عقيدة الإدارة: من خدمة السلطة إلى خدمة الشأن العام مقدمة: الجزء الثاني من نقاش مؤجَّل

في مقال سابق ("التمكين وغنيمة الحكم") تناولنا كيف يستولي

الفاعل السياسي على الإدارة حين تغيب الحماية القانونية لحيادها. لكن الإصلاح القانوني وحده — تحديد قائمة المناصب السياسية، حماية السلك التقني من التسييس — شرط ضروري غير كافٍ. فالقانون يرسم حدود اللعبة، لكنه لا يصنع اللاعب. ما ينقص الإدارة التونسية ليس فقط إطارًا تشريعيًا يحميها، بل عقيدة داخلية تجعلها تقاوم الاختراق من ذاتها، لا بحكم نص يُعاقب المخالف، بل بحكم معنى مهني وأخلاقي يستبطنه كل موظف عن هويته ووظيفته. هذا المقال محاولة لتأصيل هذه الفكرة نظريًا، وتطبيقها على واقع إداري تونسي لم يعرف، منذ نشأة الدولة الحديثة، إلا نموذجًا واحدًا: إدارة في خدمة السلطة.

أولًا. التمييز الفيبري: من أين تُستمَد شرعية الموظف؟

قدّم عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر تمييزًا تأسيسيًا لا يزال أداة تحليل مركزية اليوم، بين ثلاثة أنماط من السلطة تُستمَد منها شرعية من يمارس وظيفة عامة: السلطة التقليدية,حيث تُستمَد الطاعة من العرف والموروث الشخصي (كالبيعة أو الولاء العائلي)؛ السلطة الكاريزمية، حيث تُستمَد من قدرات استثنائية منسوبة لشخص القائد؛ والسلطة العقلانية-القانونية حيث تُستمَد الطاعة من المنصب لا من الشخص.

النموذج الثالث هو ما يُنتج، عند فيبر، البيروقراطية الحديثة بمعناها الإيجابي: جهاز إداري يخدم المنصب لا صاحب المنصب، ويستمر بمعزل عن تغيّر من يشغل قمة الهرم السياسي. الموظف في هذا النموذج لا يُنفّذ لأنه موالٍ لفلان، بل لأن القاعدة تُلزمه، وهذه القاعدة نفسها تحميه من التعسف حين يطبّقها بحياد.

المشكلة أن الإدارة التونسية، منذ الاستقلال، لم تُبنَ فعليًا على هذا النموذج الثالث، بل ظلت تراوح بين النمطين الأول والثاني: سلطة تقليدية-شخصانية حين يُستمَد الولاء من الانتماء للحزب الحاكم أو من الشبكة الشخصية للمسؤول، ونزعة كاريزمية حين تتمركز الشرعية في شخص الحاكم نفسه بمعزل عن أي مأسسة. وما بين النمطين، غاب النمط الثالث الذي هو وحده القادر على إنتاج عقيدة إدارية مستقلة عن تقلبات السلطة.

هذا الغياب موثّق تشريعيًا لا افتراضًا نظريًا فقط: الفصل 3 من قانون 112 لسنة 1983 — أهم فصل في باب واجبات العون العمومي — لا ينص على واجب الحياد أو خدمة المصلحة العامة، بل على أن العون العمومي "ملزم في كل الظروف باحترام سلطة الدولة وفرض احترامها". الواجب المؤسس إذن هو احترام السلطة بصيغتها المباشرة، لا الانصياع لقاعدة مجردة أو لغاية عامة تسمو فوق شخص من يمسك بالسلطة في لحظة بعينها — وهذا هو جوهر الفارق الفيبري بين السلطة العقلانية-القانونية والسلطتين التقليدية والكاريزمية.

ثانيًا. لماذا لم تعرف تونس نموذجًا ثالثًا؟ الاندماج البنيوي بين الحزب والإدارة

هذا ليس افتراضًا نظريًا مجردًا، بل واقعًا مؤسسيًا محددًا: منذ الاستقلال، شكّل الحزب الحاكم (من الحزب الدستوري الجديد إلى التجمع الدستوري الديمقراطي) والإدارة جسمًا واحدًا فعليًا لا شكليًا فقط. كان الحزب يوفّر الغطاء السياسي التوجيهي، والإدارة جهاز الدراسات والتنفيذ، وكان التداخل يطال الأفراد أنفسهم: الوزراء يُعيَّنون، في الغالبية الساحقة من صلب ذلك الجسم نفسه، لا من خارجه إلا في حالات تحسب على أصابع اليد الواحدة. لم تكن الإدارة التونسية إذن "مخترَقة" من طرف السلطة السياسية بمعنى تسلل طارئ عليها، بل كانت جزءًا عضويًا من بنية السلطة ذاتها منذ اللحظة التأسيسية.

هذا يفسّر ظاهرة لافتة لوحظت بعد 2011: حين حُلّ الحزب الحاكم قانونيًا، بقي الوعي المؤسسي للإدارة بذاتها كجسم حاكم مستمر سليمًا معافى — لأن هذا الوعي تراكم عبر عقود من الممارسة المؤسسية و أصبح عقلا في ذاته، ولا يزول بمجرد حل تنظيمي قانوني — بينما زالت آلية التنسيق التي كان الحزب يوفّرها كهيكل موحِّد و زال معه الغطاء السياسي. النتيجة: إدارة تحتفظ بذاكرتها كجزء من سلطة حاكمة، لكن بلا إطار كان يوجّه هذه الذاكرة نحو غاية سياسية موحّدة  فتحولت الذاكرة نفسها إلى مقاومة فئوية مبعثرة، لا إلى عقيدة خدمة عامة.

بعبارة أخرى: تونس لم تنتقل من "إدارة في خدمة الحزب" إلى "إدارة في خدمة الشأن العام"، بل من "إدارة في خدمة حزب واحد موحَّد في خدمة السلطة" إلى "إدارة تحمي السلكة من مواقعها ومصالحها الفئوية بمعزل عن أي غاية جماعية"  وكلا النموذجين بعيد كل البعد عن النموذج الفيبري الثالث.

ثالثًا. العقيدة كمفهوم: لماذا القانون وحده لا يكفي؟

يمكن تعريف "عقيدة الإدارة" بأنها المنظومة المتكاملة من القناعات المهنية والأخلاقية التي تُشكّل، عند الموظف العمومي، معيار الحسم حين يتعارض التوجيه السياسي الظرفي مع المصلحة العامة الأشمل. هذه العقيدة، لتكون فعّالة، تحتاج أربعة مكونات متلازمة لا يُغني أحدها عن الآخر:

1. خضوع الدولة نفسها للقانون قبل مطالبة الأفراد به

هذا هو المكوّن الأعمق والأكثر إغفالًا في النقاش التونسي. العقيدة الإدارية السائدة اليوم تفترض ضمنيًا، وإن لم تُصرّح به، أن القانون أداة تُسلَّط على المواطن والمرتفق، بينما تبقى الدولة ومؤسساتها في موقع متعالٍ عليه — كأن القانون "يُطبَّق على الجميع إلا على من يملك سلطة تطبيقه". هذه المعادلة مقلوبة تمامًا لما يقتضيه المنطق السليم: الدولة، بوصفها مصدر القانون وضامنة تنفيذه، هي أول الملزَمين به سياسيًا وأخلاقيًا وقيميًا، لا آخرهم أو المستثنى منهم. فحين تتأخر الإدارة عن تنفيذ حكم قضائي بات ضدها، أو تمتنع عن إصدار أمر ترتيبي لقانون صادر عن ممثلي الشعب، أو تتحايل على إجراء قانوني بذريعة "المصلحة العليا" التي تُقدّرها هي بنفسها، فإنها تُكرّس عمليًا مبدأ استثناء الدولة من القانون الذي تُلزم به الجميع سواها. عقيدة إدارية حديثة تبدأ من قلب هذه المعادلة: لا شرعية لأي مطالبة من الدولة للمواطن باحترام القانون ما لم تكن هي نفسها القدوة الأولى في الانصياع له، بما في ذلك حين يكون هذا القانون مزعجًا لها أو مقيّدًا لسلطتها التقديرية.

2. الهوية المهنية القائمة على السلك لا على الحزب

أن ينتمي الموظف، في تعريفه لذاته، إلى مهنته وسلكه المهني ومعاييره التقنية أولًا، لا إلى شبكته السياسية أو الشخصية. هذا يستدعي إعادة بناء آليات التكوين والانتداب بحيث تكرّس هذا الانتماء منذ اللحظة الأولى للدخول إلى الوظيفة العمومية، لا أن تُترك لتشكّلها لاحقًا شبكات الولاء غير الرسمية. 

3. الحياد الإيجابي لا السلبي

هناك فرق جوهري بين حياد سلبي (الامتناع عن الانحياز الحزبي فقط) وحياد إيجابي (التزام فاعل بخدمة المصلحة العامة كمعيار حاسم عند كل تعارض، بصرف النظر عن هوية من يُصدر التوجيه). الحياد السلبي ينتج موظفًا يتجنب المخاطرة ويتنصل من المسؤولية ("لا أُقرر خوفًا من الانحياز")، وهو تحديدًا ما يفسّر ظواهر مثل تعطّل الأوامر الترتيبية أو البطء الإجرائي المزمن. أما الحياد الإيجابي فينتج موظفًا يتخذ القرار بجرأة استنادًا لمعيار المصلحة العامة الواضح، لا أن يتوارى خلف الصمت الإداري.

4. الذاكرة المؤسسية كقيمة إيجابية لا كجمود

الاستمرارية الإدارية عبر الحكومات المتعاقبة ليست عيبًا بل ضمانة استقرار للدولة — لكن بشرط أن تكون هذه الذاكرة موضوعة في خدمة المصلحة العامة المستمرة (كاستقرار المالية العمومية، أو جودة الخدمة، أو سيادة القانون)، لا في خدمة استمرارية شبكة مصالح فئوية بعينها متوارثة من حقبة سياسية سابقة.

رابعا. الثورة المفاهيمية: ما الذي يجب أن يتغير فعليًا؟

بناء عقيدة إدارية جديدة في سياق ديمقراطي ليس شعارًا يُعلَن، بل ثورة مفاهيمية تشمل الهيكلة و التكوين و التقييم و الإنتداب و الترقية و ثقافة الجدارة و الكفاءة و الإنفتاح على المجتمع و الوعي بالعالم.

سنتعرض لهذا في الحديث القادم إن شاء الله و بعونه و كذلك للتوجهات الإصلاحية التي ينبغي علينا التداول حولها.

خاتمة: من الكلمة إلى المفهوم

"عقيدة الإدارة" ليست عبارة إنشائية، بل تحوّل مفاهيمي عميق يستوجب أن يعيد الموظف العمومي التونسي، وكل من يُكوّنه، تعريف السؤال المؤسس لوظيفته: هل أنا هنا لأخدم من يُصدر إليّ التوجيه، أم لأخدم المواطن الذي أنا موجود أصلًا من أجله؟ الإجابة الأولى هي ما عرفته تونس منذ نشأة دولتها الحديثة. أما الثانية، فهي التي لم تُبنَ لها بعدُ لا عقيدة راسخة، ولا مؤسسات تُكرّسها، ولا تكوين يُنشئها. وبين الإجابتين تكمن المسافة الحقيقية الفاصلة بين إدارة تخدم من يحكم، وإدارة تخدم من يُحكَم.

بقلم : فوزي بن عبد الرحمان

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115