المفارقة‭ ‬التونسية‭:‬ الاستراتيجيات‭ ‬مثالية‭ ‬والنتائج‭ ‬مخيبة‭ ‬للآمال

لقد‭ ‬كان‭ ‬لعمليات‭ ‬قطع‭ ‬الكهرباء‭ ‬بالتناوب‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي
‭ ‬فضل‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬وهو‭ ‬إعادة‭ ‬مسألة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬صلب‭ ‬النقاش‭ ‬العام‭.‬ في‭ ‬المنازل،‭ ‬وعلى‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وفي‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬عاد‭ ‬اللوم‭ ‬نفسه‭ ‬بإلحاح‭: ‬‮«‬لم‭ ‬يعد‭ ‬للبلاد‭ ‬رؤية‭ ‬ولا‭ ‬استراتيجيات‮»‬‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬تمامًا‭.‬ لا‭ ‬تعاني‭ ‬تونس‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات،‭ ‬بل‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات‭... ‬ومن‭ ‬نقص‭ ‬صارخ‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭.‬ اذ‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬سنة،‭ ‬زودت‭ ‬البلاد‭ ‬نفسها‭ ‬بترسانة‭ ‬مثيرة‭ ‬للإعجاب‭ ‬من‭ ‬الرؤى‭ ‬والخطط‭ ‬وخرائط‭ ‬الطريق‭. ‬من‭ ‬بينها‭ ‬رؤية‭ ‬تونس‭ ‬2035‭ ‬التي‭ ‬حددت‭ ‬التوجهات‭ ‬الكبرى‭ ‬لاقتصاد‭ ‬مزدهر‭ ‬وشامل‭ ‬ومستدام‭. ‬رؤية‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬فلكها‭ ‬حزمة‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬القطاعية‭: ‬الانتقال‭ ‬الطاقي،‭ ‬والانتقال‭ ‬البيئي،‭ ‬والانتقال‭ ‬الرقمي،‭ ‬والصناعة‭ ‬2035،‭ ‬والمياه‭ ‬2050،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬ومناخ‭ ‬الأعمال،‭ ‬والسياحة‭ ‬المستدامة‮…‬‭ ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬استراتيجيات‭ ‬أكثر‭ ‬تخصصًا‭: ‬الصناعة‭ ‬4‭.‬0،‭ ‬والاقتصاد‭ ‬منخفض‭ ‬الكربون،‭ ‬والنجاعة‭ ‬الطاقية،‭ ‬والابتكار‭...‬ اذ‭ ‬انه‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬يصعب‭ ‬القيام‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬أفضل‭.‬ حيث‭ ‬استجاب‭ ‬إعداد‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجيات،‭ ‬في‭ ‬اغلبها‭ ‬الى‭ ‬أفضل‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭. ‬اذ‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أشهر،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬عامين،‭ ‬تجتمع‭ ‬الإدارات،‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬والمنظمات‭ ‬المهنية،‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬والخبراء‭ ‬التونسيون‭ ‬والدوليون،‭ ‬ويتحاورون،‭ ‬وينجزون‭ ‬الدراسات‭ ‬الاستشرافية،‭ ‬ويحددون‭ ‬الأهداف،‭ ‬ومؤشرات‭ ‬الأداء،‭ ‬وآليات‭ ‬الحوكمة‭. ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬نتيجة‭ ‬هذا‭ ‬الجهد‭ ‬عالية‭ ‬الجودة‭.‬ اذ‭ ‬ان‭ ‬الوثائق‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬تشهد‭ ‬بذلك‭ ‬وتقر‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬التحليل،‭ ‬وعلى‭ ‬صياغة‭ ‬رؤية‭ ‬متماسكة‭ ‬تواجه‭ ‬التحديات‭ ‬وعلى‭ ‬معرفة‭ ‬ممتازة‭ ‬بالتحولات‭ ‬التي‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬تونس‭ ‬الشروع‭ ‬فيها‭.‬ إذن‭ ‬لماذا،‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬النتائج؟ ولامر‭ ‬هنا‭ ‬بسيط،‭ ‬حيث‭ ‬ان‭ ‬قيمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬تتحدد‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تنفذ‭.‬ وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تتعطل‭ ‬المنظومة‭.‬ تعطل‭ ‬ندركه‭ ‬ان‭ ‬بحثنا‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬لها،‭ ‬منذ‭ ‬اعتمادها،‭ ‬تمويل‭ ‬محدد‭ ‬بوضوح،‭ ‬ترجم‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬ميزانية‭ ‬متعددة‭ ‬السنوات؟‭ ‬وكم‭ ‬عدد‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬التي‭ ‬خضعت‭ ‬فعلًا‭ ‬إلى‭ ‬متابعة‭ ‬صارمة‭ ‬تسمح‭ ‬بقياس‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الطموحات‭ ‬المعلنة‭ ‬والإنجازات‭ ‬الملموسة؟ الإجابة‭ ‬معروفة‭.‬ ففي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬تتحول‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭. ‬فما‭ ‬إن‭ ‬تننشر‭ ‬الوثيقة‭ ‬حتى‭ ‬يفتر‭ ‬الزخم‭. ‬وتتغير‭ ‬الأولويات،‭ ‬وتتأخر‭ ‬التحكيمات‭ ‬الميزانية،‭ ‬وتتوزع‭ ‬المسؤوليات،‭ ‬وتُستبدل‭ ‬المشاريع‭ ‬تدريجيًا‭ ‬بسلسلة‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬الظرفية‭ ‬التي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تمولها‭ ‬برامج‭ ‬تعاون‭ ‬دولي‭ ‬محددة‭ ‬زمنيًا‭.‬ وهذا‭ ‬ما‭ ‬يحول‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬فهرس‭ ‬للنوايا‭ ‬الحسنة‭.‬ ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ليست‭ ‬تمرينًا‭ ‬في‭ ‬الاتصال‭. ‬إنها‭ ‬عقد‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمواطنين‭. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬مصداقية،‭ ‬وممولة،‭ ‬ومقادة،‭ ‬وخاضعة‭ ‬للتقييم‭.‬ وهي‭ ‬تفترض‭ ‬خيارات‭ ‬سياسية‭ ‬واضحة‭ ‬ومعلنة،‭ ‬وأولويات‭ ‬مرتبة‭ ‬بوضوح،‭ ‬وبرمجة‭ ‬ميزانية‭ ‬واقعية،‭ ‬وحوكمة‭ ‬قوية‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬رغم‭ ‬التداول‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬والأزمات،‭ ‬والقيود‭ ‬المالية‭.‬ وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تونس‭ ‬بالفعل،‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬أنها‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تقود‭ ‬إصلاحات‭ ‬كبرى‭ ‬عندما‭ ‬تجتمع‭ ‬هذه‭ ‬الشروط‭.‬ لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬عمليات‭ ‬قطع‭ ‬الكهرباء‭ ‬بالتناوب‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬عرض‭ ‬لمشكلة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭.‬ إنها‭ ‬تكشف‭ ‬ضعفًا‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬عملنا‭ ‬العمومي‭: ‬صعوبتنا‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬التشخيص‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬ممتاز،‭ ‬إلى‭ ‬إنجازات‭ ‬ملموسة‭.‬ إن‭ ‬البلاد‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬جديدة‭.‬ إنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تطبيق‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬بالفعل‭.‬ ففي‭ ‬مجال‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬قيمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لا‭ ‬بأناقتها‭ ‬ولا‭ ‬بحجمها،‭ ‬بل‭ ‬بأثرها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين‭.‬ وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬يبدأ‭ ‬الاختبار‭ ‬الحقيقي‭ ‬للحوكمة‭.‬ بقلم: شكيب بن مصطفى

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115