قوانين جديدة للتسويق الهاتفي تدخل حيّز النّفاذ في فرنسا هل يعيد قطاع مراكز النّداء في تونس ترتيب أوراقه ؟

دخلت فرنسا يوم 11 أوت الجاري مرحلة جديدة في

تنظيم التّسويق عبر الهاتف، حيث أصبح الإتصال الهاتفي بالمستهلك لأغراض تجاريّة مشروطا بالحصول على موافقته المسبقة. ويأتي هذا التجديد تطبيقا للفصل 13 من القانون الفرنسي عدد 594 لسنة 2025 المؤرخ في 30 جوان 2026، و بموجب المرسوم عدد 662 لسنة 2026 المؤرّخ في 23 جويلية 2026، اللذان دخلا حيّز النفاذ بتاريخ 11 أوت 2026.

ويتمثّل التغيير الذي جاء به القانون الفرنسي في المرور من نظام "قائمة المعارضة" الذي يُخوّل للمؤسسات الإتصال هاتفيّا بالمستهلك طالما لم يكن هذا الأخير قد طلب مسبقا عدم تلقي المكالمات التجارية، نحو نظام "الموافقة المسبقة" حيث لا يجوز الإتصال بالمستهلك لأغراض تجاريّة أو تسويقيّة، إلا إذا عبّر هذا الأخير مسبقا و بشكل صريح عن موافقته على تلقّي هذا النّوع من المكالمات.

و ما يهمّنا بالأساس في تونس، هو أنّ القواعد الفرنسيّة الجديدة لا تستهدف المؤسسات الفرنسيّة فحسب. ذلك أنّ النصوص القانونيّة المشار إليها آنفا، تمنع الإتصال بالمستهلك سواء مباشرة أو عن طريق طرف ثالث يقوم بذلك لحساب تلكم المؤسسات، ما يعني أن مراكز النداء الموجودة خارج فرنسا، بما في ذلك تلك الموجودة في تونس، ليست بمنأى عن هذه القواعد عندما تقوم بحملات تسويقيّة تستهدف المستهلك الفرنسي إنطلاقا من تونس. و من الناحية القانونيّة، فإنّ عبئ إثبات موافقة المستهلك على قبول هذه الاتصالات، محمول على المؤسسة، كما أنّ أي عقد مبرم بين مستهلك ما و مؤسسة على إثر عملية اتصال مخالفة للقواعد الجديدة، معرّض للبطلان.

و تجدر الإشارة إلى أن الموافقة المسبقة للمستهلك، ليست مجرّد إبداء موافقة عامّة أو ملئ خانة غامضة ضمن الشروط العامّة للإستعمال، بل يتعيّن أن تكون موافقة حرّة ومحدّدة و مستنيرة وواضحة وقابلة للسحب، كما يجب أن تنتج عن فعل إيجابي واضح من قبل المستهلك، أي ألاّ تكون مفترضة أو ضمنيّة أو ناتجة عن سكوت هذا الأخير. هذا ويفرض النظام القانوني الجديد وجود الموافقة و إمكانيّة إثباتها، حيث أكدت الهيئة المكلّفة بحماية المعطيات الشخصيّة بفرنسا، وهي اللجنة الوطنيّة للمعلوماتيّة و الحرّيات CNIL أن الشروط القانونيّة الجديدة تتقاطع مباشرة مع قواعد ومتطلّبات قانون الإتحاد الأوروبي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية المعروف بالنظام العام لحماية البيانات RGPD.

و يكتسي هذا التجديد القانوني الفرنسي، فيما يتعلق بالتواصل الهاتفي التجاري مع المستهلكين بفرنسا، أهميّة بالغة بالنسبة إلى بلادنا، وذلك بالنظر لأهميّة نشاط مراكز النداء التي تسدي مثل هذه الخدمات الموجهة لفرنسيين إنطلاقا من تونس. فحسب الغرفة النقابيّة الوطنيّة لمراكز النداء والعلاقة مع الحرفاء بمنظمة الأعراف، يُقدّر هذا القطاع في تونس بنحو حوالي 250 مؤسسة تنشط في تصدير الخدمات و خدمة الحرفاء للأسواق الخارجيّة و خاصة الفضاء الفرنكوفوني، حيث يتم انجاز نحو 84 بالمائة من رقم معاملات مراكز النداء التونسية مع متعاملين فرنسيين، وذلك حسب دراسة أنجزتها الغرفة الوطنية المذكورة في سبتمبر 2024. و يساهم قطاع مراطز النداء بنحو 0.5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، و يعتبر بوّابة رئيسيّة لتشغيل الشباب حيث يوفر أكثر من 27 ألف موطن شغل. و تعطي هذه الأرقام فكرة عن الوزن الاقتصادي و الاجتماعي لهذا النشاط.

بيد أنّ أثر القانون الفرنسي الجديد على مراكز النداء في تونس لا ينبغي أن يُفهم كتهديد لنشاطها بقدر ما يتعلّق بضرورة الإمتثال للشروط الجديدة الرامية لحماية المعطيات الشخصيّة للمستهلك بفرنسا. فالمنع يخص أساسا التسويق الهاتفي غير المطلوب من قبل المستهلكين، خلافا للإتصالات المتعلقة بتنفيذ عقد قائم و تلك التي تتم بناء على طلب المستهلك أو في إطار الحالات التي يحدّدها القانون، والي تظلّ ممكنة طبقا لشروطها.

وعليه، فإنّ التحدّي الحقيقي يكمن في ضرورة إعادة صياغة نموذج عمل مراكز النداء في تونس الذي لا يجب أن يقتصر على قاعدة بيانات تحتوي على أرقام هاتف وهوية أصحابها فحسب، بل يتعين اعتماد قاعدة بيانات متكاملة تشمل بالأساس، و بالإضافة إلى أرقام الهاتف والهويّات، مصدر و غاية استعمال هذه المعطيات و تاريخ جمعها و مدة الإحتفاظ بها و خصوصا ما يقيم الدليل على وجود الموافقة المسبقة للمستهلك المعني بالأمر. وهذا ما يفرض على مراكز النداء التونسية مراجعة عقودها مع المؤسسات الفرنسية المنتفعة بخدماتها، كمراجعة أنظمة إدارة العلاقات مع الحرفاء و سجلاّت المكالمات و آليّات منح الموافقة و سحبها و مسؤوليّات كلّ طرف في حال وقوع مخالفة.

كما أن هذا التحوّل في القانون الفرنسي يمكن أن يشكّل فرصة لمراكز النّداء في تونس بقدر ما يشكّله من تحدّ. فمركز النّداء الذي يكتفي بتوفير اليد العاملة للإتصال الهاتفي، قد يجد نفسه أمام أنموذج اقتصادي أكثر صعوبة، بينما يستطيع المركز الذي يطوّر خدماته نحو إدارة البيانات و الإمتثال وخدمات العلاقة الرقميّة مع الحريف أن يحوّل التّشدّد التّنظيمي إلى عنصر من عناصر التّنافسيّة.

ويستخلص من كلّ ما سبق، و بالنظر إلى التطوّر المستمرّ للإقتصاد الرّقمي، أنّ القدرة على تقديم الخدمة بأقلّ تكلفة لم تعد كافية: فالأهمّ من ذلك أن تكون لمراكز النداء في تونس القدرة على تقديم الخدمة وفق قواعد السوق المستهدفة و قواعد حماية البيانات ومتطلّبات الإمتثال، التي أصبحت في حدّ ذاتها جزءا من القيمة المضافة.

بقلم: كريم بن حميدة باحث في القانون والاقتصاد الرقمي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115