العبور الجماعي التي عرفتها المدينة يومي 17 و18 ماي 2021، غير أن تكرارها يكشف الحاجة إلى تجاوز المقاربة الأمنية الضيقة للظاهرة، وقراءتها باعتبارها مؤشراً على تحول أعمق في علاقة الفرد المعاصر بمجتمعه ومؤسساته وتصوراته عن المستقبل. فالسؤال الأساسي لا يتعلق فقط بالحدود وآليات عبورها، وإنما بالشروط التي تجعل الرحيل، رغم مخاطره، يبدو لبعض الشباب أكثر إقناعاً من البقاء. فالهجرة غير النظامية، رغم ارتباطها بعوامل اقتصادية واجتماعية كالبطالة وانسداد الآفاق، تجاوزت اليوم التفسير التقليدي القائم على ثنائية الطرد والجذب. فقد أصبحت ظاهرة مركبة تتداخل فيها أزمة الاعتراف، وضبابية المستقبل، والتحولات الرقمية، والتفاوتات الجيوسياسية المرتبطة بحركة التنقل عبر المتوسط. وتنطلق هذه القراءة من فرضية أن الهجرة غير النظامية قد تعبّر عن انفصال رمزي عن الوطن يسبق المغادرة الفعلية، يعكس تراجع قدرة المجتمع على إقناع الفرد بأن له مكاناً وأفقاً داخله. يتتبع المقال هذا التحول عبر أربعة أبعاد مترابطة: انتقال الهجرة من البحث عن فرصة إلى أزمة معنى واعتراف، وتحول «الحرقة» من قرار فردي إلى ظاهرة اجتماعية، ودور الرقمنة في إعادة تشكيل مخيال الهجرة، ثم دلالة حدود سبتة باعتبارها فضاءً يكشف تفاوتات الحركة والانتماء وصراعات المتوسط. من البحث عن فرصة إلى أزمة معنى واعتراف فسّرت الأدبيات التقليدية الهجرة غير النظامية بثنائية بسيطة: عوامل طرد كالبطالة وارتفاع تكاليف الحياة، وعوامل جذب كفرص العمل وتحسن ظروف العيش في الضفة الشمالية. لكن هذه الثنائية، رغم وجاهتها، لا تفسّر وحدها لماذا يختار شاب مواجهة مخاطر البحر بدل الاستمرار في واقع يراه بلا أفق. فالأمر يتجاوز الحساب المادي المباشر ليطال صورة الفرد عن ذاته، ومدى ثقته في إمكانية بناء حياة مستقرة داخل وطنه. هنا تساعد ثلاثة مراجع نظرية على إضاءة هذا التحول، إذ يسلط كل منها الضوء على بعد مختلف من الظاهرة. يوضح الباحث الجزائري عبد المالك صياد أن المهاجر لا يغادر مكاناً جغرافياً فحسب، بل يعيد بناء علاقته بوطنه وبصورته عن ذاته فالهجرة عنده لحظة إعادة تعريف للذات لا مجرد انتقال. ويبيّن أكسل هونيث ، في كتابه الصراع من أجل الاعتراف، أن الأفراد لا يسعون إلى تحسين أوضاعهم المادية وحدها، وإنما يبحثون أيضاً عن الاعتراف الذي يمنحهم الإحساس بالقيمة والكرامة - وهو ما يجعل مكانة الفرد الاجتماعية عاملاً لا يقل أهمية عن الظروف الاقتصادية في تفسير الرغبة في الرحيل. أما زيغمونت باومان، صاحب مفهوم «الحداثة السائلة»، فيضيف بعداً ثالثاً: هشاشة المستقبل ذاته في المجتمعات المعاصرة فحين تتراجع ثقة الأفراد بالمؤسسات وقدرتها على رسم مسارات واضحة للحياة، يتآكل إحساسهم بإمكان بناء حياة مستقرة، ويصبح الرحيل أكثر قابلية للفهم لا كاستجابة اقتصادية فردية، وإنما كتعبير عن أزمة اجتماعية أعمق تمس علاقة الشباب بمجتمعهم. وتتضح هذه الأزمة أكثر حين ننظر إلى العوالم الثلاثة التي تُنتج لدى الشباب اليوم المعنى والاعتراف، وتعيد ترتيب مرجعيات انتمائهم: الموروث الاجتماعي الذي يحدد تصورات الانتماء التقليدية، والمؤسسات الحديثة كالمدرسة والجامعة وسوق العمل التي لم تعد دائماً تضمن أن الجهد يقود إلى مسار واضح، والفضاءات الرقمية التي تقترح نماذج جديدة للنجاح والحياة الممكنة. وحين تتراجع ثقة الشباب بالعالمين الأولين، يصبح العالم الثالث الرقمي المرجع الأكثر حضوراً في صياغة تصوراتهم عن المستقبل، بما يجعل الرحيل يبدو، لدى بعضهم، أكثر إقناعاً من البقاء. «الحرقة»: من القرار الفردي إلى الظاهرة الاجتماعية يمثل مفهوم «الحرقة» مدخلاً أساسياً لفهم خصوصية الهجرة غير النظامية في السياق المغاربي. فهي ليست مجرد قرار فردي متهور أو بحثاً عن مكسب اقتصادي سريع، وإنما تعبير عن تجربة مركبة تجمع بين الإحساس بانسداد الأفق، والرغبة في استعادة الاعتراف والقيمة الذاتية، والبحث عن إمكانية جديدة للحياة. ويكشف اتساع الفئات التي تشملها الظاهرة اليوم - من قاصرين وطلبة وعاطلين عن العمل إلى أسر وشرائح متعلمة ومن الذكور والإناث - أن الهجرة غير النظامية تجاوزت ارتباطها بالفقر وحده، لتعبّر عن تحولات أعمق في علاقة فئات مختلفة بالمستقبل والانتماء والاعتراف. ولا يعني ذلك أن كل من يختار «الحرقة» يتخذ قراراً واعياً بالاحتجاج أو رفض المجتمع فالقرار الفردي يتشكل داخل شروط اجتماعية مشتركة تؤثر في طريقة فهم الأفراد لواقعهم وما ينتظرهم. وما يبدو اختياراً شخصياً محضاً قد يكون، في كثير من الحالات، نتيجة تفاعل بين تجارب فردية وشعور جماعي بأن مسارات الانتظار وتحقيق الذات لم تعد تمنح الثقة بإمكان بناء غد ذي معنى. هنا يساعد نموذج «الخروج – الصوت – الولاء» الذي اقترحه ألبرت هيرشمان على فهم آلية هذا التحول: من محاولة التأثير في الواقع إلى اختيار مغادرته. فعندما تتراجع قناعة الأفراد بجدوى قنوات التعبير والتغيير المتاحة، ولا يعود الولاء وحده كافياً لتبرير الانتظار، يصبح «الخروج» خياراً يبحث من خلاله الفرد عن أفق بديل. وهكذا تنتقل «الحرقة» من قرار فردي إلى ظاهرة اجتماعية قابلة للانتشار، لأن الأفراد لا يتحركون فقط بفعل ظروفهم الخاصة، وإنما أيضاً داخل مناخ جماعي يعيد تعريف ما يبدو ممكناً وما يبدو مستحيلاً. من شبكات الهجرة التقليدية إلى التعبئة الرقمية للعبور لم تعد الهجرة غير النظامية مرتبطة بدوافع الرحيل فقط، بل تغيرت أيضاً آليات انتشارها وتنظيمها. ويساعد مفهوم «مجتمع الشبكات» عند مانويل كاستلز على فهم هذا التحول إذ انتقلت الهجرة تدريجياً من شبكات تقليدية تقوم على الروابط العائلية والوسطاء المحليين إلى فضاءات رقمية عابرة للحدود تتيح تداول المعلومات والصور والتجارب المرتبطة بالحياة في أوروبا. ولا تخلق الشبكات الرقمية الرغبة في الهجرة، لكنها تضاعف أثر العوامل القائمة أصلا: تعيد تشكيل المخيال الاجتماعي حول النجاح والفرص، وتحوّل التجارب الفردية المتفرقة إلى إمكانات جماعية قابلة للمحاكاة والتنسيق، فتقلص المسافة بين فكرة الرحيل وإمكان الانتقال إلى الفعل. وتبرز أحداث سبتة في جويلية 2026 هذا التحول بوضوح إذ لم يعد الانتقال نحو الحدود يتم فقط عبر شبكات الهجرة التقليدية، فقد أصبحت المنصات الرقمية فضاءً لتداول الدعوات والمعلومات وصياغة توقعات جماعية حول إمكانية العبور. وحتى حين لا تؤدي هذه التعبئة إلى عبور فعلي، فإنها تكشف أن الهجرة غير النظامية لم تعد سلسلة من قرارات فردية متفرقة، وإنما باتت قابلة للانتشار السريع داخل فضاءات رقمية تُعيد إنتاج الإحساس الجماعي بإمكان الرحيل. سبتة: حين تكشف الحدود التفاوت والصراع تكشف المقارنة بين أحداث ماي 2021 وأحداث جويلية 2026 تحولاً في طبيعة الظاهرة: ففي الأولى دخل نحو تسعة آلاف شخص إلى سبتة خلال يومين، بينهم عدد كبير من القاصرين، بينما أبرزت الثانية الدور المتنامي للمنصات الرقمية في تسريع الحشد، مع بقاء العبور الفعلي رهين التدخلات الأمنية. وتكشف المحطتان أن الحدود لم تعد مجرد خط جغرافي، وإنما فضاءً تتقاطع فيه التحولات الاجتماعية والرقمية والتوترات السياسية في المتوسط. ويبين إتيان باليبار أن الحدود لا تُفهم فقط باعتبارها حواجز تفصل بين الدول، بل باعتبارها فضاءات سياسية تُنتج أشكالاً مختلفة من الإدماج والاستبعاد، فتمنح بعض الأفراد حرية الحركة وتحول دونها بالنسبة إلى آخرين. ومن هذا المنظور، تجسد سبتة ومليلية مفارقة حدود أوروبية قائمة داخل القارة الإفريقية، حيث يتجاور القرب الجغرافي مع تفاوت كبير في فرص الحركة والاستقرار والعيش. ولا تسمح خصوصية سبتة بإسقاطها مباشرة على الحالة التونسية، لكنها تطرح أسئلة مشتركة حول مستقبل إدارة الحدود المتوسطية، في ظل اتساع الفوارق بين الضفتين الشمالية والجنوبية. فالهجرة غير النظامية لم تعد تُختزل في بعدها الاجتماعي أو الأمني، وإنما أصبحت مكوّناً متزايد الأهمية في المعادلات الجيوسياسية، تتقاطع فيه سياسات الدول واستراتيجيات الاتحاد الأوروبي وتوازنات الفضاء المتوسطي، وقد تتحول في بعض اللحظات إلى أداة في التفاعلات الدبلوماسية بين الدول، خاصة مع تصاعد الضغوط الناجمة عن التفاوتات الاقتصادية والتحولات الديمغرافية والتغيرات المناخية. ويضيف الفضاء الرقمي بعداً جديداً إلى هذه المعادلة، إذ أصبح قادراً على تسريع انتقال الإحباطات الفردية إلى تحركات جماعية عابرة للحدود. خاتمة: من أزمة الحدود إلى أزمة المستقبل تكشف الهجرة غير النظامية، في جوهرها، عن أزمة تتجاوز مسألة العبور غير القانوني للحدود، لتلامس قدرة المجتمع على إقناع أبنائه بأن الغد ما يزال قابلاً للبناء داخله. وتُبرز أحداث سبتة أن هذه الأزمة لا تبدأ عند الحدود، فهي تبدأ قبل ذلك، في مسار تتراجع فيه علاقة الفرد بمجتمعه، ويضعف إحساسه بإمكان بناء حياة ذات معنى داخل وطنه. عندها يتحول الرحيل، بالنسبة إلى بعض الشباب، إلى محاولة لاستعادة الفاعلية والأمل، حتى عندما تكون الطريق محفوفة بالمخاطر. فالهجرة غير النظامية لا تختبر نجاعة السياسات الأمنية في ضبط الحدود فحسب، بل تختبر -وهذا هو الأهم- قدرة السياسات العمومية على إنتاج الثقة في المستقبل المشترك، وعلى توفير شروط يشعر فيها الشباب بأن الانتماء ليس مجرد ارتباط بالمكان، فهو إمكانية فعلية لبناء مسار حياة ذي معنى. لذلك فإن التعامل مع الهجرة غير النظامية في السنوات المقبلة لن يكون مسألة إدارة حدود أكثر نجاعة وحسب، وإنما سيتطلب سياسات عمومية قادرة على إعادة بناء الثقة، وتعزيز الإحساس بإمكان بناء مستقبل ذي معنى داخل الوطن. بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي