين سافروا إلى المناطق السّاحليّة يقولون لي: "لا تأتِي إلى هنا، فلا ماءَ ولا كهرباء". نصمتُ، ونتّفقُ على البقاء.
اليوم الثّاني: عبد اللّه الشّقيق! أعدتُ قراءةَ رسائلكَ وفكّرتُ فيكَ، فاغرا فمي، حائرا، وصامتا. السّماءُ جهنّمُ والأرضُ بركانٌ. لم أستطع قراءةَ أيّ شيءٍ ولا الكتابة، فكّرتُ في المنتحرين وفي الانتحار، وفكّرتُ في والدتي. عدتُ إلى أرشيفي الشّعريّ فوجدتُ نصّا أعدتُ صياغتَهُ:
تسألني الحبيبةُ أمّي النّائمةُ في جنان الخلد: «كيف حالُك يا ولدي؟ كيف قنّ الدّجاج الذي تركتهُ من بعدي؟ كيف ذاك الصّندوق الخشبيّ وأسراري الّتي خبّأتها فيه؟ كيف حالُ فرنِ الخبزِ وبرّاد الشّاي الأزرق؟ كيف الحقل والزّرع والزّيتون وأشجار الخوخ واللّوز، وتلك الكرمة السّامقة في حديقة المنزل؟ قل لي: "هل موسم الحصاد جيّدٌ هذا الصّيف؟ وكيف حال إخوتك، وكيف حالُ جميع النّاس والأهل؟ وهل أنت على ما يرام؟". آه، يا ولدي.. نسيتُ أن أسألك عن شرائح التّين المجفّف، تلك الّتي وضعتها على سطح البيت كي تتشمّس؟ ونسيتُ أن أسألك عن زوجتكَ وعن الأطفال؟"...
أصمتُ ثمّ أقول: "أمّي! يا أمّي! كلّ شيء "تمام". أنهضُ باكرا فيأتيني من رحم الفرن خبزُكِ السّاخنُ الوهّاج، ويأتي صحن زيت الزّيتون البكر، ولبن الشّياه، وكأس الشّاي، ويأتي بيض الدّجاج. أحتسي في صباحي عصير العنب، وأنام ليلا على فرحٍ شيّقٍ كالطّرب. كلّ شيءٍ هنا جنّة يا أمّي في تونسنا الخضراء، وهي الآن أجمَلُ ما تكون! فالكهرباء لا تنقطع أبدا، والماء - ماء الحياة في الحنفيّات- يسيل عذبا زلالا، وثلّاجتي مكتظّةٌ بالغلال. ثمّ لا تنسي يا أمّي! لقد صار عندي هاتفٌ جوّال، وفضاء أسبح فيه يسمّونه 'الإنترنت'، فأنا أتجوّل كلّ يومٍ في أنحاء العالم، وأحيانا أتجوّل في الجحيم لأغيّر مزاجي الرّائق دوما، وأرى عجائب الزّمن الجميل...»
اليوم الثّالث: عزيزي عبد اللّه! خرجتُ باكرا إلى مكتبي. الهواءُ خصلاتُ نار، ولا أحدَ في الشّارع سواي. مرّ بي شابٌّ مشبوهٌ فقلتُ: لعلّه لصّ، فقد كثر المجرمون في بلدي. قلتُ في نفسي: "سأمرّ على المجمّع التّجاريّ وأقتني سكّينا لعلّي أحتمي به من طعنةٍ غادرة". كان الشّارع يعجّ بالقمامة والأكياس البلاستيكيّة من كلّ لون. قلتُ مجدّدا: "ما بال التّونسيّين؟ كيف صارت بلدهم مصبّا للقمامة في كلّ المدن؟"، واستنتجتُ أنّ الشّعب متخلّفٌ أيضا، بل هو أكثر تخلّفا ممّن يحكمونه. تذكّرتُ مقالا كتبه ذات مرّة الرّوائيّ الرّاحل مؤنس الرّزّاز، حول تصويت مجلس الشّعب ضدّ قانونٍ يمنح المرأة بعض الحقوق، إذ قال إنّ هؤلاء يمثّلون الشّعب والقانون اقترحته الحكومة... فمن المتخلّف يا ترى؟
اليوم الرّابع: عزيزي! عدتُ إلى الردّ على رسائلك. جهّزتُ رسائل الدّكتورة راوية يحياوي الّتي عنْونتُها بـ "رسائل زمن الكوفيد"، وقد أنهيتُ ترجمتها إلى الفرنسيّة وستصدر قريبا. شدّني حنينٌ إلى نصٍّ شعريّ للشّاعر الرّاحل محمّد القيسي، وحضرتَ أنتَ معه. كان النّص يتملّكني، وعنوانه: ' ليس يُؤلمني أيّ شيء.. ليس يُوجعني أحد'. والواقع أنّني من فرط ضجري صرتُ بلا إحساس، فقد هجرتُ 'الفيسبوك' و'المسينجر' ولم أعد أعلّق أو أنشر، ولا أتواصل حتّى مع الأصدقاء الخلّص. تحرّرتُ، بل تخفّفتُ من تبديد ثروة الزّمن العجول. اخترتُ لكَ من نصّ محمّد القيسي ما يلي:
كلّ شيءٍ على ما يرام حبيبي. أنتَ في المقعد المجاور منّي وأنا أحتسي من يديكَ عصيرَ العنبْ... كلّ شيءٍ هنا يتداعى الحمامُ كسيرُ الجناح، المحبّون، نهبُ الرّياح، المقاهي تضجّ مقاعدُها بالفراغ، وتخبو شعاعا. لا تصدّق نشيد الرّضا يا حبيبي، عناقيدُنا تذبلُ الآن، والوقتُ صارَ مشاعا.
اليوم الخامس: قرأتُ قليلا من يوميّات الكاتب الفرنسيّ "سيلفان تيسّون". ليلا لم أستطع القراءة فقلتُ: "لي حواسٌّ خمسٌ فلأستغلّ حاسّة السّمع". استمعتُ إلى موسيقى الرّحابنة، حيث بساطة الكلمات وعمق الدّلالات، وحيث انسياب اليوميّ والعابر في قالب شعريّ قلّ نظيره بفضل عبقريّة زياد. لا أخفي عليكَ، فقد ورد بخاطري سؤال: شخصٌ أمّه فيروز الّتي أنجبت العبقريّ زيادا، وآخر اسمه سعيد ووالدته سعيدة، وكلاهما كتلتان من لحم ودم وشحم لا يفقهان شيئا من الحياة! كيف؟... تذكّرتُ أيضا ما قاله الشّاعر مظفّر النوّاب: "بعضُ النّاس خطايا فادحةٌ، يا عبد اللّه".
اليوم السّادس: اقتنيتُ كتابا باللّغة الفرنسيّة ل'سيغموند فرويد'، وقرأتُ منه ما وجدته ينطبق أكثر على مجتمعاتنا العربيّة الّتي تعالج الأمراض النّفسيّة بالشّعوذة والسّحر بدلا من الطبّ النّفسيّ، مجتمعاتنا الغرائزيّة، العاطفيّة، المكبوتةٌ والمعقّدة بأجسادها الخاملة وعقولها المتحجّرة. ليلا استمعتُ إلى موسيقى الغجر وبعضٍ من موسيقى البلوز والجاز. قد تقول لي: "ما شأنك بهذه الأنواع؟"، فأجيبكَ: "أحبّ هذه الموسيقى الّتي تعبّر عن الألم والفقد والتّمييز والخسارات والحنين والتّرحال". عدتُ إلى لوركا في 'أغان غجريّة'، وإلى محمود درويش، فوجدتُ خيطا رابطا بين هؤلاء، فلوركا ودرويش استعارا من الأغاني الغجريّة ومن الفلامنكو. قلتُ: "قد يصلح هذا ليكون موضوع بحث".
اليوم السّابع: عزيزي، عدتُ إلى نصّ 'آهاتُ أمّي'، فأنهيتُ جزأه الأخير:
أرى ما لا ترينَ في حياتك الماضية، يا أمّي: الوطنُ الآن كتلكَ الجنان الّتي تسكنين، والحياةُ هنا صاخبة. أمّي! يا أمّي! دعيني أقلْ ما لا يخطر على بالكِ ولا على أيّ بال، دعيني هنا في سكوني وفي غبطتي: أنا الآن ممدّدٌ فوق سرير الحديد الّذي تركتِه، لا شيء يكدّر صفو حياتي، غير أنّه لا دجاجَ ولا صندوق، لا فرنَ ولا خبز، لا شاي، ولا شجرَ خوخٍ ولوز، لا حقلَ ولا حصاد، الأشقّاء انفرطوا كحبّاتِ عقد، وتونسُكِ لم تعد خضراء، فلا ماءَ ولا كهرباء، ليس سوى القمامة هنا وهناك... ها أنا ذا في الهجير أتصفّح جريدة 'الفيسبوك'، وأقرأ سبّا وشتما وفتوى وعنفا، وأحصي في الآن ذاته بعض ديوني، وأسعل من أثر الكورونا في الرّئتين. ألو... ألو... أمّي... وتنقطع الكهرباء، وينقطع الماء والإنترنت، وتنفد طاقة الهاتف الجوّال... أعود إلى حيرتي وهجيري، بينما صوت أمّي يهتف لي: «واصلْ معي ماءَ حديثك العذب، يا ولدي»، ثمّ... تردّدُ لي أغنية: «كيفكْ إنتَ.. ملَّا إنْتَ... بحبّك إنْتَ».
اليوم الثّامن: معلّقٌ كعلامة تعجّب. تشتدّ الحرارة، أصير سائلا، وعناقيد الهواء الحارّ تجفّف حلقي. كدتُ أبكي، ف"قلبي على الحديقة"، كما تقول الشّاعرة فروغ فرخزاد. الأشجار احترقت جميعها. بقيتْ في بعض الشّوارع أشجار ' الكالبتوس' الّتي زرعتها فرنسا لعلمها أنّها الوحيدة الّتي تقاوم هجير الصّحراء، حكماؤنا اقتلعوا الكثير منها، ولم يزرعوا في حياتهم شجرة. تصفّحتُ 'الفيسبوك': سبٌّ وشتم، وصفحاتٌ مأجورة تزوِّر وتحرّض على الفوضى والحرائق. أعتقدُ أنّ التّونسيّين فهموا الأمر، فهم يكتفون بالأسوإ الحاليّ مخافة أن يأتي ما هو أسوأ منه. عنفٌ، سرقات، هجرات جماعيّة هنا وهناك، حروب، وفتاوى باسم الأخلاق تارة، وباسم الدّين تارة أخرى. الكلّ يفتي فيما لا علم له به، وفيما لا اختصاص له فيه. الجميع شرفاء، أتقياء، متديّنون. المساجد والجوامع والأدعية والصّلوات والابتهالات... كلّ هذا الفضيلة ونحن في الرّذيلةِ والتّخلّفٍ العميم! قلتُ لي: "ما بالُ النّاس الأوصياء على كلّ شيء، على الله وعلى الدّين وعلى سلوك الآخرين؟ دعوا كلّ واحدٍ في حاله، دعوا النّاس تعبّر وترقص وتحبّ وتقبّل وتمرح، فمن لم يعجبه الآخر فليغضّ طرفه عنه".
اليوم التّاسع: صباحا نهضتُ إلى مكتبي: كتبٌ ومجلّات وصحفٌ أمامي، أعدادٌ من صحيفة 'أخبار الأدب'، 'يوميّات الذّهيبات' لحسّونة المصباحي، و'الرّحلة المغربيّة'، رواية 'الرّماديّة' لمختار الورغميّ، وأعدادٌ من مجلّات 'عالم الكتاب'، و'إبداع'، و'الفكر المعاصر'، و'المجلّة التّونسيّة للعلوم السّياسيّة'. وفي هاتفي والحاسوب كتبٌ محمّلة في علم النّفس والاجتماع والأنثروبولوجيا، وأخرى في الفكر والنّقد والشّعر والقصّة. أراها وأحترس، أتركها وأمضي إلى قراءة دراسة بعنوان "ما بعد الإنسانيّة بين العبث والجديّة" للدّكتور أبو النّور الشّريف من جامعة القاهرة. طربتُ لهذه الدّراسة التي تستشرف إنسان المستقبل حيث يدور الحديث عن كائنٍ حيٍّ مهجّنٍ من الآلة والأعضاء الحيّة. تذكّرتُ كيف ما زلنا نتحدّث عن الحداثة وما بعدها، وعن تشبّثنا بالثّنائيّات والقضايا الّتي اسْتُنْزِفَت، بينما المجتمعات المتطوّرة تشهد مراحل الانتقال إلى الرّقميّ والذّكيّ. هزّني حنينٌ إلى ابن خلدون وابن رشد وابن عربي.
اليوم العاشر: فكّرتُ فيكَ وقد ذكّرْتَني بالحرّ وغلاء المعيشة، كلّنا في الهوى سوا. لم تستطع أيّ دولة عربيّة بناء دولة ديمقراطيّة عادلة تحقّق الرّفاهيّة حتّى البلدان الغنيّة منها. أبحث عن الهواء... أختنق... أحتمي بالمكيّف. أحاول أن أقرأ للعظيم هشام جعيّط وللشّاعرين 'رياض الصّالح الحسين' و'أمبرتو أكابال'. ثمّ خطرتْ بذهني قصّة قصيرة جدّا، فدوّنتها.
اليوم الحادي عشر: رغم شدّة الحرارة قرأتُ من يوميّات الفرنسيّ 'أندريه جيد'، واستمعتُ إلى موسيقى الفلامنكو. بحثتُ عن رواية 'البشير خريّف' "الدّقلة في عراجينها" فلم أجدها، إذ طلب منّي الصّديق نور الدّين بالطيّب إعداد ورقةٍ حول هذا الأديب.
اليوم الثّاني عشر: شقيقي عبد الله، كان يوما خاويا جدّا، لم أقرأ ولم أكتب. عدتُ إلى مراجعة روايةٍ قصيرة حرّرتُها باللّغة الفرنسيّة.
اليوم الثّالث عشر: الماء في توزر لم ينقطع لكنّه سخنٌ جدّا، والكهرباء ضعيفةٌ وتنقطع أحيانا. عدتُ إلى استغلال حاسّة السّمع فاستمعتُ إلى محاضرات للطّاهر لبيب ومحمّد لطفي اليوسفي... شعرتُ بضجرٍ كبير واختناق، لا أمل في البلاد والعباد، لا حبّ ولا مال ولا جمال. أنقذني الشّعر، فاستمعتُ إلى أشعارٍ لمحمود درويش، منها: أحبّكِ أو لا أحبّكِ، مديحُ الظلّ العالي، وكانَ ما سوفَ يكون...
اليوم الرّابع عشر: يبشّرنا الرَّصْدُ الجوّي بتغيّر الطّقس وانخفاض الحرارة، أحاول أن أستعيد قواي. انتظرتُ ما سيحدثُ في الرّابع والعشرين من شهر جويلية. شاهدتُ مظاهرة ولم أعلّق، فقد طلّقتُ السّياسة مكتفيا بعزلتي وشجوني... وقرأتُ من كتاب 'مقوّمات السّيرة الذّاتيّة في الأدب العربيّ الحديث' للأستاذة جليلة الطّريطر.
بقلم: محمّد بوحوش